ما الذي يمنع الإنسان الحداثي العقلاني من استنزاف كل موارد هذا الكون، واعتبار باقي المخلوقات من غابات وحيوانات وأسماك مجرد مادة صالحة للاستهلاك والاستنزاف؟ كما يحدث الآن !

ما الذي يمنع الإنسان العقلاني الطبيعي المتفوق علميًّا من استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد أعدائه من بني جنسه وإفناء وجودهم، بضغطة زر؟ كما حصل وكما يمكن أن يحصل الآن!

ما الذي يمنع الإنسان المادي الباحث عن اللذة المجردة عن القيمة من إنهاء حياته أو حياة غيره إن عجز عن تحقيق لذة متصاعدة أو إيقاف حزن واكتئاب يعصف به؟ كما يفعل البعض!

ما الذي يمنع الإنسان المتقدم في الأمم المتقدمة، التي حققت مستوى عيش مرتفع، والتي تؤمن بالعدل والتعاون والحرية والديمقراطية ، من بناء الجدران والأسوار والحواجز لمنع أفراد من أمم أخرى جاؤوا للبحث عن أمن أو فرصة للحياة الكريمة؟ كما يفعلون اليوم!

عندما كتب باومان مؤلفه الشهير الحداثة والهولوكوست رأى فيه أن جريمة الهولوكوست -قيام النازيين بإبادة آلاف اليهود وغيرهم في معسكرات اعتقال وتعذيب، بشكل منظم ومقنن وبصورة عادية وطبيعة تقبلها المجتمع الألماني والأوروبي بشكل صادم وآثم- بغض النظر عن حجم الهولوكوست أو نظريات المؤامرة التي حيكت حوله، أو جدل المسئول عنه، يناقش باومان فكرة أن الهولوكوست نتيجة حتمية لمسار الرأسمالية والحداثة الغربية التي قتلت الإله بتعبير فيلسوف القوة نيتشه، واعتنقت دين المادة واللذة ونصبت وعبدت إله القوة، فبالرغم من أن الحداثة الحالية أعطت مؤسسات دولية قادرة على منع حدوث إبادات أخرى على الأقل بذلك الحجم والشكل نفسه، فإن هذه الحداثة التي تعيش في غرور قوتها لم تعط إلى اليوم أجوبة مقنعة عن أخلاق ووازع عقلي مقنع ينطلق من مرجعياتهم الفكرية، ويمنع وقوع جرائم وآثام مماثلة في حق الإنسان والطبيعة.

يرى المفكر عبد الوهاب المسيري في سياق نقده للحداثة الغربية، أن هذه الأخيرة أفلحت في تحقيق رفاه مادي للكثير من معتنقيها، وإعطائهم بديلاً ميتافيزيقيًا عن فكرة الإله والدين، وذلك بوضع قوانين وفلسفات تستمد مرجعيتها من الأفكار الليبرالية والمادية، لكن هذه المرجعيات تظهر على استحياء تشابهًا مع المرجعية الأخلاقية أو تستدعي الدين وفكرة الإله ولو بشكل خفي، يكتب عبد الوهاب المسيري في مقال شهير له بعنوان: «الحداثة المنفصلة عن القيمة والإله الخفي».

«وذلك لأن المفكر الإنساني حينما يواجه ظاهرة الإنسان السامي المتميز الذي تفترض الماركسية والإنسانية الليبرالية وجوده، فهو إما أن يأخذه دليلاً على شيء أكبر منه خارج المادة ويؤمن بالماوراء، أو يرده إلى المادة كلية ويصبح عدميًّا تتساوى عنده الأمور.

وكما أسلفت ثمة محاولة لإنكار مفهوم الطبيعة البشرية الثابتة في الحضارة الغربية الحديثة، ولكنني مع هذا أذهب إلى أن هذا الإنكار يتم على مستوى الوعي والظاهر وحسب؛ لأن كثيرًا من المفكرين وغالبية البشر العاديين يتبنون مفهوم الطبيعة البشرية التي تتسم بقدر من الثبات والاستمرارية كأداة تحليلية بشكل كامن غير واعٍ.

وقد سميت هذه الظاهرة «الإله الخفي» «بالإنجليزية: هيدن جود hidden God»، وهو مصطلح قريب من مصطلح «الضمير»، ولكنه غير مترادف معه، لأن الضمير يعني أن ثمة شيئًا ما غير مادي يكمن في الإنسان، فيدفعه نحو الخير، وهو إن لم يتجه نحو الخير كما يملي عليه ضميره فإنه يشعر بالذنب وبأنه أنكر بُعدًا أساسيًّا من وجوده».

يرى المسيري إذن استحالة تطبيق حداثة مادية صرفة، أو علمانية شاملة تلغي الدين وفكرة الإله، ويضرب المثال بالمجتمع الأمريكي، حيث يختلف الإنسان الأمريكي عن القوانين والنمط الأمريكي في العيش، حين يؤمن الإنسان الأمريكي بقدسية الحياة ومؤسسة الأسرة وقيم الخير والتعاون، بينما ترسخ القوانين مختلف أنواع الاستغلال والفردانية والاستهلاك وإقصاء الآخر.

من أجل إخراج الحداثة من مأزق الغاية والهدف أو طبيعة وأصل الأخلاق، التي وقعت فيه بعد تبنيها لنموذج واحد من العقلانية، يقدم المفكر طه عبد الرحمن نموذجه للعقلانية.

المفهوم يعتمد أولاً على رفض اعتبار العقل شيئًا مستقلاً، باعتبار ذلك مفهومًا تجزيئيًا للإنسان. فالعقل هو فاعلية للإنسان ككل، وليس كيانًا مستقلاً فاعلاً. ثم يعتمد ثانيًا على الربط بين الفاعلية النظرية المجردة «العقل النظري»، وبين الشعور الذاتي الداخلي «القلب»، تطبيقًا لعدم الفصل التام بين الذات والموضوع. وثالثًا، على تقسيم الفاعلية العقلية إلى ثلاث مستويات أساسية، هي التجريد، والعمل، واليقين الصوفي، ويقابلها ثلاثة مفاهيم للعقل «العقل المجرد»، «العقل المسدد»، «العقل المؤيد».

في هذا الإطار يعارض الدكتور طه النزعة التجزيئية للعقل، بالمفهوم الغربي، ويقرر موقفه كما يلي:

»فعلى هذا، لا يعدو العقل أن يكون فعلاً من الأفعال أو سلوكًا من السلوكيات التي يطلع بها الإنسان على الأشياء في نفسه وفي أفقه، مثله في ذلك مثل البصر بالنسبة للمبصرات، فالبصر ليس جوهرًا مستقلاً بنفسه، وإنما هو فعل معلول للعين، فكذلك العقل هو فعل معلول لذات حقيقية، وهذه الذات هي التي تميز بها الإنسان في نطاق الممارسة الفكرية الإسلامية العربية، ألا وهي «القلب»، فالعقل للقلب كالبصر للعين». (العمل الديني وتجديد العقل، ص 18)

ويصبح العقل المكمل بواسطة العمل هو «العقل المسدد».

ولما كان العقل المجرد بفضل تنزيله على العمل وتوجيهه على مقتضاه، يأخذ في ترك وصفه العقلاني الأصلي ليتجه إلى الاتصاف بوصف عقلاني أفضل وأعقل، ارتأينا أن نخص هذا العقل الذي يسدده العمل ويجدد لباسه باسم «العقل المسدد». (العمل الديني وتجديد العقل، ص 53)

وهذا العقل المسدد، من خلال الإخلاص في العمل والمداومة عليه، يصل إلى مرحلة «العقل المؤيد»، كما يلي:

ولما كان العقل المسدد، بفضل تنزيله على التجربة الحية وتأييده بأوصافها، يترك وصفه العقلاني الأصلي ليتخذ وصفًا عقلانيًا جديدًا أعقل منه وأكمل وأفضل، اخترنا أن نطلق على هذا العقل الجديد الذي يؤيده العمل القائم على التجربة اسم «العقل المؤيد». (العمل الديني وتجديد العقل، ص 116)

والعقل المؤيد يعتمد على التوسل بالتجربة الروحية الحية، والتي اشتهرت باسم التصوف.

سنبين في هذا الباب كيف أن العقل المؤيد يتدارك الآفات الخلقية والعلمية التي تقع فيها الممارسة المسددة، وكيف ينبني على طرائق تحقيقية وتوجهات كمالية، وذلك بأن نترصد الممارسة التي اشتهرت في تاريخ الإسلام بالتعويل على التجربة وطلب الكمال في العمل الشرعي، وهي: «التصوف». (العمل الديني وتجديد العقل، ص 119)

وبذلك يحاول د. طه عبد الرحمن الخروج بالإنسان الذي أدخلته الحداثة الغربية في متاهة مغلقة بعد أن أضاعت مفتاحها حين تبنت نموذجًا واحدًا من العقلانية: أرسطية ديكارتية أو مادية لا تعترف بأي نوع من المرجعيات الأخلاقية، في حين أن مفهوم العقل أوسع بكثير، واعتماد عقلانية أخلاقية «العقل المؤيد» كمثال، قادرة على إعطاء ضوء أمل للإنسان في هذه المتاهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

طه عبد الرحمان موقع فلاسفة العرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد