معسكر الموت

«سندخل من الباب ونخرج من المدخنة، لا اسم لكم أنتن مُجرد رقم ووشمن على أذرعنا أرقامًا كانت هي ألف ومائة واثنان وأربعون ورقم آخر أكبر هو مائة وثلاثة وسبعون ألف وسبعمائة وثمانية” هكذا سرد جاك وسارة الناجيان من غُرف الغاز في معسكرات إبادة اليهود «أوشفيتس» (1) ما كان يحدث لهما في معسكرات الألمان وكيف كانت الحارسات البولنديات يتصرفن معهن على أساس أنهن لا قيمة لهن مجرد أرقام في تعداد الموتى. وبعد مرور ما يقرب من ثمانية عقود على المحرقة والإبادة اليهودية المعروفة للعالم باسم «الهولوكوست» هل تبرأ المجتمع الألماني من وصمات العار التي تلاحقه؟

تقارير إعلامية تنبأت بأن وزارة المالية الألمانية تخطط لميزانية عامة تقرب من 93,6 مليار يورو إلى عام 2020 جزء هام من هذه الميزانية لإيواء ومعيشة اللاجئين. (2)

والكثير من المنظمات والجمعيات التي أُسست خصيصى من أجل اللاجئين فمثلًا منظمة «الجوب سنتر» وهو مكتب العمل المسؤول عن السوريين بعد حصولهم على إقامة اللجوء ليقوم بدوره بإعدادهم للتكيف مع المجتمع الألماني، ويتحمل المكتب كافة التكاليف للاجئ السوري من رواتب شهرية تصل إلى مئات من اليورو شهريًا للشخص البالغ ويتكفل المكتب بالسكن وأثاثه وكل الفواتير اللازمة من مياه وأدوات معيشية.(3) ومنظمة «بروازول» وهي التي تختص بالدفاع عن حقوق اللاجئين أمام الرأي العام لاسيما التيار الشعبوي اليميني في ألمانيا المناهض للجوء والمشجع للهجرة والترصد للاجئين والمشجع لأعمال العنف تجاههم. (4)

أما عن منظمة «كريتاس» وهي أكبر المنظمات فتقوم بتعليم اللغة الألمانية فضلًا عن المساعدة في لم الشمل للعائلات، والمساعدة في الإجراءات الحكومية وعلى الحصول على المقاعد الدراسية في الجامعات ويوجد لها مترجمون يعملون في كل الولايات الألمانية من أجل مساعدة اللاجئين. (5)

البربرية والحضارة

هل تغير المُجتمع الألماني الصناعي وأصبح يُجمل ما تشوه منه منذ عقود؟ أم تغيرت الحداثة وأصبحت تساعد الإنسان بعدما كانت تنهي حياته كما رأى عكس ذلك المؤرخ وعالم الاجتماع «راؤل هيلبرج» في دراسته التي أتمها القرن الماضي بعنوان «تدمير اليهود الأوروبيين» فقال «لم تكن آلية التدمير تختلف اختلافًا بنيويًا عن الطبيعة المُنظمة للمجتمع الألماني بأسره، بل كانت هي المجتمع المنظم نفسه وهو يؤدي أحد أدواره الخاصة» (6) أو كما قال الرجل اللاهوتي الذي يدرس الاجتماع «ريتشارد روبينسن» ورأى أن الدروس المستفادة التي توصل إليها من دراسة ظاهرة الهولوكوست أنها شاهد عيان على تقدم الحضارة الغربية، وأنها تدلل على استمرار التقدم  وعبر على أن الحضارة كما تُشير إلى نظم الوقاية الصحية والأفكار الدينية الوسطية والفن الجميل والموسيقى الرقيقة والحياة العادلة أيضًا تُشير إلى العبودية والاستغلال والحروب والإبادة ومعسكرات الموت وشبه البربرية بالحضارة والإبداع بالتدمير هما وجهان للحضارة. (7)

الإنسان والتكنولوجيا

ولكن إلى وقتنا هذا يحدث تلك الجرائم والإبادات وبشكل بربري في لباس تكنولوجي حضاري فاستخدم السلاح الكيماوي بالطائرات القاذفة له بدلًا من الأفران ومعسكرات الغاز مثلًا، ويظل الإنسان عاجزًا أمام تلك الجرائم.

يرى «كريستوفر براونينج» مؤلف كتاب البيروقراطية الألمانية والهولوكست أن ضعف النفس البشرية في لحظات تختفي فيها كراهية الإنسان للقتل ونبذ العنف والخوف من تأنيب الضمير، هذه اللحظات تظهر بوضوح عندما يواجه الإنسان أعظم إنجازات الحضارة مثل التكنولوجيا، وبراجماتية الاقتصاد ويبرهن على أن المجتمع الألماني مَهَد سريعًا لتلك الإبادة وأنه ليس نتاجًا تكنولوجيًا أفرزته الصناعة المتطورة فحسب، بل كان نتاجًا تنظيميًا أفرزه المجتمع الألماني البيروقراطي حينذاك. (8)

الحداثة والعنصرية عند باومان

لماذا لا يقال عن مجزرة «هيروشيما وناكازاجي» أن الحداثة سبب رئيسي في حدوثهما مع أن التفوق التكنولوجي وإظهار القوة العسكرية التطورية للولايات المتحدة الأمريكية خير دليل على ذلك ومع ذلك لم تتداول في المؤلفات على أنها بربرية في لباس حضاري، يشرح أستاذ الاجتماع البولندي «زيجمونت باومان» كيف جاءت الحداثة وهي تصطحبُ معها العنصرية ويؤكد أن في عصور ما قبل الحداثة كان اليهود جماعة من الجماعات وطبقة من الطبقات ولم يمثل تميزهم أي مشكلة.

أما مع بداية الحداثة فصارت عزلة اليهود مشكلة، فكان لابد من إخضاعها كأي ظاهرة أخرى خضعت أمام المجتمع الحديث وهنا يقصد بالحديث أي التخطيط التكنولوجي والإقناع العقلاني والتشيد والتصنيع والإدارة والرقابة، أما عن المسؤولين فكان بإمكانهم في مجتمعات ما قبل الحداثة أن يلعبوا الدور المتواضع الهادئ الذي يلعبه حارس منطقة الصيد، فيحرسون مجتمعًا يعتمد على موارده الذاتية ويعيد إنتاج نفسه تلقائيًا عامًا بعد عام وجيلًا بعد جيل دون تغيير ملحوظ، أما المسؤولون عن المجتمع الحديث ففي الأزمنة الحديثة لا يمكن التسليم بأي شيء وما ينبغي لشيء أن ينمو إلا وزرعه المجتمع بنفسه لذلك يحتاج الإنسان الحديث إلى رؤية البستاني ومهاراته لا إلى حارس منطقة الصيد. (9)

أما عن الخوف الذي صدر وما زال يصدُر عن الجماهير فانقسم إلى حالتين؛ حالة تأييد تام وحالة خوف تام، عن الهولوكوست قديمًا أو دول المنطقة العربية حاضرًا لا سيما سوريا حدث القتل والجرائم اللاإنسانية أمام الجمع ويرتص المؤيدون والخائفون على هامش واحد بجانب القوة فكلاهما كانت ردة فعلهما نتيجته القوة وحتى قديم الزمان عندما كان يفترس الأسد الإنسان ليضحك الملك ونبلاءه كان السكوت الجماعي لهذين السببين، فقادة القتل الجماعي رأوا أنه لابد من قتل اليهود لأنهم يستحقون الموت وهم الواقفون حائلًا بين الواقع الذي يفتقر إلى الكمال ويسوده الاضطراب وبين عالم يأمل الناس أن يجلب لهم السعادة والطمأنينة.

وسجلت الباحثة «سارة جوردن» مزيدًا من الترحيب من الألمان البسطاء تجاه إقصاء وعزل اليهود من مراكز القوة والمسؤولية والثروة ومن التفاعل المجتمعي، فكان الاختفاء التدريجي لليهود يحظى بترحيب كبير يمهد الإبادة التي حدثت وأصبحت المسألة اليهودية بالنسبة لهم تخضع تحت أوامر السلطة تفعل بها ما تشاء إن أرادت أحيتهم أو قتلتهم (10) كبعض الجماعات الإرهابية من وجهة نظر بعض الأنظمة العربية والعالمية.

الحداثة والاستبداد

وما هي الإبادة في أي شكلٍ من أشكالها إلا تأسيس لديكتاتورية سياسية نظامية تحكم البلاد والعباد بالسوط التكنولوجي الفائق التطور، السجون، الإعدامات، المجازر الجماعية، الغازات السامة، أساليب التجسس والمراقبة فائقة السرعة والإمكانية، وهاجس تكرار الإبادة اليهودية ما زال يتواجد عند أُناس بعينهم وطائفة وعرقٍ بعينه، فالروهينغا يتعرضون للقتل الجماعي في ميانمار على أساس تفوق عرق القاتل على المقتول، فمن المؤكد أن مسلمي الروهينغا لا يشكون ولو للحظة أن يتجمعوا في يوم من الأيام في معسكر للإبادة الجماعية يُشبه معسكر النازية القديم. أما بالنسبة لليهود فمن المؤكد أنهم يعيشون في عالم تطارده فكرة إمكانية وقوع محرقة جديدة ويرى «إيميل سيوران» الخوف يعني أن تفكر في نفسك باستمرار وأن تكون عاجزًا عن تصور موضوعي للأحداث. الشعور بالرعب، الشعور بأن كل ما يحدث ضدك، يفترض عالمًا ظون مخاطر محايدة. (11)

وماذا عن القتلة؟ القاتل هُنا هو آلة في المُجتمع الحديث تتوافر عنده صفات الإنسانية مع البشر إلا من ينفذ عليه العقاب، والقتل هنا يختبئ في قيم أخلاقية حضارية بُنيت بعدما سمعة الضحية وكان الاقتناع التام عند القاتل بأنه يخدم الحضارة ويساعد الدولة على التقدم، يقول «روبرت جونسون» في دراسته صناعة مكافحة الجريمة. بعدما نفذ تجارب عملية لما كان يفعله المنفذون للإعدامات قبل تنفيذهم للحكم، فقال إن تحويل إجراءات القتل أصبحت كروتين لديهم، فقد تحرروا من مشاعرهم تجاه ضحاياهم وحيدوا الاعتبارات الشخصية.

وذكر «جونسون» أنه عندما قابل الضباط المشرفين على عمليات الإعدام، قال أحدهم: «إن إدراكي بحقيقة الزيارة العائلية الأخيرة للسجين تُشعرني بالضيق كثيرًا وعلينا أن نتذكر أن حراس زنازن ما قبل الإعدام لا ينعمون بالرفاهية التي استمتع بها منفذو الهولوكوست، حيث كان لديهم متسع من الوقت بتكوين علاقات شخصية مع السجناء» ولكن قال أيضًا «من المفترض أن ذلك جزء من الوظيفة مثل وظيفة الطبيب عندما يفقد أحد مرضاه خلال عملية جراحية». (12)

هكذا كانت الإبادة وهكذا كان القاتل وكانت الحداثة والبيروقراطية، ولكن على سبيل المثال ألا يوجد دولة حديثة بيروقراطية تنفي أسباب المعادلة وتُجرم الإنسان وحده بعيدًا عن التحديث والحداثة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

7- كتاب ريتشارد روبينسن the cunning of history
8-  كتاب كريستوفر براونينيج the german bureaucracy and the holocaust ص 148
9- زيجمونت باومان كتاب الحداثة والهولوكست ص 123
10- سارة جوردن هتلر والألمان ص 171
11- https://www.goodreads.com/…/s…/2855.A_Short_History_of_Decay كتاب إيميل سيوران ص 71
12-  كتاب روبرت جونسون study of the modeern excuation process
عرض التعليقات
تحميل المزيد