من الأمور التي ترتبت على التحاقنا القسري، والقلق بأنموذج الحداثة الغربية، الذي أصبح واقعة روحية ومادية لا مفر من التعامل والاشتباك معها، شيوع حالة من حالات تأثيم الذات في أفقنا العربي والإسلامي، وحالة التأثيم تلك أو الإثم نستطيع أن نوجزها في نقطتين:-

 

  • إثم الانتماء: ما ماهية هذا الإثم؟ هذا الإثم وهو إثم تصاعد صوته عقب ثورات الربيع العربي نستطيع أن ندرج أغلب خطاباته ضمن دائرة الخطاب الإلحادي والموضوي1  يرى فيه أتباعه ملازما لذواتهم، لأنهم ينتمون إلى فضاء متخلف ورجعي كما يتردد بمقولاتهم فهو فضاء ينتمي لعصور سحيقة يجب التخلص منه ومن ذاكرته المستمرة معنا إلى الآن وبدء عهد جديد عنوانه الانبطاح لحالة الأنموذج الحداثي الغربي الذي يرون فيه المخلص المقدس من كل إشكالاتنا.

 

إشكالية هذا النوع من الإثم أنه تأثيم يجلد ذاته إلى حد قتلها، وبعد قتل ذاته أو نفسه الصغيرة والكبيرة التي تشمل التراث، يسعى لمحاولة استيراد مصادر ذات2 أو نفس  أخرى جديدة من أفق تداولية أخرى لكي يسير وفقها وهذا الأمر نتاج طبيعي لما يراه من أن طبيعة مصادر نفسه أو ذاته القديمة التراثية من (معلقات ولغة عربية وقرآن وفقه وتصوف وغيرها) غير ناجعة في حاضره فلا حل سوى الانبطاح ومحاولة استهلاك منتجات الحداثة بدلا من محاولة تدريب ذاته بالاشتباك الصحي بالأشكلة الصحية والمساءلة للتراث والحداثة3 لإنتاج نمط عيش يخفف وطأة الأزمة الروحية التي هم واقعون بها، وليس فقط هم بل العالم بأسره واقع داخل دائرة الأزمة الروحية العنيفة.

 

فمن قال إن نفسنا الكبيرة (التراثية) هي نفس آثمة4 إلى هذا الحد الفظيع، لماذا لا نحاول التقاط الحالات المضيئة –وهي كثيرة للغاية- في محاولة التأسيس عليها، كما أنه من قال إن كل ما تطرحه الحداثة لابد من الانصياع له والانبطاح؟ إن كل قطيعة تنم عن قصور يجب إصلاحه.

 

  • إثم الوجود: ما ماهية هذا الإثم ؟ هذا الإثم –وهو تأثيم تصاعد كذلك صوته وممارساته عقب فشل ثورات الربيع في تحقيق أهدافها (داعش مثالا)- يرى فيه صاحبه الذي ينتمي للخلفية الإسلامية حصرا وخصوصا لذلك المنتمي انتماء عنفيا أنه ينتمي إلى فضاء قذر ومدنس وخائنا لحالة القداسة النبوية ولذلك يجب التخلص من ذاته عبر الانتحار وليس الانتحار القاصر على ذاته – كما قد نجد في دائرة تأثيم الانتماء الذي قد تصيبه حيرة كبيرة تدفعه للانتحار والتخلص من ذاته- بل انتحار يمتد لآخرين يجب إجبارهم  للتخلص من وجودهم القذر والمدنس.

 

هذا النوع من التأثيم الذي يرى ذاته وذوات مجتمعه ذوات مدنسة يجب التخلص منها يحتاج إلى وقفة جدية لأنه تأثيم عدمي مدمر، فمن قال ورسخ بأذهان هؤلاء أننا مدنسون دناسة أبدية لابد أن نمارس معها مهمة التخلص من الوجود؟  لماذا لا نرى في ذواتنا القدسية؟ ما يجب أن نقوله لهؤلاء أننا مقدسون منذ اللحظات الأولى كما تحدثت الآيات عن ذلك  (إني جاعل في الأرض خليفة)، (ونفخت فيه من روحي)، ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) وهل يتقبل حمل أمانة كهذه إلا نوع مقدس (كالإنسان) ، عالم الذر، هذه القداسة الأولى المخصوصة لكل منتم للبشرية معرضة لمضاعفة قداستها أو الانحطاط عنها (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) وكل ذلك مرهون بمسيرة الإنسان داخل العالم الذي هَبط فيه وحسب التجربة الروحية لكل إنسان، فإذا خضنا نقاشا من داخل الحيز الذي ينتمي إليه هؤلاء نستطيع القول أيضا إذا كان الصحب الكرام مقدسين  قداسة مضاعفة (قداسة صحبة للنبي الكريم ) وزمنهم زمن مقدس فمن قال إننا أقل منهم أو أننا لا نستطيع أن نحوز شرفا من هذا النوع، فنحن نريد أن نذكرهم بهذا الحديث النبوي الشريف، في مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وددت أني لقيت إخواني”. قال: فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أو ليس نحن إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني” فنحن نستطيع أن نحوز تلك الإمكانية العالية من القداسة وهي قداسة الأخوة فقط بتجربة روحية مع الإله -الدرس الصوفي مهم هنا استعادته لأنه ينظر إلى الدين بوصفه تجربة روحية بالأساس وأفقا للمعنى داخل العالم-  وبمسيرة حسنة تقتفي أثر الهدي النبوي داخل العالم.

 

ما نريد قوله في الختام أن فضاءنا المرتبك ما بين إثم الانتماء وإثم الوجود لا وجود له بالحقيقة، وإن هو إلا وهم يعيش بداخله  أصحابه للتخلص من ذواتهم إن معنويا (كإثم الانتماء) أو ماديا (كإثم الوجود). [1]

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] - الموضوي هنا من الموضة ، فنحن نحيا موضة الحادية ترتكن لأسس هشة مقلدة ومقتبسة من أفق تداولية أخرى ولا نجد إلى الآن نقاشا فيه إبداع حقيقي من المنتمين لهذه الموجة، هذه الموجة بالطبع لها جذور قديمة نتجت مع نهايات القرن التاسع عشر والذي وقفت كضد للخطاب التلفيقي
2- للإفادة أكثر يرجى الاطلاع على كتاب "منابع الذات: تكوّن الهُويَّة الحديثة" للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، ترجمة د/حيدر حاج اسماعيل ،المنظمة العربية للترجمة .
3- كتاب "فلسفة النوابت" فتحي المسكيني ، من الكتب التي قامت بتمارين عملية للأشكلة والمساءلة لنصوص تراثية وحداثية .دار الطليعة للطباعة والنشر .
عرض التعليقات
تحميل المزيد