على الأقل في شهر أغسطس (آب) يوجد في مقديشو أشجار خضراء كثيرة. وربما لم ولن تخطر ببالك إذا كنت من متابعي أخبار هذا البلد عبر وسائل الإعلام فقط. الأكثر من ذلك في سماء هذه المدينة عبارة عن عقد من اللون الأخضر يتخلله أسطح زرقاء وحمراء، وبنج يدور حول شريط من الرمال البيضاء الساطعة قبل وقوعها في البحر.

وفي هذا الشهر جو المدينة بارد، ونسيم البحر يزيل الرطوبة، ولذا من الممتع الجلوس في الخارج بعد الظهر لاحتساء الشاي ومتابعة آخر التطورات حول تعديل الوزاري للحكومة الصومالية الفدرالية. أعرف هذه التفاصيل لأنني قضيت أسبوعًا في مقديشو حاضرًا النسقة الرابعة لمعرض مقديشو للكتاب، الذي يعتبر حدثًا رائدًا يستخدم الأدب وسيلة لإلهام الشباب على وجه الخصوص وتشجيعهم.

الحرب شيء معقد. وربما تكون الحرب في الصومال واحدة من أكثرها تعقيدًا؛ منذ إطاحة نظام سياد بري من الحكم، دخلت البلاد دوائر من العنف والانتقام. ويُعزى القتال إلى مجموعة من الدوافع السياسية وعوامل أخرى: المال، السلطة، القبلية، الدين. كل هذه تقدم تفسيرات قوية للمشكلة، ولكن ليست بصورتها الكاملة والكلية. قبل أسبوع من بدء المعرض أسفر انفجار بسيارة مفخخة عن مقتل عدد من الأشخاص.

Embed from Getty Images

لك أن تسال: ماذا يعني عقد معرض للكتاب في مدينة غارقة بعدم الأمان؟

هذا المعرض هو أولًا للتذكير بأن وراء الأرقام والإحصائيات التي تظهر على شاشاتنا حول أفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال، شخص لديه عائلة وآمال وأحلام الحياة. الحرب مدمرة لسيت لأنها تخرب الاقتصاد وتفشل التحالفات السياسية، بل أيضًا لأنها تفقد الناس من مجتمعاتم، وتجعل من المستحيل على الناجين منها العيش حياة كاملة.

إن أساطير حول الصومال طرق غير عادية تغلب الواقع؛ فإن قصة العنف تنتشر حول العالم وتلكم وجهك قبل إتاحة الفرصة للصومالين بإظهار حسن ضيافتهم. ومع هذا فإن مقديشو هي كغيرها من المدن مملوءة بأشخاص لا يريدون سوى العمل في مجال الحياة. الشباب في المعرض متحمسون لأن يكونوا محيطين بالأدب، وخاصة بلغتهم الخاصة، وممتنون لحفنة من الأجانب الذين واجهوا الخوف ويخاطبونهم باعتبارهم أشخاصًا وليس باعتبارهم مواضيع للدراسة.

وفي حين أنه من المستحيل الهروب من واقع النزاع وعدم الأمن. فإن القاعة تضم أكثر من ألف من العيون الملتهفة والابتسامات المتشوقة، والتي في الوقت نفسه تكون شهادة مدى الترحيب بهذا الحدث.

جزء كبير من الجمهور هم الشباب الذين لم يتذوقوا سوى الحرب، وبالنسبة لهم هذا المعرض فرصة لتقديم أنفسهم خارج سياق الحرب. من خلال الإنترنت يعرضون صورًا وفيديوهات مذهلة غير الحكي عن الصومال المعتاد، وبالقرب منهم تشعر أنهم يريدون التغيير والنهضة.

مثال واحد على هؤلاء الشباب هو محمد شيخ علي الذي قتل في وضح النهار في بداية هذا الشهر، المرحوم كان رئيسًا لمقديشو استارت أب غريند، قاضيًا في مسابقة ريادة الأعمال المتلفزة، ومؤسس أول بائع زهور وشركة لتنظيف الملابس في العاصمة منذ عام 1991. إن مقتله يبرز المنطق المنحرف للمصالح الخفية التي تهدد كل من يريد تغيير الصومال والصوماليين للأفضل.

الحرب هي الاضطراب وعدم اليقين، ولكن الحياة مستمرة؛ لأن الناس لا يملكون خيارًا آخر، فكل البشر يعانون من تلك الغريزة للإبقاء على الحركة، على الرغم من التهديد الدائم للعنف العشوائي، لا يزال الناس في مقديشو يستيقظون كل صباح، يرتدون ملابسهم ويخوضون أعمالهم؛ لأن الحياة لا تزال قائمة. هذه المرونة لا ينبغي لها أن تردع أي عمل. إن صدمة ومعاناة الحرب حقيقية، إنها دعوة أخرى إلى إنسانيتنا المشتركة. باستثناء المضطربين عقليًّا، معظمنا يريد الأشياء نفسها، ليكون قادرًا على تناول الطعام والشراب، والغناء والرقص والابتسامة. فالحرب حاضرة وسامة، لكن الإصرار والتصميم بداية للتراجع والبدء من جديد. إن معرض الكتاب ومجموعة الجهود التي يبذلها الشباب الصومالي من أجل استعادة قصة بلدهم هي مرحب بها في صحراء الصراع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد