شغلت عقول الكثير من أهل الأدب والفلسفة بموضوع الحداثة وتجاذبت أطروحات الدارسين عن ماهيتها وجذورها وأثرها على المخيال الإنساني عمومًا، إذ بدأت أولى إرهاصاتها مع عصر النهضة الأوروبية، وتناغم الحنين بشعارات القيم الشخصية المتغنية بالحرية والتطور والرقي، واحتلت مكانة مركزية في الأنساق العقلانية وبالخصوص عند كارل ماركس، وإميل دوركهايم، وماكس فيبر، الذي استطاع لاحقًا أن يأخذ مركز الأهمية في أعمال المحدثين، ولا سيما هابرماس، وجيدن، وليوتار، وتورين.

ويطلق مصطلح الحداثة عمومًا على المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة ويعمد إلى تغطية شتى تمظهرات الحياة الفكرية والسوسيولوجية وكذا الأدبية. كما أدرجت على شتى مناحي العلوم والتقنيات، وامتدت إلى الحياة السوسيولوجية عاملة على التغيير المستمر والصيرورة الدائمة المؤدية إلى تدمير المعايير والقيم الثقافية الكلاسيكية والدعوة إلى الانفتاح على الحياة والتطور والحرية والوثبة في شتى أنماط الحياة. وفي ظل هذه الصيرورة الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها تحدد السياق العام لمفهوم الحداثة بوصفها عملًا دؤوبًا ذا توجه اجتماعي وكذا نمطًا من الحياة يقوم أساسًا على التغيير والابتكار. كما يمكننا أن نعتبر أن أكثر اللحظات حميمية في التاريخ البشري هي لحظات الوثبة الحداثية، وهي اللحظات التي يتم فيها الاستعاضة عن التصورات الرثة والهشة والانفتاح على منطوق حياتي جديد. ويمكن أن نستحضر في مخيالنا هنا فلسفات مثلت الحداثة في صورتها الفلسفية المنحضة مثل: فلسفة كانط النقدانية، مثالية هيجل المطلقة، والمادية الجدلية عند كارل ماركس، وفينومينولوجيا إيدموند هوسل، وبنيوية فوكو وتفكيكية جاك دريدا. والتي تعتبر أهم اللحظات التاريخية في الحداثة الفلسفية.

قد تصور الدارسون الحداثة على امتداد القرون الغابرة تصورًا نقدانيًا من قبل ماركس ونيتشه وفرويد واقتدروا بحذاقة مثيرة أن يدحضوا جميع التصورات والبنى التي تأسست عليها عمومًا. وفي منحى هذه الانتقادات العميقة طرحت العلاقة بين المنحى الذاتيوي في الإنسان والعقلانية نفسها بوصفها أحد أهم التحديات التي واجهتها مرحلة الحداثة. فالحداثة تؤكد العقلانية وهي تنأى بنفسها عن الكينونة البشرية أو الذات القيومية، وإذا كان تجاهل الجانب الذاتي في الإنسان يضع الحداثة في وضعية متأزمة ومحمومة فإن تغييب الجانب العقلي لحساب الجانب الذاتي يضاعف من حدة هذه الأزمة ويزيدها غموضًا وتبعثرًا. فالإنسان الذي يتجرد من قناعات العقلانية يضع نفسه في شروخات الهوية والنزعات التعسفية ويقع في دهاليز التعصب والتطرف والدوغماطيقية.

لقد عمل فلاسفة أمثال ريتشارد رورتي وفوكو ودريدا وليوتار وكذا فلاسفة ما بعد البنيوية إلى نقد الأفكار التي حملتها الحداثة وسعت لنشرها في العقل البشري عمومًا، إلى درجة أن بعضهم رفض الحداثة ودعا إلى العدمية والعتمة، في هذا الوقت بالذات جاءت أطروحة وسطية حاملة لنبوءة جديدة لفلسفة الحداثة ولكن وفق منظور فرانكفورتي جديد، وأقصد هنا أطروحة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الذي يقوض تصورات المابعد الحداثيين منبهًا إلى خطورة أطروحاتهم ونظرياتهم ومعتقداتهم، قائلًا لهم بضرورة النأي عن التقوقع حول سلبيات الحداثة، وإنما الواجب ذكر الإيجابيات أيضًا، ومن ذلك أن الحداثة أدّت إلى إيجاد دولة القانون والحق، وحرية التعبير، والتفكير والتنقّل، كما استشرفت على التقدم التكنولوجي. صحيح كما يقول هابرماس إنّ ظاهرة الاستعمار، ونهب العالم الثالث، ومحاولة السيطرة عليه، وجشع الشركات الرأسمالية الذي لا يرتوي، إضافة إلى ظاهرة الفاشية والنازية، كل ذلك حصل في عهد الحداثة، لكنّ ذلك يدلّ على انحرافات أصابت عقل الحداثة، لا على خلل في الحداثة ذاتها.

إذا كانـــت الحداثة قد ساهمت في استغلال الموارد الطبيعية، ونقلها إلى رؤوس أموال كما ساهمت في نموّ القوى الإنتاجية، وزادت من قدرات العمل، وبنت سلطات السياسة المركزية، وشكّلت الهويات القومية، وعلمنة القيم والمعايير، فإنها لم تنته بعد ولم تنـــجز، وفقًا لتصور الفيلسوف الفرانكفورتي يورغن هابرماس وهذا لكونها تعمد لمعالجة مشاكل لم يتمّ حلها بعد، ولأنه يعتقد كذلك بأنه من اللغط الوقوف ضد الحداثة لأن بدائلها ستكون رديئة جدًا. ولأن الحــداثة بكل إيجابياتها لم تقتدر على معالجة تلك المشاكل، لهذا يتوجب الأخذ بالتصور القائل إن الموضوعات التي تعالجها الحداثة لم تبلغ منتهاها، وبمعيّتها فمشروع الحداثة لم ينته بعد.

لم يكتف هبرماس بالدفاع عن الحداثة، وتبيان إيجابياتها، وإنما لجأ إلى نقد الحداثة من الداخل، وإعادة بنائها لا كما يفعل الآخرون الذين وجدوا أن الحداثة استنفدت موضوعها وتاريخها، وأنها لا تستطيع أن تكون هي المشروع الإنساني المعاصر، أو قصرها على جانب من دون آخر، وإنما بإيجاد الحلول لإشكالياتها. لذلك تحدّث هابرماس عن التذاوت للخروج من أزمة فلسفة الذات أو الوعي أو مبدأ الذاتية، وتحدّث عن العقلانية التواصلية للخروج من أزمة العقل الأداتي والذي شغل عالم الطبيعة، واقتحم العالم الإنساني، مثلما تحدّث عن ضرورة التخلّص من هيمنة التقنية والعلم اللذين صارا عقيدة الحياة المعاصرة المزيّفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

يورغن هابرماس الحداثة - مشروع لم يكتمل
Modernity: an incomplete project
Habermas and the unfinished project of modernity pdf
عرض التعليقات
تحميل المزيد