وجدت إسلام ولم أجد مسلمين  كلمة شهيرة للشيخ المستنير محمد عبده، في بلاد يتزوج الرجال ببعضهم البعض وتتزوج النساء ببعضهن البعض، و ربما بحيوانات إذا لزم الأمر، فما كان مقصد شيخنا إن كانت مفاهيم أخلاقنا ليست واحدة!  هل أثار التطور الحضاري دهشة عين القروي البسيط، فظن أن الإسلام نبغ  هنا مبلغ البحرين، لكنه مبلغ لم يبرحهُ غير  المُسلمين!

هل حقًّا قصد الشيخ الأخلاق والمعاملات الإنسانية؟!

الأخلاق في هذه الرقعة نسبية، فالخمر والميسر و الأزلام ليست رجسًا من عمل الشيطان، والزنا والمثلية حرية يكفلها ويحميها القانون، ويحترمها المجتمع ويعارض ممانعتها، فهل كان مقصده احترام حريات الإنسان لأقصى درجة واحتواءه والإيمان به فضلاً عن الإيمان بالفكرة أيًّا كانت هذه الفكرة، حتى لو كانت الدين!

لكن المنهج الذي يحتوي الإنسان ويحترم حرياته لأقصى درجة، حريته مطلقة، وهذا ضد ما يؤمن به شيخنا، لأن معتقده يعاقب على بعض السلوكيات التي يصنفها الغرب حرية شخصية. الإسلام فنّد بعضها «حرامًا» وأقام على مرتكبيها الحد؛ كالرجم أو الجلد. غير مسموح التجاوز عنها – في الدنيا- إلا لو كان في مكان لا يراك فيه شهود والآخرة خير وأبقى. تفهمي لدواعي النص الإسلامي في الزنا والخمر، تفهمًا دينيًا و أخلاقيًا و اجتماعيًا، إلا أن ذلك لم ينقص احترامي لممارسيها. لم أبادل فعلتهم بحجارة، لم أجر وراءهم بسياط، أو ألقي أحدهم من فوق جبل، هذه الأخيرة ممارسات فردية لا علاقة لها بالنص القرآني.

أحترم حريات الجميع وأقدّر فيها الإنسان، مقابل أن يحترمني هو الآخر، يمارس هذه السلوكيات بحُرّية مسئولة، طالما المجتمع الذي يحيا فيه ينظم ممارستها على نحو ما.

هل قصد الشيخ التطور الحضاري؟!

«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ». سورة هود «118»

«وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ «سورة البقرة «251»

أي شخص يربط بين الآيتين يتأكد له «الله خلقنا للاختلاف، الاختلاف دوّر التدافع الاجتماعي، التدافع أنتج الحضارة».

الاختلاف لصحة الحضارة. الحضارة حصاد سنين الإنسان على الأرض. ليس حكرًا على اتجاه سماوي واحد. الحضارة الإسلامية حضارة قوية متينة تركت بصمة رغم أنف المتبجحين. حضارة الغرب أيضًا قامت وفي بلادها المسيحية واليهودية.

لماذا لم يربط شيخنا الوقور «محمد عبده» ذلك بالمسيحية! بإمكانك أن تبرر ذلك بأن الأخيرة حاربت العلم والعلماء في بداية نشوء الحضارة الحديثة، وسأستمع لك، رغم أن البلاد المسيحية تحتضن العلم الآن وتنبذه أنت في اللحظة نفسها التي قلت فيها هذا الكلام يا شيخنا الجميل، لكنني سأجاريك.

لماذا لم تربطها باليهودية التي دعمت الصهيونية والعلمانية وكل الحركات التي انشقت عن الدين و أصبح ولاؤها للقومية – لليهود لا لليهودية – ولم تحارب العلم في العصر الحديث كما حالنا الآن – بعضنا ما زال يناقش كروية الأرض ومن يدور حول من ويكفر من يقول كذلك – لماذا يا شيخ محمد لم تربطها بأي أيديولوجية أخرى غير الإسلام؟ !

الحقيقة أن الشيخ محمد كأي مسلم مخلص يرى أن جوهر الإسلام هو كل جميل، أليس دين الله! فبالتأكيد دين الله هو كل جميل، وكل سيئ هو نتاج النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا عما فهمته من طرح الشيخ محمد – رغم إقراري أن حركته كانت واعية، حرة، مستنيرة – أي حضارة في هذا العالم، لها وجه سلبي ووجه إيجابي، ولا يمكنك أخذ وجه وتترك الآخر مهما حاولت، كل ما يخص التدافع الاجتماعي تجد نقيضه في معناه، والإيجاب فيه تصاحبه سلبيات. الأديان يا أخي فيها ما يسيء إلى الإنسان وفيها ما يرفع من شأنه، لاحظ أن على المرء أن يفرق بين رسالة الله وقالب الأديان.

ما نظرة المتدين للآخر؟

ما نظرة الله للعالم! هل هو محاب لقبيلة معينة سيدخلها الجنة رغم تخلفها وجهلها والبقية الباقية ضالة مُضللة، وقود لنار جهنم، يغاثون إن استغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، وكأن الله سيكوباتي يحرق مخالفيه و مُخالفيهم. الإنسان ابن بيئته التي شكّلته رغم أنفه.

في رأي أحد عباده المخلصين – كما يسمون أنفسهم– يجتهد الإنسان فيضيف للإنسانية ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فيُجزى في الدنيا، لكن الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس أو أبناء الله أو خير الشعوب، يرون أن القضية هي الكفر و الحرمان واللعنة لمن لم يؤمن بأديانهم وما بعد ذلك شكليات، لا يرون حالهم المزري وحال الشرق أوسطية الأكثر زريًا!

ولما يرون وهم أصحاب الحقيقة المطلقة، مُطمئنون أنهم بخير، وسيدخلون الجنة التي وعد به المتقون؟

أيرضي العدل العدول بأن تحتكره فئة؟!

هل يحتاج الله فعليًا لذلك، يترك كل الملل والنحل، ويحابي قبيلة مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو غير ذلك، كأن الله حكر لهم وحكر عليهم، لمجرد أن هناك وجهات نظر مختلفة! هل الإله ديكتاتوري أم هذه رؤى إنسان يحيا بداخل ذاته، ويظن أن الله مثله يفكر كما يفكر ويغضب لما يغضب ويتعصب لما يتعصب له الإنسان!

أستطيع تصور تفكير أي جماعة بأنها دائمًا على حق وغيرها على باطل، كلهم احتكروا الله الأزلي والحق المطلق، كلهم كذلك إلا من رحم ربي، راقب المباريات لترى ولاء المشجع على الصواب والخطأ، انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، هل تستطيع الرد، توضع فورًا في بوتقة المخلل، وإن حاولت تفسيرها كما فسرها بعضهم، يكون تفسيرًا طوبائيًا نسبيًا غير مترادف مع الصيغة، لا مكان له على أرض الواقع، على كل حال، الأمر جد خطير، ويحتاج منا العبادة الأصلية، التي أمرنا بها الله وانشغلنا نحن عنها في طقوس السجود.

عبادة التأمل والتفكر والتدبر، أتظن أنني أقصد غيرها، كي نعلم أننا لسنا وحدنا، ولا نملك كل الحقيقة كما لا يملكها أيضًا غيرنا، بيد رب العالمين هي، قال «رب العالمين» وليس رب فئة واحدة أو جماعة أو قبيلة بعينها، وذلك لأن الله رب للكل وليس رب للجزء، رب الاختلافات والتمايز، لذلك يا شيخ محمد بإمكانك أن ترى الإسلام والمسيحية واليهودية وأصحابهم في كل مكان، إن استطعت أن ترى رسالة الله المطلقة وكان مقصدك ليس ابن عقيدتك و إنما ابن الإنسان.

اقرأ أيضًا: في البدء كان الإنسان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد