هل ارتفع الخلاف وزال الانقسام الإخواني بإصدار د. محمد كمال لتسجيله الصوتي؟

كنت أود أن أكون أحد المتفائلين الذين رأوا في التسجيل الصوتي المنسوب للدكتور محمد كمال شيئًا مبشرًا على صعيد إنهاء الانقسام، وأن الأمور في طريقها للحلحلة، أو الحل، أو حتى الحسم لصالح ما صار يسمى بجبهة الدكتور محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام.

لكن في رأيي المتواضع: أن هذا التصور ليس دقيقًا ولا واقعيًّا نوعًا ما. بغض النظر عن نسب السيطرة والتبعية التي يدعيها كل فريق (95% – 5%) أو (30% – 70%)، لا يزال الانقسام قائمًا، وما استقالة الأمس – مع التسليم بصحة للنوايا وأخلاقية الدوافع – إلا رمي للكرة في ملعب الفريق الآخر.

تكلم الرجل بكلمة مكتوبة بعناية، بنبرة هادئة، تقنع المقرين له بالقيادة، وتستميل من يستمع إليها من الفريق الآخر، أو على الأقل تغير من قناعاتهم نحوه شيئًا ما.

بدأت الكلمة بتسلسل الأحداث والتواريخ، وتأكيد مجيئه باختيار وانتخاب لا بتعيين، وتركيز على صعوبة المرحلة التي تولى فيها المسؤولية، كانت مغرمًا خالصًا لا مغنمًا كما كانت المسؤولية من قبل، تختلط فيها المغارم بالمغانم. تقدم إلى المسؤولية وهو غير غافل عن ضريبتها، وركز على معايشته الشخصية وعمله بنفسه مع القيادات الأخرى، وفيه إشارة من طرف خفي لاختفاء قمة هرم المسؤولية في الفريق المقابل، وعدم رؤيته من بقية القيادات، وتضمنت ثناءً على جهد القيادات التي تحته وتضحياتهم.

وفي الكلمة تركيز على الشباب وبذلهم وتضحياتهم، وتقدمهم لتولي المسؤولية في جماعة الإخوان، وثناء على المبادرات المختلفة التي طرحت للخروج من الأزمة وأصحابها، والتي اتفقت في جملتها على تعديل اللائحة، وإجراء انتخابات جديدة، وتقاعد القيادات التي أدارات الجماعة في فترات سابقة، وتأكيد على الشورية والمؤسسية، وهو ما يوافق عليه صاحب التسجيل.

ها قد استقلت، وتخليت عن المناصب، وتعهدت بعدم الترشح لأي منصب في المستقبل، فماذا عنكم؟

تمثل هذه الخطوة ضغطًا عمليًّا على قواعد الفريق القديم، والمنضوين تحت لوائه، بحيث تدعو قياداتها إلى التقاعد أو تقوم باستبدالها في حال أجريت انتخابات على أي مستوى.

ويخطئ من يتابع فصول الانقسام بالتوقف عن التسجيل الأخير، دون الالتفات إلى الخطوة التي سبقته: البيان الذي تم نشره عبر الموقع التابع للجنة الإدارية العليا، عن ترتيبات، وإجراءات، وانتخابات جديدة، ووضع للائحة، ورسم تصور للمستقبل. ومن ثم فعجلة هذا الفريق دائرة، بغض النظر عن شخص رئيسها الذي استقال.

لم تكن الاستقالة إذن استقالة لجنة، وإنما استقالة فرد يفوض من تبقى من لجنته الإدارية لتكملة ما بدأته من خطوات، كما لا تعد نصرًا أو حسمًا لصالح القيادة الأخرى، لأنها لم تقدم لها، إنما قدمت للجنة ولجموع الصف الإخواني.

تضمنت الكلمة رسائل كثيرة في جمل موجزة، كل جملة تطرق معنى مقصودًا، وتلمس وترًا حساسًا: محنة الانقسام بداخلها منحة التجديد، المؤسسية، الشورى، الشباب، الجهاد، الثورية، الالتفاف حول المنهج لا الأشخاص، تصحيح الأوضاع والممارسات الخاطئة، تسليم الراية لقادة الميادين، البدء بالنفس في التخلي عن المناصب، العودة إلى صفوف الجنود، إغلاق صفحة  المراحل السابقة، الصفح عن المسيئين، الإزراء بلجان التحقيق وقرارات الإيقاف، دعوة المكاتب الأخرى للانضمام لخارطة الطريق، دور الأفراد في فهم ما غيب عنهم، وتحميلهم مسؤولية تصحيح الأوضاع وتصويب الأخطاء، عدم اتباع الهوى، عجلة الإصلاح دارت ولن تتوقف، قيمة التجرد والبدء بالنفس والوحدة…

على أي حال، أدخل الدكتور محمد كمال وسيلة جديدة للصراع، وهي الرسائل الصوتية، التي يستمع فيها المتلقي لمحمد كمال ولا يسمع عنه، يستمع إلى إنسان من لحم ودم، يتفاعل معه، ويكوِّن عنه انطباعه الخاص إيجابًا أو سلبًا، بمعزل عن آراء وانطباعات الآخرين، وضرب كذلك المثل بنفسه في الاستقالة وما تحمله من مضامين، وسواء تم التغيير بالانتخاب في الفريق التابع له فقط، أو في الفريقين المتنافسين ثم اصطلحا بعد ذلك، سيعد محمد كمال بصورة أو أخرى «أبًا للتغيير».

وبناءً على ما سبق، لا تزال الكرة في الملعب، والمباراة سجال بين الفريقين، والانقسام لا يزال مستمرًا – للأسف – حتى إشعار آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد