كتب صديقي المختار الغزيوي مقالاً مهاجما الفنان المغربي الممنوع رشيد غلام ، لم تكن هذه خرجته الأولى ، فقد سبق وفعلها مع الحاقد وآخرين، وفكرت أن أحادثك، وهاهي الفرصة مواتية، خاصة أنني أحب صوتا اسمه غلام، ولطالما أطربني وحملني إلى ذاك المعنى الأسمى الذي تتطلع له كل روح تبحث عن “الحب”، أخاطبك بشكل هادئ هادف على خلاف من يعتبرك أداة في يد السلطة أو الدوائر الرسمية، لأني أفترض أنك صاحب شخصية، لا دمية تنقاد وتوجه لتصريف أجندة، أحاورك من هنا؛ لأجعله نقاشا عموميا  حول الإعلام، وحول رشيد غلام المحاصر رسميا.

غلام الموضوع، كما بزيز أو الحاقد،  وليس الذات لأنني بصدد الانتصار لمبدأ الحرية والغناء في الفضاء العام، “غلام” بما هو مشروع، ورسالة فنية محترمة راقية وخامة صوتية ناذرة طربية، وأتساءل معك سيدي، حول دور الصحفي المهني، والموضوعي، وكاتب الرأي، خاصة أنني أتعامل مع مدير جريدة، ورئيس تحرير، وصاحب تجربة لا يستهان بها، مهما اختلفت وجهات النظر، وحسابات “المال” و”الجهة”، كما هو حال المجال بالمغرب.

وأطرح السؤال:هل الاختلاف السياسي أو الموسيقي الذوقي مع فنان ممنوع في بلده يكون ذريعة للاستخفاف والهمز واللمز والخروج عن المألوف وكيل التهم وإصدار تقييم معين والاستعانة بمصطلحات من قبيل  “القصاير” و”الصبايا”؟

هل من حق صحفي “محترم”، يتبنى حداثة تؤطره، تقييم عمل فنان مغربي، وهو لا يملك الأدوات الفنية والموسيقية الكافية لمتخصص، فقط لأنه يكتب عمودا على جريدة ورقية أو لأنه (مولوع) كما قلت؟

أسئلة كثيرة تدور بخلدي، تكون مفتاحا لحوار جدي، ومسئول وسلمي على صفحات المنابر التي ربما قد تفتح بابها لقلم مبتدئ لازال يبحث عن موطئ قدم في مجال موبوء تعرفه أكثر مني.

عندما يتحدث غلام عن المنع فهو ليس فقط ممنوعا من الإذاعة والتلفزة الرسمية التي له كامل الحق للحضور فيها، وفق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، حتى لو سلمنا بأنه يطرب فئة ضيقة من الشعب “الجماعة”، فحقوق الأقليات محفوظة في الإعلام العمومي وأنت سيد العارفين.

بل إن منعه يتعدى الفضاء السمعي البصري ليطال الفضاءات العامة، وإن كنت لا تدري فقد أخرجت قوات الأمن بجميع تلاوينها بالقوة أناسا حجوا لحضور سهرة لرشيد غلام بعد أن استوفى جميع شروط حجز قاعة السهرة. الأمر إذن يتعدى ما قلت، ليطال المنع من الفضاء العمومي، وهي جريمة حقوقية كما تعلم. ولقد انتزعت ابتسامتي وأنت تستعرض في مقالك حضور غلام الوازن في المشرق والمغرب في وقت عجزت عن إثبات حقه في حضور مماثل على أرض الوطن.

غلام،  بغض النظر عن انتمائه السياسي وآرائه التي هو حر فيها، حسب متخصصين “أي أصحاب الخبرة” قامة فنية موسيقية عالية جدا ومدرسة فنية متكاملة الأوصاف، ليس بشهادتي بل كبار الفنانين، منهم ناصر شامة، نعمان الحلو، صباح فخري، بوشناق، وديع الصافي الكبير قبل رحيله، وآخرون كل باسمه ورسمه، لامجال للاستفاضة، وهذا مبثوث وموجود ـ كما أشرت أنت ـ في يوتوب، وليس في مكان آخر، وعلى شريط خاص بثته قناة الجزيرة مؤخرا، ولك أن تعود له، وهذا طبيعي؛ لأن الرجل محاصر مكتوم الأنفاس كصديقه بزيز، فلا وجود ولا أثر في قنواتنا الرسمية أو الفضائية “البهلوانية” على كثرتها، إلا من استثناءات قليلة جدا أو مهرجانات عربية بتونس الثورة أو مصر يناير، وبعدها لا تعلو إلا لغة التعليمات من خارجيتنا المحترمة، وأذكرك صديقي الحبيب أن غلام كان أول من اقتحم “كفنان ملتزم مغربي” دار الأوبرا المصرية ، وحين نقول الالتزام فأعني به المبدأ والرسالة الإنسانيتين المشتركتين بين البشر، لا خلفية دينية أو عقدية.

رشيد غلام الإنسان والفنان ممنوع في بلده 15 سنة، وتضيف أنت عليه ظلما آخر، لا أعتقد أن هذا من أخلاق الصحافة، ولا من رسالة الإعلام في شيء، وقد أعترف بالخطأ إن أقنعتني بالعكس !

غلام الذي مثل بلده أحسن تمثيل، وشهد بذلك القاصي والداني، بل تغنى بين يدي زميله في “المغنى” نعمان ببلده المغرب ، حين قال: “بلادي يا زين البلدان” وأطرب وشنف وأبدع، نقلتها قناة الجزيرة باحترافية في برنامج خاص، وإن كانت انتقاداته للسياسة الرسمية التي تمنعه، فهي حرقة مظلوم مكلوم مفجوع ممنوع في بلده لا تعلو قسوتها على ما يتعرض له.

ومما آلمني ، أن مدير جريدة ورئيس تحرير يستورد مصطلحات “القصاير” و”الصبايا” وكان أحرى به الترفع وضرب النموذج، صحفي يغمز ويلمز منتهكا وساخرا ومهاجما تنظيما سياسيا سلميا نحترمه جميعا،  بما هو مدرسة للرجال يعارض بوطنية عالية، لم يتصيد فرص الربيع أو لهث وراء السلطة يوما، أو المناصب والمكاسب، ولازال يؤدي ضريبة مواقفه، وتفبرك له الملفات، وتطبخ له المتابعات، ممنوع هو الآخر بدون سند قانوني “العدل والإحسان”، وقدر اللحظة بامتياز واقتدار وتراجع حقنا للدماء حفظا للبلد من الكبد والعند، مفوتا على أصحاب “المحرقة” الغنيمة الدسمة التي لازالت حرقتها تغص في حلق كثيرين، معجم “كلامي” في مقال إعلامي المفروض أنه مفتوح على العموم، على الأسر المغربية التي طالما دعوت لاحترامها وتقدير الخصوصية المحلية فيها، وهاجمت التطرف مرارا وتكرارا لغة وممارسة !

أخاطب فيك الإنسان الذي يجب أن يرتقي في النقاش، وأؤهلك لهذه القيمة، لا محتقرا كما يفعل كثيرون ـ سامحهم الله ـ أو متحذلقا، ولا كالذين سيتجاهلون إساءتك ويسامحون كعهدي بهم وبأخلاقهم وكرم معدنهم، وأحاورك وأعتقد أنك ممن يحترم التخصص ويدعو لذلك، وأنت الذي طالما استضفت الصديق الجميل بلال مرميد؛ لمعرفة رأيه السينمائي، مهاجما كل دخيل على الميدان متنطع على المجال!

ثم نسبت إلى الرجل بحثه عن وسام، وهذا غير موجود لا في تصريح أو تلميح منه، ولا أعتقد أن من أبجديات الصحافة نسبة الأخبار الزائفة إلى الناس!

أخي  المختار،لست أستاذا كي أقيم عملك أو مقالك، لكنني أؤكد أن كلماتي تأسيس لحوار، وعلاقة إعلامية إنسانية محترمة خالصة، تحاور بالتي هي أحسن، وتطرق الباب بأدب واحترام وتقدير ومسئولية وجدية، وتفتح ملفا شائكا “لغلام”، و للإعلام وتناوله للقضايا وطريقته في المعالجة وتدبير التنوع السياسي والتعددية الحقيقية التي يجب أن نشجعها ونؤسس لها في جو من الأدب والسمو والرقي الذي نريده جميعا لمغرب متعدد متطور ديمقراطي حداثي مدني.

وفي الختام ، رشيد غلام فنان يكفي أن تفتح له المجال الفني والثقافي بشكل عادي جدا، لأنه حقه القانوني الذي لا ذريعة معه مهما كان انتماؤه أو آراؤه السلمية، لأن منع 15 سنة لا يشرفنا كمغاربة، وتبقى نقطة سوداء إلى جانب بزيز والحاقد وآخرين، ولا يعطي الانطباع بأن هناك تغييرا، وحتى إن صح كل ما قلته فيه ـ فرضا ـ فليفسح المجال له لنعرف أيكون مثل عبد الهادي بلخياط ويقتحم البيوت ويطرب أم هو نصف مبدع ممنوع، لكي لا يزعج بخامته الآذان!

ملاحظة لها علاقة لها بما سبق: سبق وأن كتب الزميل المختار الغزيوي مقالا صحفيا في 2011 عن نفس الفنان مشيدا بصوت وبأغنيته “عليو الصوت” وبخامته الصوتية وإبداعه، لكنه عاد لسنة 2015 وتراجع ، فما سر هذا التغيير المفاجئ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفن, المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد