عاش حكيم الإسلام محمد الغزالي قرابة ثمانية عقود، وعاصر فواجع الزمن ونكبات عديدة في التاريخ المعاصر، ولخص رسالته ودعوته وهدفه بقوله: شيء واحد هو الذي سرت فيه وحدي، ولا يحمل تبعته غيري.

 

هذا الشيء هو: مقابلة أعداء الإسلام بالمثل:

 

-الجراءة في مهاجمة الحق ألقاها بجراءة في مهاجمة الباطل.

 

– الإلحاح في إبعاد الإسلام عن الحياة العامة ألقاه بإصرار على توكيد حق الإسلام في الهيمنة على الحياة العامة.

 

– الكهانة التي تلف بعض الأسماء أُهتك عنها الستر لتبدو عارية، فلا ينخدع بها أحد.

 

وفي تعريف موجز بما كان يطالب به في حياته رحمه الله تعالى بين الحكيم الغزالي أنه لا عداوة بينية بين الدين الاسلامي وأصحاب الديانات الأخرى وحذر من اللغة المستبدة والغفلة المتسيدة.

 

 يقول حكيم الإسلام الغزالي: كل ما أطلبه من المسلمين:  

 

أولاً: أن يوفوا بعهودهم لمَن لا يدين دينهم!!

 

ثانياً: أن يتشبّثوا إلى آخر رمق بكل شعبة من شعب الإيمان، وكل حد من حدود الإسلام، وكل حكم من أحكام الله وكل معلّم من معالم الشريعة، فإن العالم المتنمّر ضدنا يتهامس فيما بينه، يقول: لقد عاش الإسلام أربعة عشر قرنًا، حسبه هذا، يجب أن نجهز عليه!! إنني أنذر حتى يعلم المسلمون أن معيشتهم في يوم الناس هذا، وفي الغد القريب والبعيد ستكون معيشة كدح، وكفاح، ودفاع عن تعاليم الإسلام أمام مؤامرت لا ينقصها الذكاء ولا المهارة!!).

 

 

ثم وفي حسرة وألم واضح يقر الحكيم (إننا نحن -المسلمون- نعيش أحيانًا تستبد بنا الأوهام والأحلام والسذاجة التي تبلغ حد الغفلة!! وإذا كان القانون المحلي لا يحمي المغفلين، فإن القانون العالمي لا يحمي المغفلين أيضًا!!  ألا فلتستيقظ أمتنا ولتؤدِّ واجبها نحو كتاب ربها وسنّة نبيها).

 

وعلى الرغم من سعيه لتجديد الخطاب الديني إلا أنه سجل وبوضوح رأيه في هذه المهمة الصعبة التي لا يجيدها اتباع التدين المنحرف:  إن تجديد الفكر الديني يتطلّب عقلاً أنضج، وقلبًا أزكى! يتطلّب بصرًا بأخطاء التاريخ ومزالق الأجيال، يتطلّب علماء بالكتاب لا مجرّد قرّاء، وخبراء بالسنَّة لا مجرد رواة، وفقهاء في الشرع لا مجرد مقلّدين، وبصراء بالتربية والتثقيف لا عبيد تقاليد سائرة، وأصحاب دراسات عفنة.

 

كان الإمام على ثقة بدينه وعلى تخوف من بعض المتحدثين باسم الاسلام من أتباع التدين المنحرف الذين وصفهم بقوله (الأصدقاء الجهال) فقد أعلن: ليس في الإسلام ثغرات مخوفة، وإنما يُخاف على الإسلام من زلل بعض المنتمين إليه، وسوء عملهم به، وما أغرى أعداء الإسلام بالهجوم عليه إلا هؤلاء الأصدقاء الجهّال.

 

يضع الإمام الغزالي نفسه في إطار متعدد الصور لكن الغاية واحدة: إرجاع الدين الى حقيقته المسلوبة وهو يحاول أيضًا بكل قوة أن يستعيد الدين من الأسر اللصوصي إلى فضاء النص الرباني.  ويطارد القاتل واللص الذي حول النص إلى مقصلة تقطع الأعناق والأفهام.

 

اطلع على هذه المعرفة بنغمتها المختلفة يقول الإمام الحكيم: إنني أعرف من ديني أن الله يقبل دعوة المظلوم، ولو كانت من كافر، وأعرف من ديني أن حلفًا شريفًا تمَّ في الجاهلية الأولى، قال النبي الكريم عنه: «لو دعيت به في الإسلام لأجبت»! إنه حلف الفضول، للحفاظ على الحقوق ونجدة المستضعَفين. وعلى ضوء ذلك أُعلن احترامي الشديد للجنة العفو الدولية التي تقف بجهدها ضد العدوان، وتكشف أصحابه، وتؤلِّب عليهم ذوي الضمائر الحيّة في هذه الدنيا، وأؤيد من أعماقي حسن معاملة الأسرى، وأعلن الحرب على الرق الفردي والجماعي، وعلى التفرقة العنصرية بجميع صورها، معنى أنني مسلم أنني أعتنق دينًا طبيعيًّا، يحترم الفطرة البشرية ونوازعها الطيبة، ويحترم العقل الإنساني وأحكامه المنطقية، ويتوقّع الخطأ ولا يحكم على مقترفه بالموت، بل يمهّد له طريق التوبة، ويفتح أمامه أبواب الرجاء، ويلحظ حكم القدر في اختلاف الأديان، فيدعو إلى رأيه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويرفض الفتنة والقسوة، تلك هي الإنسانية التي نحبها، ونراها امتدادًا لرسالة الله، ومرادفـًا للإسلام.

 

 

حرر الشيخ الغزالي ارتباط الدين بالسياسة من حيث التابعية أو التبريرية وعد خصومه جهتين الحاكم من غير إرادة الشعب والمتدين المنحرف الذي يحصر الحق في انحرافه.

 

يقول الشيخ: هناك صنفان من الناس لن تذوق الأرض حلاوة السلم ما بقيا.  أولهما: الرجال المفروضون على الدنيا، يحكمونها بأمرهم، ويسترقُّون البشر بسلطانهم.  والآخرون: الرجال المفروضون على الدين، يحسبون مفاتيح الآخرة بأيديهم وحدهم، وأن الطريق إلى الله لا تيسَّر إلا بإذنهم، فمَن نأى عنهم فهو هالك.

 

 

 

وعلى عكس أصحاب التدين المنحرف الذي يسوق الدين تسلطـًا كان الغزالي يقول:  الإكراه سلاحُ كلّ فقير في براهينه، فاشل في إقناعه، أعوزه المنطق فأسعفته العصا.

 

وكان يحرم تصرف المتدين المنحرف الذي يظن أن مجرد رفع الرايات والمسميات يعني إمكانية تطبيق الشرع واستلام الحكم وإقامة الدولة وفي رفع مستوى الانضباط الفكري والنفسي كان الغزالي يقول: أؤكد أن عودة الدولة الإسلامية الواحدة تحتاج إلى تمهيد واسع، يعيد المسلمين أولاً إلى دينهم الحق، ويملأ أفئدتهم وألبابهم برسالته وعقائده وشرائعه وفضائله، كما تحتاج إلى بصر حاد بأخطاء الماضي وأسباب الانهيار حتى يمكن تجنبها بلباقة ومقدرة، فتبنى الدولة الجديدة على قواعد لا تنال منها الأيام.

 

وإذا كان المتدين المنحرف يميل إلى الفكر الاغتيالي فإن الشيخ الغزالي كان يؤكد على أن الأخذ على يد الظالم ليس باغتياله، بعد محاكمة فردية له من بعض الناس، إنما التصرُّف الإسلامي الوحيد هو مدّ رواق الحكم الشوري والمعارضة الحرة، فمّن رأى في الحاكم عوجًا حدّث الناس عنه، وشرح للرأي العام موقفه، فإن أيّده الناس أسقطوه في انتخاب صحيح وجاؤوا بخير منه.

 

درس الشيخ الإسلام بعيدًا عن الاحتواء والإملاء ومع مرور الوقت بدأ الرجل ينازل آليات الفهم المتناقضة ويعيد النظر في طرائق التعريف بالإسلام وفي فهم الواجب والعصر وخلص إلى أن الوهم العام والوهن الإرادي يمكن

 

(تحديد مصادره بأربعة تولّد عنها هذا الإدبار المزري وأصابنا منها ما أصابنا:

 

 ١-فساد عاطفة التديُّن تبعًا لانتشار تعاليم المتصوفة، وشيوع أفكارهم القاتمة عن الحياة.

 

 ٢- انكماش القيمة الإنسانية للفرد في ظل الاستبداد السياسي الطويل.

 

 ٣- انطفاء القوى العقلية، وتسلُّط الأوهام والخرافات على الحياة العامة.

 

 ٤- المروق الظاهر عن أغلب النصوص والقواعد الإسلامية.

 

وفي مقابل هذا الوعي بأهمية علاج هده المصادر القاتلة كان الشيخ الغزالي يطارد التدين المنحرف الذي عمق الأزمة وحال دون اليقظة وكان الغزالي يعد أن من السِّيماء الأولى للتدين المنحرف:

 

  • إتقان الصور الظاهرة، وإهمال الحقائق الباطنة، وإحداث جدال طويل حول التكاليف الفرعية، والتعاليم الثانوية، واللياذ بالصمت أو الهمس عندما يتعلّق الأمر بأركان الحق، وآداب النفس! ذلك أن بعض الناس يعقد صلحاً حقيقياً مع هواه، ثم يُقبل على الدين بعد ذلك ليأخذ منه ما يعجبه نظرياً أو ما يريحه عملياً، ولعله يتحمّس له أشد الحماس، ويخاصم الآخرين عليه أشد الخصام).

 

  • عرف الحكيم نفسه بأنه يرفض المتدين المنحرف الذي يرى الحياة تشاؤما أو تهورًا فقال: لست أحب أن أستمع للمتشائمين، ولا أن أتابع المتهوّرين! إنني وقّاف عند تعاليم ديني كما عرفتها من كتاب ربي وسنن رسولي، لا كما صوّرتها عصور الاضمحلال أو أهواء الرجال! وما أكثر القضايا التي انحرفنا فيها عن منهاج الكتاب والسنّة، فإذا نحن اجتماعيًا وسياسيًّا نتراجع وتنتقص أطرافنا، حتى كاد الانتقاص في هذا العصر يأتي على حقيقتنا، ولعل قضايا المرأة ورسالتها في الحياة من أهم هذه القضايا.

 

 

  • التدين المنحرف نموذج حاضر بقوة ومن علاماته، رعاية سلطانية لمفاهيمه، وتغيب( إمامة الشعب) لحساب( حاكم متسلط) يرعى دينًا يذهب بالعقل عن رشده، ويكرس حالة (استهبال عام) بسبب الدوران حول (أضرحة فكرية واعتقادات خادعة لا يدعمها الا السلطان) مما يعني دخول المجتمع في عتمة التطويع السلطوي المقدس الجماعي والتيه وعدم الرشاد بعد الخضوع المؤبد لأبي الجماجم والهتاف باسم الحاكم الخالد والأب القائد والرئيس المؤمن.

 

  • ومن سمات التدين المنحرف: القصور المعرفي والدفاع عن معاني تناقض معنى الاسلام.

كان الغزالي شغوفـًا في تأسيس وعي متكامل يطارد تعاليم إبليس وتدليس الحكام ووعاظهم الذين قعدوا لمغالطات يهدفون من خلالها تحقيق مجتمع يحكمه دين كليل وإنسان ذليل بغية الوصول إلى مجتمع القطيع الذي تتم رعايته بعد تجهيل الناس وأحكام القياد حول الرقاب، يعد محمد الغزالي في رأيي الحكيم الإسلامي الأول والناقد المتمرس لمظاهر التدين القاصر والمتدين المنحرف وكان – طيب الله – ثراه يفرق بين الدين مفهومًا وشرحًا وبين التدين سلوكـًا وتنزيلاً.

 

يقول حكيم الإسلام محمد الغزالي: “الإسلام سيُحكم عليه بالطرد من كل ميدان، إذا بقي مصوروه يبرزونه في تلك المعالم القبيحة التي لا يعرف غيرها الدهماء من المنتسبين إلى الإسلام، أقول مع أولي الألباب وأهل الذكر: الحرية الدينية حق! فيجيء مغمور جهول يقول: لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة2/ 256] آية منسوخة، بطل حكمها!! أقول لدعاة السلام في العالم: نحن قبلكم ندعوا إلى السلام، ونكره إراقة الدماء، وما نخوض حربًا إلا دفاعًا عن عقيدتنا، وتأمينًا لدعوتنا فإذا غلام طائش يقول: كلا إن نبينا قال: «بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي..»! هذا الغلام ما تدبّر القرآن، ولا عرف مواضع السيف، إنه يعرف منطق العصابات! نقول: الأمر شورى، ولا يملك أحد الاقتيات على الجماهير، فيقول: لا شورى، الفرعون الحاكم لا تلزمه الشورى، فهي له معلمة لا ملزمة.! نقول: يجب احترام حقوق الإنسان فيقول: أي إنسان؟ هذا التعبير بدعة! نقول: إذا تكوّنت هيئة الأمم على ما يشبه حلف الفضول انتسبنا إليها، لنضبط سيرها، ونحدّد وجهتها، ونعلي سيرتها، يقول: هذه دار حرب وحسب.. إلخ.

 

 

إن هذه العقليات أنزل رتبة من أن تؤتمن على مستقبل شركة مساهمة، فكيف يتاح لها التحدُّث عن دين كبير ورسالة أورثت الإنسانية أرقى حضارتها؟

 

  • ومن سمات التدين المنحرف: الفوضى العلمية والجرأة على الجهود الإصلاحية: الشيخ الحكيم محمد الغزالي كان يقر أن سبب هذا التدين الغبي تلك الفوضى المتقصدة وغير المتقيدة بمعرفة وفي ذلك يقول: لكننا – نحن المسلمين- نعاني من فوضى علمية مخيفة! ولعل غياب الأزهر عن ميادين الثقافة الإسلامية بعض الأسباب في انتشار هذه الفوضى. ثم كان يصف تلك الفوضى بأن لديها جراءة على شتم رجالاتنا الكبار، حتى كادت أذكى مدرسة في العصر الحديث تختفي تحت وطأة الإنكار والجحود، أعني مدرسة (المنار) التي صالحت بين السلف والخلف، والعقل والنقل، والاجتهاد والتقليد، ورسمت أهدافـًا واضحة للنهوض بالعقل الإسلامي، والطب لأمة عليلة! وعلى خلاف التدين الغبي السلطوي الذي كان يصدر المشاكل إلى الآخر الخارج كان الشيخ الغزالي صريحًا في عزو القصور إلى الذات وعدم التمسح بالآخر، إن هؤلاء وأولئك امتلكوا من وسائل الإعلام، ومن حظوظ المعرفة المادية، ما جرّأهم علينا! وأعانتهم على ذلك أخطاؤنا، وما أكثرهم، وتهاوننا وما أسوأه!

 

 

  • من سمات التدين الغبي إشعال الفتن وإشغال العقل المسلم بتوافه الأمور وتضييع واجب العصر: يتساءل الشيخ محمد الغزالي: هل المولعون بقضايا الخلاف، صغراها وكبراها، والذين يحشدون أفكارهم ومشاعرهم وأوقاتهم للانتصار فيها، والفرح بخذلان مخالفيهم، هل هم مخلصون للقضايا المتفق عليها؟ لماذا ننسى القواعد التي تجمعنا، ونهش للدروب التي نتفرّق فيها؟ الحق أن هذا الاهتمام بالأمور الخلافية لون من الطفولة الفجّة، والزيغ الفار بأهله من ميدان الحق لأنه كثير التكاليف، إلى ميدان آخر لا مشقّة فيه، ولا تزحمه واجبات ثقال ومن سمات التدين الغبي الخصام النكد بين العقل والنقل والعلم والنص: العلم عندنا يستحيل أن يخاصم الدين أو يخاصمه الدين، وقضية النزاع الموهوم بين العلم والدين لا صلة لها بالدين الصحيح، قد يقع النزاع بين العلم والبوذية، أو البرهمية، أو عقائد اقتبست منهما، أو متدينين انتسبوا إلى الله وأبوا السير على طريقه المرسوم، فغضب عليهم لما كذبوا عليه.

 

  • ومن سمات التدين المنحرف: الكفر بالإنسان: المتديِّن المنحرف يسيء تصوُّر الملكات والشهوات الإنسانية، وينظر إليها نظرة ازدراء. وقد ينحصر تقويمه للإنسان في أنه تخلَّق من نطفة قذرة، وينتهي إلى جيفة مذرة، وهو بينهما حامل بول وعذرة! صحيح أن الناحية الحيوانية في الإنسان لا تخرج عن هذا النطاق. ولكن الإنسان ليس حيوانًا فقط، فإن الله – بنفخ الروح فيه – أنشأه خلقًا آخر. خلقًا مكرّمًا بما أودع في بنائه المعنوي من خصائص وأسرار، خلقًا إذا ما بلغ نماءه الصحيح، كما تنمو الشجرة من بذرتها السوية، فاق الملائكة، وحلّق في الملأ الأعلى.

 

وربما كانت الحملة على الإنسان كسرًا للغرور الذي يشيع بين جم غفير من الناس، وكفكفة لشرور الكبر والاستعلاء التي تُفسد الأخلاق الخاصة والعلاقات العامة، وتهيئة لعوامل التربية التي تستهدف تهذيب الإنسان، بإزالة ما يشينه، وتنمية ما يزيّنه، والإنسان بلا ريب محتاج إلى الحساب الدائم، والرقابة الدقيقة. ولفته إلى عيوبه كي يتركها، خير لا شك فيه! إلا أن الأمر انقلب – مع المربّين الأغرار – إلى الضد. فإنهم لم يفلحوا في إزالة الزوائد الضارّة وحسب، بل اجتاحوا الأصل نفسه، عندما حاولوا قتل الغرور في إنسان مغرور، بلغوا في الجور حدًّا جعله يفقد الثقة بما عنده، فذهب الكِبر.

 

ثم ذهب أيضًا عزّة النفس. ثم ذهبت كذلك الشخصية الحرّة المستقلة، والعبارة الشائعة في كتب التصوُّف أن المريد بين يدي شيخه، كالميت بين يدي غاسله! وهم يعنون بذلك الطاعة المطلقة، إلا أن هذه الطاعة الغريبة محقت الإرادة الحرة، والتفكير معًا. ومن سمات المتدين المنحرف تجهيل المرأة: أمتنا بحاجة إلى نهضة نسائية رشيدة، لمَ؟

 

لأن هناك بعض المتدينين لا يعقلون قضايا المرأة، وينظرون فيها بحماقة، وقلّة فقه، ولو وُكِّل الأمر إليهم لحبسوا النساء في البيوت، فلا عبادة، ولا علم، ولا عقل، ولا فكر، ولا نشاط، ولا شيء! هذا النوع من المتدينين الجهَلة ينبغي أن يُحرم من الكلام باسم الله! حالتان متناقضتان كي نستعيد النشاط: إننا جزء من عالم موار بالحركة، وقد تحولت خطاه إلى وثبات فسيحة في هذا العصر، وأعداؤنا يصارحون بكراهيتهم العميقة للإسلام، وتخطيطهم للإتيان عليه. فحتى متى نجهل ما حولنا؟ يجب أن نندم على هذا الخطأ ونتحرز بعد من الوقوع فيه. وأرى أن يتكوَّن جهاز ذو نشاط مزدوج، كلاهما يضارع الآخر في القدرة واليقظة. النشاط الأول يقوم على الأسس الآتية: سبر الارتقاء الثقافي والإحاطة بالآماد التي بلغها غيرنا حتى نعرف من نخاطب؟ وماذا نقول؟

 

إدراك المستوى العمراني والصناعي والحضاري الذي يسود العالم من حولنا، فإن من الهزل أن تعرض الإسلام أمم متخلفة، ينظر إليها غيرها شزرًا، ولا تستطيع أن تساند حقها بدعائم مادية أو عليمة. دراسة التيارات السياسية والقوى العسكرية التي حظي بها غير المسلمين، وتقدير ما نقدمه للأديان والمذاهب الأخرى من دعم، ووضع ذلك تحت أنظار المسؤولين. أما النشاط الثاني فهو داخلي يتحرك في دار الإسلام ويقوم بما يأتي: محاربة الغش الثقافي والانحراف الفكري اللذين أبعدا الأمة الإسلامية عن كتاب ربها وسنّة نبيها، وجعلاها صورة مشوهة للدين الحق، وأعجزها عن نصرته.

 

 

إعادة بناء الأمة الإسلامية على أساس أن الوحي حياة، وأن دراسة الكون أهم ينابيع الإيمان، وأن حسن استغلاله سلاح اقتصادي وعسكري خطير. كرّر القرآن في أربعة مواضع: السمات الأولى لرسالة محمد، وهي: تلاوة آيات الله على أنها منهاج العمل، وتربية الأمة على الأخلاق المتينة والتقاليد الظاهرة – وهذه هي التزكية التي لا نكاد نعي منها شيئًا طائلاً -، وتعلُّم الكتاب والحكمة. ونحن للأسف بعيدون عن الحكمة في أغلب شؤوننا، ولا نرتبط بمعاني الكتاب وأهدافه. ولكي يكون انتماؤنا للإسلام واقعًا ملموسًا، لا بد من إبراز هذه السمات الثلاث ماديًا ومعنويًا. غربلة التراث الإسلامي الذي آل إلينا في هذا العصر لاستبقاء ما يوافق الكتاب والسنّة، واستبعاد ما عداه، ونحن أصحاب وحي معصوم، وفي تاريخنا العلمي قمم دائمة، قد تختلف أفهامهم في الفروع الثانوية ولكنهم، قلّما يختلفون في الأصول والغايات.

 

 

المبادئ العشرة التي اقترحتها ترشيدًا لمسيرة الإصلاح عندنا! النساء شقائق الرجال، وطلب العلم فريضة على كليهما، وكذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وللنساء – في حدود الآداب الإسلامية – حق المشاركة في بناء المجتمع وحمايته. الأسرة أساس الكيان الخلقي والاجتماعي للأمة، والمحضن الطبيعي للأجيال الناشئة، وعلى الآباء والأمهات واجبات مشتركة لتهيئة الجو الصالح بينهما، والرجل هو رب الأسرة، ومسؤوليته محدودة بما شرع الله لأفرادها جميعًا. للإنسان حقوق مادية وأدبية تناسب تكريم الله له، ومنزلته الرفيعة على ظهر الأرض، وقد شرح الإسلام هذه الحقوق ودعا إلى احترامها.

 

 

الحكام – ملوكاً كانوا أم رؤساء – أجراء لدى شعوبهم، يرعون مصالحهم الدينية والدنيوية، ووجودهم مستمد من هذه الرعاية المفروضة، ومن رضا السواد الأعظم بها، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الإمارة كرهًا، أو يسوس أمورها استبدادًا. الشورى أساس الحكم، ولكل شعب أن يختار أسلوب تحقيقها، وأشرف الأساليب ما تمحض لله، وابتعد عن الرياء والمكاثرة والغش وحب الدنيا. الملكية الخاصة مصونة بشروطها وحقوقها التي قررها الإسلام، والأمة جسد واحد، لا يهمل منها عضو، ولا تزدرى فيها طائفة، والأخوة العامة هي القانون الذي ينتظم الجماعة كلها فردًا فردًا، وتخضع له شؤونها المادية والأدبية.

 

أسرة الدول الإسلامية مسؤولة عن الدعوة الإسلامية، وذود المفتريات عنها، ودفع الأذى عن أتباعها حيث كانوا، وعليها أن تبذل الجهود لإحياء الخلافة في الشكل اللائق بمكانتها الدينية. اختلاف الدين ليس مصدر خصومة واستعداء، وإنما تنشب الحروب إذا وقع عدوان أو حدثت فتنة، أو ظلمت فئات من الناس. علاقة المسلمين بالأسرة الدولية تحكمها مواثيق الإخاء الإنساني المجرد، والمسلمون دعاة لدينهم بالحجة والإقناع فحسب؛ ولا يضمرون شرًا لعباد الله. يسهم المسلمون مع الأمم الأخرى – على اختلاف دينها ومذاهبها – في كل ما يرقى ماديًا ومعنويًا بالجنس البشري، وذلك من منطلق الفطرة الإسلامية، والقيم التي توارثوها عن كبير الأنبياء، محمد عليه الصلاة والسلام. وإني – رهبة من مستقبل مغلّق – أمد يدي لكل من يخالفونني في الرأي، حتى نتعاون على حماية الإسلام من الأخطار الأدبية والمادية التي تهدده. ليست القصة انتصار مذهب على مذهب من مذاهب الإسلاميين!

 

 

إنما القصة حماية الإسلام من عداوات لم يُخمد الزمان نارها، عداوات أهل الكتاب من جانب، والملاحدة والوثنين من جانب آخر. وهكذا طعام العقل أو طعام الروح ح إننا محتاجون إلى فقهاء يستطيعون النظر في سياسة المال والحكم، ويرفضون أن يسبقهم الإلحاد إلى اجتذاب الشعوب الفقيرة في هذه الميادين الخطيرة، ومحتاجون إلى فقهاء يهيمنون على شؤون التربية والإعلام برحابة الإسلام وبشاشته، لا بالتزمُّت والتكلُّف.

 

 

إن الفقه الإسلامي كما قدّمه سلفنا حضارة معجزة، أما الفقه الإسلامي كما يقدّمه بعضهم الآن فهو يميت ولا يحيي. ليس سلفيًا مَن يجهل دعائم الإصلاح الخلقي والاجتماعي والسياسي كما جاء بها الإسلام، وأعلى رايتها السلف، ثم يجري هنا وهناك مذكيًا الخلاف في قضايا تجاوزها العصر الحاضر، ورأى الخوض فيها مضيعة للوقت.

 

 

رحم الله محمد الغزالي كان صرخة إنسانية بمضمون إسلامي ضد (الهبل) الديني والتطرف العلماني والكهنوت الديني والاستبداد السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد