يرى دعاة الحداثة العرب و المسلمون أن الحداثة وراء التقدم و التطور الحضاري الذي شهده الغرب في العصر الحديث، ومن جهة أخرى يرى أعداء الحداثة أنه لا يمكن أن نتحدث عن التقدم الحضاري بدون رجوع إلى النموذج الإسلامي؛ لأن الحداثة في تصورهم في كثير من ممارستها مضادة للقيم التراثية والمعتقدات الدينية.

في كلمة ألقاها الدكتور عبد الوهاب المسيري في مداخلته في ندوة تحت عنوان: (الحداثة وما بعد الحداثة)، يقول: بدأ الإنسان الغربي يؤسس مشروعه التحديثي عندما أصبح العلم متحكما في الطبيعة، وبالتالي لن نكون في حاجة إلى إله يحكمنا من السماء، وكذالك أمور الغيب كلها لا دعي لها أو الإيمان بها، ولقد كان هناك وهم قائم في القرن 19م مضمونه (كلما زادت رقعة المعلوم قلت رقعة المجهول)، من هنا يمكن أن نقول إن الحداثة جاءت ضد كل قيام الدين التي تقوم في أساسه على عبادة إله والإيمان بالغيب كما هو معلوم في كل الديانات السماوية المسيحية والإسلامية واليهودية ، وهذا ما يخيف المحافظين الدينيين بكافة أطيافهم، والذين يظنون أن الحداثة عمل يقوم على تدمير القيم والأعراف التراثية للمجتمعات، ويؤكدون على ضرورة العودة إلى الرصيد الأخلاقي للنص الديني، هل يمكن أن نقول إن هناك تناقضًا بين الدين والحداثة؟

يقول ماكس فيبر في هذا الشأن: (في أن لأنماط التدين شأنًا في تحديد سلوك الناس في الحداثة، وفي أن الزهد الداخلي غير المعتكف عن شؤون الدنيا أساس أخلاقيات العمل الرأسمالية، في أن الجواب الديني عن سؤال (ماذا يستطيع الإنسان أن يأمل؟) قائم في الدين، وفي أن الإنسان يمكنه أن يجد عنه جوابا في الدنيا وفي الأيديولوجيات الدينية والدنيوية)، من هنا يرى ماكس فيبر أن الدين ليس عائقًا في طريق الحداثة، حيث نجد أن التدين ساهم في صنع الحداثة الرأسمالية في بعض الدول الأوروبية مثل هولندا وإنجلترا، بل الأكثر من ذلك كان للدين دور كبير في الحركات العمالية وفي التحولات الديمقراطية. هل التحديث عملية سريعة وجاهزة؟

تاريخ التحديث الأوروبي الأوروبي هو تاريخ التراكم المعرفي والسياسي والاجتماعي الذي جعل المجتمع الرأسمالي ينبع من قلب المجتمع الإقطاعي، يعني أنه هناك تغيرًا جوهريًا في بنية الإنتاج (عوامل الإنتاج، وقوى الإنتاج، والبنية الفوقية)، في الجهة المقابلة بدأ تحديث في العالم العربي في منتصف القرن 19، ولكنه لم يكون نتاج تراكم معرفي وسياسي واجتماعي، بل كان نتاج صدمة الحضارية التي كانت نتيجة الحملة الفرنسية على مصر، لكن المؤرخ الماركسي بيتر جران يرى عكس ذلك، ويعتبر الحملة الفرنسية إجهاضًا للتحديث الوطني الذي كان قد بدأ من النصف الثاني من القرن الثامن عشر في مصر. من هنا يمكن القول أن التحديث في العالم العربي كان يفتقد لعدة عناصر مهمة، والتي تقوم عليها الحداثة الغربية التي نريد تقليدها وهي كالآتي:

· الفردية.

· العقلانية.

· الوضعية كأساس للبحث العلمي.

هذه ثلاث أسس تتناقض مع أساسية الدين الإسلامي الذي يقوم في الأصل على مبدأ الجماعة والتعاون والتشارك، والذي يتناقض مع الفردية والبراغماتية والقبول بالغيبيات التي تتناقض في الأسس مع العقلانية والبحث العلمي الذي يقوم على ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية والذي يتناقض مع الوضعية التي تقوم على التجربة، لذلك فعملية التحديث في العالم الاسلامي لم تنجح وباءت بالفشل؛ لأنها حاولت تقليد عملية التحديث عند الغرب، ولم تراع خصوصيات العالم الإسلامي، إذًا كيف يمكن أن ننطلق في بناء مشروعنا الحضاري (الحداثة)؟

الحداثة الذي نريدها في عالمنا الإسلامي كما جاء عند العديد من المفكرين المسلمين (حداثة تحكم العقل، ولكن لا تنسى القلب. ترى الحاضر، لكنها لا تنسى الماضي. بمعنى أنها لا تحاول أن تخلق إنسانًا له حاضر دون ماض، وبالتالي دون مستقبل، الانطلاق نحو الحداثة، ونحو النهوض الحضاري لا يتم إلا إذا تم الزواج بين الحداثة والتراث لكي ينجبوا لنا نموذجًا تحديثيًا يحترم تقاليدنا وأعرافنا وقيام ديننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سعيد ناشيد ، الحداثة و القران .
جمعية الدعوة الاسلامية ، أعما ندوة " الحداثة وما بعد الحداثة " .
عزمي بشارة ، الدين والعلمانية في سياق تاريخي -الجزء الأول- .
عرض التعليقات
تحميل المزيد