النشيد والعلم، انتماؤك أنت ومجموعة أخرى من البشر بشكل جمعي لكيان تخيلي اسمه الدولة، تلك التي تعمل من خلال مؤسسات تضبط وتتحكم في أصغر تفاصيل حياتك، وتستطيع الوصول عبر إداراتها المكتبية إليك وإلى جميع مواطني دولتك أينما كانوا. يسرني إخبارك عزيزي أنّ كل ذلك ما هو إلا منتج أوروبي معلّب يعرف باسم الدولة القومية الحديثة، أو بالإنجليزية Modern National State. تلك التي لها جيشٌ جاهز محترف، لا يمتهن شيئًا غير القتال. في تلك الدولة يفترض بأنّك تحيا بصفتك مواطنًا لك حقوقٌ تؤديها الدولة في مقابل طاعتك الجزئية، ومما لا شك فيه أن من عيوب النظريات السياسية أو التأريخ السياسي أنه يتمركز حول التاريخ الغربي؛ أي إنه يقارن بين القديم والحديث في السياق الغربي فقط، دون النظر إلى السياق الشرقي أو الإسلامي. لكن تلك حال الأمم المنتصرة.

تكمن مأساة الدول الإسلامية في فشل مشروعها التحديثي، وتغيير مفهوم الدولة، وعلاقة الرعايا بالحكام، فشلت محاولة التنظيمات في الدولة العثمانية، في القرن التاسع عشر، كما لم ينجح مشروع التحديث لمحمد عليّ في مصر في الزمن نفسه. كذلك يجب فهم أنّ العديد من تلك التجارب لا يمكن عدها تحديثًا إسلاميًّا خالصًا بقدر ما كانت تغريبًا. ولفهم فكرة التحديث وتحديد أسباب فشلها، فلا بد من معرفة المقصود بحداثة الدولة أو الدولة القومية الحديثة. ونعني بالحداثة تلك الأوروبية؛ لأنها هي التي فرضت نموذجها على الواقع.

ملوك أوروبا يحكمون بسلطة الربّ والبابا

عالم ما قبل الحداثة «مصطلح يعرّف الحركة الفكرية والسياسية التي تلت عصر التنوير في أوروبا» كان مختلفًا بشدّة. فبعد انهيار الإمبراطوريات الكلاسيكية القديمة «اليونانية والرومانية» أخذت الدولة في أوروبا شكلاً يعرف بالدولة الملكية الإقطاعية، إذ يحكم الملك بأحقية الحق الإلهي من الربّ والكنيسة.

«الملكية هي أعلى شيء على وجه الأرض، فالملوك ليسوا فحسب وكلاء الربّ المستوين على عرش الربّ في الأرض، ولكن فقد نصبهم الربّ نفسه آلهه». *جيمس الخامس الأسكتلندي، باسيليكون دورون

حكم الملوك أوروبا بما يعرف باسم حق الملوك الإلهي أو The Divine Right of Kings. فالملك لا يتوقف وجوده على أدائه أو على سابق فضل أسرته الملكيّة على الدولة المحكومة، وإنما يستمد الملك حكمه من خلال تنصيب البابا له، وبذلك فقد نصّبه الإله ملكًا، وعلى هذا النحو فمعارضة الملك تعد معارضة الكنيسة والربّ نفسه، تهمٌ لم تُرد أن تُتّهمها في أوروبا القرون الوسطى. على كلٍّ فقد بررت الكنيسة الكاثوليكية الغربية حق الملوك الإلهي باستخدام آيات إنجيلية، إلى جانب قصص توراتية تثبت أنّ الملك معينٌ من الرّب مباشرةً.

باقي دولة الإقطاع يتكون في هرمها أسفل الملك مباشرةً طبقة النبلاء، وهؤلاء هم الإقطاعيون أصحاب الأراضي. النبلاء يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي كعطايا من الملك وفي المقابل، يقومون بجباية الضرائب ودفعها للملك، وينظمون الجيش للخدمة العسكرية عبر الإنفاق على الفرسان وإعطائهم الأراضي، بعد النبلاء تأتي طبقة الفرسان المدربين على القتال، وهم يمتلكون أراضٍ أصغر من تلك التي يمتلكها النبلاء، وفي قاع الهرم يقع المهانون في الأرض، طبقات واسعة من الفلاحين الذين يقضون حياتهم في الفلاحة كفايةً لاحتياجاتهم الأساسية، وتلبيةً لنداء الحرب وقتما يطلقه الفرسان والنبلاء.

«لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة؛ لأنّه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. 2 حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة». *Romans 13:11-7 آية إنجيلية استدل بها مارتن لوثر لقمع ثورة الفلاحين بألمانيا 1525.

الهرم الاجتماعي في أوروبا الإقطاعية

يجب أيضًا أن نوضح كيف كانت الدولة من منظور جموع الفلاحين. فمن هذا المنظور الملك إلى جانب البابا يمثلان السلطة الإلهية في الأرض. وبهذا انتماء الأفراد يكون إلى الملك الذي يحكمهم. ولا يوجد أيّ تواصل بين ممثلي المملكة وبين الرعايا «ليسوا مواطنين بعد»، غير في جباة الضرائب والجنود الذين يهبون وينفذون العقاب العلني الوحشي على المتمردين، أو اللصوص، أو المجدفين. علاوةً على ذلك لم يكن هنالك ما يُسمى بالعلَم أو النشيد القومي. لم يكن في العقل الجمعيّ الإنساني بعد أننّا نحن الإنجليز ننتمي لإنجلترا، وأنّ الإنجليزي في أعلى شمال البلاد، توجد بيني وبنيه أخوة وانتماء مشترك، وأننا سويًّا نقاتل في الجيش الإنجليزي من أجل مجد إنجلترا. لم يوجد أصلاً ما يُسمى بالجيش النظامي المحترف «Modern standing army» والذي يتلقى التدريب والتجنيد والمقابل المادي طوال العام، بحيث لا يحترف شيئًا سوى القتال. فالجيوش الإقطاعية كانت تحشد فقط ساعة الحروب، وتتكون في القيادة من الفرسان والنبلاء المدربين على القتال، ويليهم أغلب الجيش من الفلاحين والمزارعين، الذين جمعوا ودربوا سريعًا قبل المعارك وأثناء الحروب فقط، ويكسب أولئك قوتهم أثناء الحرب من السرقة، ومن السبي، واغتنام الغنائم من الجيوش والممالك المهزومة.

ظلّ الحال على ما هو عليه إلى أن ظهرت الإصلاحات البروتستانتية في منتصف القرن السادس عشر. إذ رفض البروتستانت فكرة البابا المقدّس الكاثوليكي، وعليه فقد انقطع الخطّ المقدّس الذي كان يستمدّ منه الملوك حقهم الإلهي، وبدأ الناس في التساؤل. هل حقًّا علينا الطاعة المطلقة للملوك مهما كان ظلمهم؟ وهل وجود الملوك كالقدر الذي لا يتزحزح؟ والأهم، هل هذا هو الشكل الأوحد للدولة وما يجب أن تكون عليه؟ انتهت تلك التساؤلات برأس الملك تشارلز الأول بين أيدي البرلمانيين الإنجليز في الحرب الأهلية الإنجليزية الأولى عام 1649.

عقد هوبز الاجتماعي.. الطاعة في مقابل الأمن

تخيل معي أنّ لك مطلق الحرية لفعل ما تشاء، وقتما تشاء، وأينما تشاء، ولا يوجد قانونٌ يمنعك من هذا. قد تتحمس لهذا لوهلة، إلا أنه قد تنتابك الرهبة مما يقدر الآخرون الآن أن يفعلوه بك، الناتج يبدو كابوسًا مستمرًّا من الفوضى وانعدام الأمن، وذلك بالضبط ما رآه أحد أهم منظّري الفلسفة السياسية في إنجلترا، توماس هوبز صاحب الكتاب الشهير «الليفاياثان».

مع بداية عصر التنوير في أوروبا ظهر من الكتاب من ناقشوا شكل الدولة الملكية، ويرجع العديد من الكتاب بداية نظرية العقد الاجتماعي إلى توماس هوبز في كتابه الشهير «ليفاياثان» 1651. عاصر هوبز الحرب الأهلية الإنجليزية العنيفة 1642-1651 والتي أعدم فيها الملك ال‘نجليزي تشارلز الأول، وتمزقت فيها إنجلترا حتى وصلت إلى شفير الانهيار. أراد هوبز أن يضع تفسيرًا لسؤال لماذا أصلاً يحتاج البشر إلى الملوك الطغاة، وما المقابل الذي عليه يجب أن يطيع الرعايا الملوك ولا يخرجوا عليهم لتفادي تلك الحرب مرة أخرى. بدأ هوبز تحليله بما وصفه بالحالة الطبيعية للأفراد أو State of Natur، فالحالة الطبيعية أو البدائية التي ولد فيها الأفراد قبل الدول لم يكن فيها قوانين، ولا احتكار أحد للقوة، بذلك فقد كان الإنسان في حرب مفتوحة مع الجميع وضد الجميع؛ لأن الإنسان كان له الحق في أن يفعل ما يريد وقتما شاء، وبذلك، وبتعبير هوبز، كانت الحياة قبيحة، مخيفة وقصيرة.

لتفادي ذلك قرر الأفراد الأحرار أن ينشؤوا النظام السياسي للممالك، ووضع عقد اجتماعي إذ يتخلى الرجال طوعًا عن جزء من حريتهم للحاكم، وفي المقابل يحتكر الحاكم العنف والقوة لتطبيق الأمان، وبهذا تتكون مساحة من العيش المشترك بين الرعايا تقوم عليه مصالحهم، وضع توماس هوبز العقد الاجتماعي بصورة الطاعة في مقابل الأمان. فلطالما وفرت الدولة «ملكية كانت أو برلمانية» الأمن، وفرضت سيطرتها، إذن فقد أوفت بجانبها من العقد الاجتماعي، وعليه يترتب على الرعايا «لم يصبحوا مواطنين بعد» أن يطيعوا الحاكم وإن ضربك، وإن سرق مالك «من المثير للتأمل التشابه بين مبدأ هوبز ومبدأ طاعة الحاكم المتغلب عند السلفية الإسلامية». حتى إن ظلمك الملك فلا تلم البشرية إلا نفسها؛ لأنّ طبيعتها الهمجية هي التي استدعت فرض وجود شخص طاغٍ كالملك ليحد من حريات الناس، في مقابل أمنهم وتنظيم مجتمعهم.

«اعلم أنّه من خلالك تم خلق وحش الليفاياثان الخيالي المسمى بالمصلحة المشتركة، أو ما يعرف بـ(الدولة) والتي ليست سوى شيء اصطناعي صنعه البشر بترتيب وقوة أعلى من الطبيعة، التي تصب في صالح الحماية والدفاع (عن الرعايا)، وبهذا فإن السيادة (للملوك) هي روحٌ اصطناعية تعطي الحياة والحركة لكامل الجسد». *توماس هوبز، 1651

لم تبق الدولة في أوروبا على هذا الحال، ولم يكن الأمن فقط كافيًا لتبرير حكم الملوك، بهذا أدخل جون لوك 1682 ومن بعده جان جاك روسو 1762 الحقوق المدنية إلى نظرية العقد الاجتماعي، إيذانًا بميلاد الدولة الحديثة في شوارع باريس المضطربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد