في 1966 أنتجت مصر فيلم «القاهرة 30» وهو واحد من أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، حتى إن شخصية محجوب عبد الدايم التي جسدها الفنان حمدي أحمد في ذلك الفيلم، تعد واحدة من أشهر الشخصيات السينمائية التي نعرفها جميعًا ونتذكرها، كلما صادفنا محجوبًا جديدًا ليس في السينما أو الدراما وإنما في الواقع الراهن.

قبل أيام، خرج علينا الأستاذ الإعلامي المصري المبجل مفيد فوزي ليعلن بلا حرج ولا غضاضة استعداده الكامل للحس الأرض التي يمشي عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليس هذا فقط بل وبلع الزلط للسيسي، كل هذا نظير ألا يعود خيرت الشاطر القيادي بجماعة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي أو لسدة الحكم مجددًا.

في «القاهرة 30» ومن أجل الحفاظ على وظيفته انبطح محجوب عبد الدايم وارتضى أن يتزوج من إحسان «سعاد حسني» عشيقة قاسم بك «أحمد مظهر» وسمح لقاسم بك بمضاجعة زوجته أمام ناظريه، بشكل لا ينم إلا عن دياثة فاقت حدود العقل، وكشفت عن أوضع ما في النفس البشرية من انعدام النخوة والشرف اللذين اتسمت بهما الشخصية المصرية وتغنينا بها كثيرًا. وكنت أظن أن انبطاح محجوب عبد الدايم لا يمكن أن يوازيه أي انبطاح آخر، وأن القاع الذي وصل إليه ليس بعده قاع، لكنني فوجئت بمفيد فوزي اللاهث للحس نعل السيسي! لماذا؟ هل ذلك نتيجة العداء للإخوان فقط؟! لو أن الأمر كذلك لأصبح غالبية المصريين ممن اكتووا بنار الإخوان في سنة حكمهم، عبيدًا الآن للإله السيسي.

مفهوم طبعًا أن الكثير منا عانى من تجربة الإخوان في الحكم وهي التجربة التي كشفت عورتهم، وبيّنت حقيقة انحيازهم لمصالحهم الشخصية على حساب مصلحة الوطن، لكن في رأيي لا يمكن لهذا العداء أن يحولنا لنفوس خربة ترتضي ذلًا جديدًا يرتدي لباسَا آخر غير الجلباب والعباءة.

للأسف، إن ما قاله مفيد فوزي مفتخرًا، يطرح علينا تساؤلًا كبيرًا حول فكرة الرضا! الرضا بالسيئ لتجنب البديل الأسوأ. الرضا بالاستعباد الداخلي لتجنب الاستعمار الخارجي. الرضا بما هو متاح بل وممارسة السفسطة على أنفسنا لإقناعها بأن هذا المتاح هو منتهى المراد.

مستعد أن ألحس الأرض التي يمشي عليها السيسي! أي دونية وأي انهزامية تلك؟! ألا يوجد رجل رشيد يقول لهذا المفيد عبد الدايم «عيب اختشي»!

منذ أيام قرأت تصريحًا صحفيًا منسوبًا لشخص يدعى فريد خميس، وهو رجل أعمال يقول فيه إن المثقفين هم أخطر فئة على المجتمع وأنه لولا الجيش كان زماننا مثل سوريا! للوهلة الأولى غضبت وسخطت على هذا الفريد من نوعه، فهو يمثل عقلية تاجر زمباوي متملق ومتسلق وجبان. لكن بعد مشاهدة مفيد فوزي وهو يتبرع طواعية لبلع الزلط أدركت أن جانبًا من كلام فريد خميس صحيح، هذا لو اعتبرنا مفيد فوزي ضمن فئة المثقفين.

ربما يرى فريد خميس خطر المثقفين من زاويته هو، زاوية التاجر الزمباوي الذي يرى المعارضة خيانة، والوطنية تملقًا وتطبيلًا، والتنوع فيروسًا سرطانيًا، وكلمة «لا» جهرًا بالإثم. لكنني أرى في المثقف أنه خطر على المجتمع فعلًا عندما يتحول إلى «مركوب»، عندما يطبل ثم يترقى فيحصل على درجة لحاس. نعم المثقف هو أكبر خطر على المجتمع عندما يوالي النظام بلا فقه أو تفكر، عندما ينسى أن مكانه الحقيقي على يسار النظام وليس في «عِب» النظام.

المحزن في الأمر أن مفيد فوزي لن يكون نهاية القاع، بل ستحمل علينا الأيام والسنون المقبلة عشرات المفيد ومئات عبد الدايم ممن سيثبتون لنا مجددًا أن القاع لم يمتلأ بعد، وأنه لا يزال هناك متسع لمزيد من النفايات والبكابورتات التي تنضح بما فيها من خواء فكري تقشعر له الأبدان من الخجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد