لقد حملت الرسالة المحمدية أطيافًا شتى من نور العلم والمعرفة، حلقت بالأمة الإسلامية في ميادين تعددت ما بين التربية، وعلوم الدين، واللغات، والحكمة، والعلوم التجريبية، والاجتماعية، والإنسانية، وهذه هي معجزة النبي – صلى الله عليه وسلم- الحقيقة وليست أميته؛ فأمية النبي كانت وقتية قبل الرسالة وإلى مرحلة معينة من حياته، بعدها تعلم النبي – صلى الله عليه وسلم- القراءة والكتابة، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى كَتَبَ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَ.

إن الدفع بأمية النبي – صلى الله عليه وسلم- للتدليل على إعجاز رسالته هو أمر يعافه العقل؛ فهل يا ترى كانت أمية النبي مؤثرة إلى هذه الدرجة في صد الاتهامات عنه أثناء حياته وبعد مماته؟! الإجابة بالطبع لا؛ فمسألة أمية النبي لم ترتق في أي مرحلة من مراحل الدعوة لتكون الأساس الذي يبني عليه حديثو العهد بالإسلام ثقتهم بالدين الجديد، وفي الوقت نفسه لتكون حائط الصد ضد هجمات العرب الجاهليين باقتباس نصوص القرآن من أهل الكتاب المنتشرين بمكة، والسبب وببساطة أن الاقتباس لا يحتاج إلى لغة؛ فيكفي الاستماع الشفهي ليحدث الاقتباس، خاصة وأن ما حمله القصص القرآني من شخصيات ووقائع كان متداولًا في مكة من خلال القصص الشعبي، الذي كان يطلق في مسامر وأندية قريش للعظة والاعتبار والتسلية، والذي يمكن أن نطلق عليه أساطير الأولين.

فالمجتمع الجاهلي كان على قدر كبير من الانفتاح، واستخدام وسائل الاتصال التي توفرت له عبر التجارة؛ فالمجتمع الجاهلي – ونعني بالجاهلية هنا البعد عن معرفة الله ووحدانيته، وليس غياب الأسس الحضارية والقيمية- قد شهد رحلات منتظمة في الشتاء إلى بلاد اليمن، والصيف إلى الشام، وهو ما مثل فرصة كبيرة لاكتساب المعارف والعلوم، والاطلاع على الحضارات المتاخمة وآثارها، ومنها القصص الديني.

وممن نسميهم أعمدة أدب الرحلة بصورة بسيطة وتناسب هذه العصور، كان النضر بن الحارث، وهو أول من نقل إلى مكة العزف على العود ممزوجًا بألحان الفرس، متزودًا في رحلاته إلى الشام والعراق وفارس بالعديد من القصص، ككليلة ودمنة، وأحاديث رستم واسبنديار، والعديد من الأساطير التي تحفل بها حضارات هذه البلدان، ولم يكن القصص الديني ببعيد عن هذه الأساطير؛ فقد كانت قصة كطوفان نوح – عليه السلام- حاضرة وبقوة في أساطير مثل جلجامش في شخص الرجل الطيب أوتنابيشتيم، الذي أمرته الآلهة بأن يبني سفينة، يحمل عليها بذور كل شيء حي، وفي قصة بيروسوس حيث الملك «أكسيسو ثووس» الذي يرى الطوفان في منامه فيبني سفينة.

إضافة لقصص الخلق السامري، والبابلي، والكنعاني، وهي نصوص وإن كانت مكتشفة حديثًا فإنه من غير المستبعد أن تكون متناقلة كقصص شعبي على ألسنة الناس في هذه العهود، وقد رسخت لديهم وجود خالق لهذه السماوات والأرض، قال تعالى: «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»، كما كانت إشارة النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية، إلى النبي سليمان في إحدى قصائده، مؤشرًا مهمًّا على انتشار هذه الأخبار في الجاهلية:

إلا سُليمانَ إذ قالَ الإلهُ لهُ                  قمْ في البريَّة فاحْدُدْها عنِ الفَنَدِ

وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ              يَبْنون تَدمر بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ

كما عرفت قريش العديد من القيم، مثل نصرة الضعيف، ويظهر هذا بوضوح في واقعة «حلف الفضول»، إذ كانت شكوى أحد التجار ضد العاص بن وائل، وقد كانت على قدر كبير من السطوة والمنعة، ولكن ذلك لم يمنع سادة قريش من الاجتماع في دار ابن جدعان، والانتصار لحق التاجر ورده إليه، وقد حضره النبي، وقال عنه لاحقًا: «لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت».

كما كان للمجتمع العربي دار الندوة، والتي كانت بمثابة مجلسًا تشريعيًّا وتنفيذيًّا في آن واحد، إذ كان التشاور واتخاذ القرار، وعقد ألوية الحرب تتم هناك، إضافة إلى معرفتهم بما يمكن تسميته بالابتعاث الخارجي لتحصيل المعارف، والذي مثله طبيب العرب الشهير الحارث بن كلدة الثقفي، والذي تعلم الطب في فارس، وله محاورة شهيرة مع كسرى تمثل المكانة العليا التي وصل إليها، وقد كان يداوي الصحابة فيما بعد، ومنهم سعد بن أبي وقاص.

كما شهد المجتمع العربي الجاهلي طفرة أدبية شعرية جسدها شعراء المعلقات، وكذلك المكانة التي ارتقاها بعض شعراء العرب من أمثال النابغة الذبياني في بلاط النعمان بن المنذر ملك الحيرة.

ومن هذه الأمة كان اصطفاء الله – عز وجل- للمصطفى – صلى الله عليه وسلم- ليكون حاملًا رسالته الخاتمة، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلًا مِنْهم»، وقد كان تفسير القرطبي الأسبق في تعريف (الأمي) بنسبة النبي – صلى الله عليه وسلم- إلى مكة أم القرى.

إن إشكالية قريش مع النبي لم تكن أبدًا في هذا القصص القرآني، الذي لم يكن مفاجئًا لهم في شخوصه أو محتواه من حيث الأطر الشكلية العامة، وبالتالي لم تكن محاولة التيقن من أميته أو الوصول إلى أشخاص على صلة بالنبي من أحبار، أو رهبان أخبروه بهذه القصص شغلهم الشاغل، وإنما كانت مشكلتهم مع العلم، أجل العلم الذي استخدمه القرآن في التدليل على التوحيد، قال تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»، إنها معركة العلم والتنوير في كل العصور، في تحرير العقل ليصبح مهيمنًا وموجهًا للبشرية في معركتها الأزلية مع الجمود، وأن تتخلص البشرية من ربقة عبادة العباد، والتوجه إلى إله واحد يحيطهم بتعاليمه، وينزع عنهم صفات العنصرية والتعصب القبلي البغيض.

لقد كان تعلم النبي للقراءة أمرًا حتميًّا استلزمته مهمة شاقة، هي تدوين القرآن الكريم وحفظه، وهو ما يستلزم متابعة النبي لفريق عمل كبير من كتبة الوحي، ما بين 26 إلى 42 كاتبًا. ومن الأحاديث الدالة على ذلك قول مُعَاوِيَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ أَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «يَا مُعَاوِيَةُ، أَلْقِ الدَّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْقَلَمِ، وَانْصُبِ الْبَاءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُقَوِّرُ الْمِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمِدِّ الرَّحْمَنَ، وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ». وعَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- يَبْكِي، فَقَالَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم- قُلْنَا: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: مَدَدْتُ الْبَاءَ قَبْلَ السِّينِ (يَعْنِي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

إضافة إلى أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان رجل دين ودولة، وما يترتب على ذلك من إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء، واستقبال الردود، وإبرام المعاهدات، وهو ما يستلزم معه ضرورة الإلمام بالقراءة والكتابة، ومن أدلة ذلك عن عبد الله بن الزبير، رضي الله عنه، أن النبي – صلى الله عليه وسلم- استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم، وكان يجيب عنه الملوك، فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه – لأمانته عنده- ثم استكتب أيضًا زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضًا، وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت، واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك، أو يكتب لإنسان كتابًا يقطعه، أمر جعفرًا أن يكتب، وقد كتب له عمر، وعثمان، وكان زيد والمغيرة، ومعاوية، وخالد بن سعيد بن العاص، وغيرهم ممن قد سمي من العرب».

كما ورد في صلح الحديبية أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قد مارس الكتابة بنفسه، فعن البراء، قال: لما صالح رسول الله – صلى الله عليه وسلم- مشركي قريش كتب بينهم كتابًا: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم-» فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك؛ فقال لعلي: «امحه» فأبى، فمحاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بيده وكتب: «هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله»، واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثًا ولا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح، قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: ما جلبان السلاح؟ قال: السيف بقرابه أو بما فيه.

ثمة مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي مسألة النسخ في القرآن بصوره المختلفة، والتي كان يصاحبها إعادة ترتيب الآيات والسور، وهي مهمة اضطلع النبي – صلى الله عليه وسلم- بالإشراف الكامل عليها، أما قوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ»؛ فدخول كان على المضارع تفيد نفي الفعل أو العادة وليس نفي القدرة أو المعرفة، وبالتالي فالآية لا تجزم بأمية النبي، ولكنها تعني أن النبي لم يكن يباشر كتابة الوحي بنفسه، وهذا أمر منطقي إذا وضعناه جنبًا إلى جنب مع كيفية نزول الوحي على النبي، فعن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول .والصورة التي يكون عليها النبي حينها – كما وصفها أحمد بن حنبل- «كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل»؛ لذا فافتراض تدوين النبي للآيات بنفسه، وهو على هذه الحالة، تبدو مستحيلة، والطبيعي هو اتخاذه عددًا من كتبة الوحي.

كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يحض على العلم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، أخرجه مسلم، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون من صور فداء أسرى بدر هو تعليم أولاد المسلمين الكتابة.

كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يبعث ما نسميه اليوم بعوثًا علمية لتعليم الناس القرآن وصحيح الدين، ومنها بعثة بئر معونة، والتي استشهد فيها 70 صحابيًّا من قراء القرآن الكريم، كانت مهمتهم تعليم أهل نجد ليقتلوا غيلة وخيانة، فضلًا على حرص النبي على تعليم الصحابة للغات، وأمره لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ليتسنى مكاتباتهم.

كما يشير التراث الصيني إلى صلة ما ربطت النبي بالإمبراطور الصيني، إذ يقول صاحب كتاب (هوي هوي يوان لاي)- إن الإسلام قد وصل إلى الصين في عام 628 م (توفي النبي عام 632 م)، وكان السبب في ذلك أن الإمبراطور جنغ قوان رأى في منامه أن شيخًا معمَّمًا يدفع عنه وحشًا مفترسًا غريب الشكل، وقد هاجمه ولم يجد مفرًّا منه، فعندما أصبح التقى وزراءه، وسألهم عن تعبير الرؤيا، فقال قائل منهم: إن الشيخ المعمّم هو العرب؛ فلديهم القوة والبسطة، والوحش المفترس الغريب الشكل الذي هاجم الإمبراطور هو عنصر عدائيّ أو شخص ثائر في البلاد، فلا يمكن قمعه إلا بقوّة المسلمين، فبعث الإمبراطور سفيرًا إلى بلاد العرب، ملتمسًا من ملكهم أن يرسل عدة فرق من الجيوش إلى الصين، فبودل 3 آلاف من جنود المسلمين بـ3 آلاف من جنود الصين، فكان هؤلاء الجنود هم آباء المسلمين في الصين. قد يبدو بهذه القصة قدر واضح من الأسطورية، إلا أنّها لا تخلو من حقيقة أن اتصال ما كان بين النبي والصين، جعله يذكر الصين في حثه على طلب العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد