منذ استفاق العالم على معجزات العلم، أضحى العلم منهجًا ودينًا، ذلك أن العلم قد قدم للناس اختراعات تساعدهم في حياتهم اليومية، علاجات تساعد في القضاء على الأمراض، مركبات فضائية تطلع إلى الفضاء، أغذية وأطعمة معلبة وخلافه.

وحيث إن العلم قد أضحى منهجًا ودينًا، فقد ظهر مصطلح «الحداثة» في الغرب، كي يعبر عن قوة وسيطرة العلم في جميع مناحي الحياة، وكشريك أساسي في التطور. إن إيمان الناس بالعلم ينبع من الاستفادة التي يقدمها العلم لهم، لذا لا يمكن أبدًا أن يدحضوا فضله.

وانطلاقًا من مفهوم المنفعة، فإن لم يكن الدين يقدم نفعًا للناس، لتركه الناس. فأين تكمن منفعة الدين؟!
إذا نظرنا للدين، فسنجد أنه يقدم شيئًا لم يستطع العلم حتى الآن تقديمه، إنه شيء معنوي يدعى «الأمل».
إننا نتعب ونشقى، ندور في دائرة كبيرة كل يوم سعيًا وراء لقمة العيش، نعمل الخير، نفقد أحباء، نمتحن في صبرنا…
إن لم يكن لهذه الحياة هدف أسمى، فلماذا وجدنا فيها، ولماذا كل هذا الحرص على الشقاء والعمل والبذل؟!
إنه الأمل في أن هذه الحياة ليست حياةً بلا معنى، بل هي الطريق إلى أكبر المعاني والغايات.

ولكن العلم قد بدأ يبحث عن سبل الخلود، وبدأ في استكشاف كواكب أخرى صالحة للعيش. إن العلم في تحدٍ مستمر للدين تحت شعار «من يبلى أولًا؟».

إذن، لا بد أن نضع مقياسًا يساعدنا على أن نتوقع من يبلى أولًا، وهذا المقياس يكون «التطور».

إن ركود أي شيء في هذا العالم، يساعد لا محالة على انتهائه. ولذلك، فإن لم يهتم المفكرون المهتمون بعلوم الدين بتطوير مفاهيم الدين، والنظر في مدارس التأويل، كما في الفقه على سبيل المثال عند المسلمين، فسيصبح الدين في موقف في غاية الحرج.

في يوم، دخلت إلى مكتبي وكان زملائي متحلقين يتحدثون في أمرٍ من أمور الدين وأشياء في القرآن، فسألتهم: «ما رأيكم في أمر الله تعالى لقوم موسى «بنى إسرائيل» بأن يقتولوا أنفسهم عقابًا لهم على عبادتهم عجل السامري من بعد الإيمان بالله؟».

بهت زملائي، ثم جاء السؤال منهم على هذه الشاكلة «هل هذا الكلام موجود في القرآن؟!».

هذا الكلام جاء في الآية 54 من سورة البقرة إذ يقول تعالى: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم».

ثم جاء في الآية 66 من سورة النساء تأكيدًا أن الله قد أمر بمثل هذا الأمر من قبل حينما قال: «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا».

الآفة لم تعد فقط أن الدين لم يعد معمولًا به في الحياة اليومية، بل لم يعد حملة الكتاب يعرفون ما جاء في الكتاب! ولم يعد الكثير من الناس يسأل أو يستفسر عن سبب نزول تلك الآيات، ولم يعد هناك من يفسر باجتهاد من بعد الشعراوي رحمه الله، وإذا جاء أي شخص بتأويلات جديدة للقرآن، أو أراد استخدام أداة منهجية مختلفة لتحليل النص، حاربناه.

إن النص إن لم يُدرس، ويفهم، وتتطور معانيه بمقتضى العصر، ويظهر مفكرون هدفهم إحياء الدين لا كسب المال عن طريق القناوات الفضائية، فإن النص سيبلى لا محالة، وهكذا يبلى الدين أولًا، ويصبح قاصرًا على الدهماء ومحتكرًا من قبلهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد