مدينة ساحلية مذهلة، ذات بيوت وقصور أثرية ممتدة على طول الساحل، وهي بمثابة تحفة فنية رائعة من تاريخ الصومال العريق. إنها مقديشو، عاصمة الصومال، والأم الحنونة للصوماليين.

تتمتع مقديشو بأجواء معتدلة؛ إذ تهب عليها رياح موسمية باردة في أغلب أوقات السنة، كما تهطل أمطار بين غزيرة ومتوسطة إلى خفيفة عليها، لثلاثة مواسم متتالية من العام: في الربيع، والخريف، والشتاء.

سميت مقديشو بهذا الاسم منذ زمن بعيد، ويختلف المؤرخون حول تسميتها، فبعض المؤرخين يذكرون أنها تعني مقعد شاه، أي المكان الذي يسكنه الحاكم العجمي الذي كان يعرف باسم شاه.

تتخذ موقعًا مميزًا على الساحل الغربي للمحيط الهندي ولهذا سميت عليها باسمها الشهير، عروسة المحيط الهندي. يحدها من الشمال إقليم شبيلي الوسطى، ومن الشمال الغربي إقليم شبيلي السفلى، ومن ناحية الجنوب والشرق تطل على الشاطئ الغربي من المحيط الهندي.

وتعد من أقدم مدن سواحل أفريقيا. وتتميز بتاريخها العريق، وموقعها الاستراتيجيّ الذي جعل منها مركزًا تجاريًا مهمًا في العصور القديمة والحديثة، حيث تعتبر نقطة وصل بين المحيط الهندي وخليج عدن، وتتزين بشواطئها الرملية البيضاء التي تحيط بها من جهات مختلفة.

تشير معظم الروايات أن المدينة أسست في القرن الثاني، أو الثالث للميلاد. وكانت تتكون في بدايتها من حيين سكنيين وهما: حمروين وشانغاني.

نالت المدينة أهمية كبيرة في فجر الإسلام لاعتناق أهلها الدين الإسلامي مبكرًا، ويوصف أهلها بالكرم وحسن الضيافة. ومنذ بداية تاريخها بدأت المدينة تتطور تدريجيًا، وكانت تعتمد قديمًا وحديثًا على التجارة والزراعة.

سقطت المدينة على يد الاحتلال الإيطالي. ونتيجة مقاومة الشعب الصومالي وجهاده ضد الاحتلال، نالت الصومال استقلالها من بريطانيا وإيطاليا عام 1960، حينها أصبحت مقديشو العاصمة القومية للبلاد.

لقد عانت مقديشو بعد سقوط الحكومة المركزية حروب أهلية مهلكة، وراح ضحية هذه المعارك الدامية الآلاف من أهل المدينة ودفعت الملايين إلى النزوح عن مناطق سكنهم. دمرت الحروب مواقعها الأثرية، ومعالمها التاريخية، ومنازلها ذات العمران المميز، وأصبح القتل والإصابات في صفوف الشعب من الوقائع اليومية في المدينة.

تغيرت ملامح المدينة بدرجة لا يمكن أن يتصور أحد على أنها هي المدينة التي أطلق عليها باسم لؤلؤة محيط الهندي البيضاء، أو كانت واحدة من أجمل وأكثر المدن أمنًا في القارة السمراء. فتحولت عروس المحيط الهندي إلى مقبرة مظلمة كادت تصبح مدينة مهجورة بلا سكان.

بعد عُقودٍ من الحروب الطاحنة، وبعد صمودها وأهلها في ظل تلك الحقبة المظلمة، هدأت المدينة، وولت الحروب، وغردت العصافير بألحان السلام وعادت الطيور المهاجرة على مسار المحيط الهندي، وبات جليًا أن مقديشو استعادت عافيتها من جديد.

لم يتوان التجار والمغتربون الصوماليون، فقاموا بإعمار المدينة بشكل جذّاب، حيث افتتحت مراكز تجارية هامة وفنادق فاخرة، وأنشأت مشاريع مهمة في مجالات الاقتصاد، والصحة، والتعليم.

نجحت الحكومة الصومالية في إعادة إعمار أماكن حكومية كثيرة ذات أهمية بالغة لخدمة الشعب؛ مما أعاد الأمل لأبناء البلاد. ومن هذه الأماكن قرية مقديشو الرياضية، حيث يأتي افتتاح القرية الرياضية ضمن فعاليات وتطورات العاصمة، ومطار آدم عدي الدولي، والمسرح القومي، وأماكن أخرى عديدة لا يمكن حصرها في مقال واحد.

بعد معاناتها طويلًا من ويلات الحروب، لم تعد مقديشو كما كانت في العقد الماضي، ها هي مقديشو عروس المحيط الهندي تبدو اليوم في طور استعادة ازدهارها من جديد، وبدأت بعض النشاطات الترفيهية كالسياحة نتيجة إعادة بناء بعض المواقع الأثرية، والمعالم التاريخية المدمرة بالحروب الأهلية. وعاجلًا غير آجل ستتبوأ مقديشو مكانتها الطبيعية في مصاف المدن الأفريقية، بل العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد