حيث إن لكل نتائج معطيات، فإنه من العبث أن نتحدث عن توالي دون أن نذكر مقدماتها، وخاصة إن كان الأمر يتعلق بجرم جسيم كالذي حدث في شارع محمد محمود، ذلك الحدث الذي دق آخر مسمار في نعش وحدة ثوار ما هبوا إلا لرفع ظلم، واسترداد حقوق، واسترجاع كرامة.

سنبدأ الحكاية ويبدو أن كل من يحمل تفاصيل عن ثورة يناير وما تلاها سيتحول لدرويش يطوف البلاد ليحكي لأجيال؛ باحثًا عن شباب ثورة تائهين في دروب الكره!

لم تبدأ الأحداث في هذا اليوم الفارق، بل بدأت منذ أن اختلف الثوار حول اقتراح تعديل الدستور القديم الذي قدمه المجلس العسكري، فتبنى البعض شعار (الدستور أولًا)؛ ولا نعلم أي آلية كانوا سيتخذون لاختيار من سيقومون بمهمة كتابته! وآخرون رأوا أن يوضع الدستور بعد انتخاب لجنة تنبثق عن برلمان يمثل الشعب فيخرج المنتج ممثلًا لإرادته دون مزايدات عليه، ودون أن تملي عليه النخبة ارادتها.

حشد كل فريق بكل قوته فجاءت نتيجة الاستفتاء في 19 مارس 2011 بنعم للتعديلات الدستورية بنسبة أكثر من 77% لصالح من أيدوا التيار ذا المرجعية الاسلامية على حساب الفريق العلماني الذي اعتبر أن هذه الخطوة بداية سرقة ثورة احتكر حقوق الطبع والنشر والتوزيع لها.

سحبت القوى العلمانية ثقتها في اختيار الشعب وقوة إرادته بعد أن صموا الآذان بالتغني بعميق فهمه وإدراكه حين استجاب لنداء الثورة، فتحولت دفة الحديث إلى وصف أميته وجهله وقلة وعيه واستمالته بزجاجة زيت وكيس سكر والتغرير به باسم الدين؛ وهكذا أعلنت القوى العلمانية الحجر على شعب سفيه لا يعلم أين يضع ثقته، فكان رد الفعل حشد شعبي كبير بميدان التحرير تحت اسم (جمعة توحيد الصف)، وكان أول حشد تدعو إليه القوى الإسلامية في 29 يوليو 2011، اعتبرته القوى العلمانية استعراضًا لعضلات التيار الإسلامي، واتخذته ذريعة للترويج لفكرة الخوف على الهوية والحريات وحقوق الأقليات، كان رعبًا مصطنعًا من قبل تيار ضعيف يبحث عن رافعة تضعه في صف صناع القرار، وخاصة أن التيار السلفي (الذي بتنا نعلم كيف كان يديره حزب النور) رفع شعارات كان يعلم أنها سوف تمس قلوب العامة، فصبغ المليونية بصبغة دينية لا أعترض على مضمونها ولكن أعترض على مرادهم منها! فظهرت وثيقة السلمي التي تعبر عن مطالب الطرف العلماني بناءً على تكليف من المجلس العسكري لنائب رئيس الوزراء للشئون السياسية في أغسطس 2011؛ كان لاقتراح وثيقة كتلك وجاهته من وجهة نظرهم، حيث جاهزية التيار الإسلامي لانتخابات لم يتجهزوا هم لها لعقود مضت، فبدلًا من أن يعملوا ليثبتوا جذور شعبيتهم طوال تلك الأعوام، رأوا أن يجهزوا على ديمقراطية أنجبتها ثورة لم يعدوا أنفسهم لمآلاتها!

رفضت القوى الثورية التي كان يغلب عليها طابع التيار الإسلامي، والتي شاركت بـ«نعم» للتعديلات الدستورية تلك الوثيقة، فظهرت نغمة جديدة عزفها الدكتور أسامة الغزالي حرب في أكتوبر 2011، حين رأى أنه لا ضرر من بقاء المجلس العسكري في السلطة لمدة عامين أو ثلاثة، وطالب بتأجيل انتخابات البرلمان حتى تستعد الأحزاب الجديدة، وبتشكيل هيئة تأسيسية لكتابة الدستور فورًا، كما طالب بتشكيل حكومة ذات صلاحيات مطلقة يرأسها البرادعي، متخطيًا بذلك نتائج الاستفتاء وأعراف الثورات ومبادئ ديمقراطية دعوا لها فاستجاب لها الناس!

احتشد الثوار في الميدان للمرة الثانية في 18 نوفمبر 2011، بدعوى من القوى الثورية لإسقاط وثيقة السلمي، ومطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة في موعد أقصاه 15 مايو.

في هذه الجمعة اتفقت القوى الثورية على عدم الاعتصام في الميدان، إلا أن من الثوار من تشبث بفكرة الاعتصام، وبقي في الميدان حوالي 30 من مصابي الثورة، ومعهم حوالي 100 شاب في مثلث مجاور لميدان التحرير، وتم فتح الميدان لحركة المرور، استغل الأمن انسحاب القوى الثورية من الميدان وقام بعملية فض عنيفة للمعتصمين تعالت معها الصيحات التي تلقفها الثوار المحسوبون على التيار العلماني، فنادوا بتأجيل الانتخابات البرلمانية التي كانت على الأبواب وطالبوا الإخوان بالنزول لنصرة المعتصمين وللمشاركة في مواجهاتهم مع الداخلية التي استمرت لمدة ستة أيام، سقط فيها حوالي 38 قتيلًا، وأصيب حوالي 3800 جريح، أغلبها إصابات فقء أعين وتسمم واختناق جراء إطلاق الشرطة للقنابل المسيلة للدموع.

لم يستجب الإخوان تنظيميًّا وأصدروا بيانًا في 21 نوفمبر 2011 أدانوا فيه إجرام الشرطة، واتهموهم باستدراج المخلصين لإثارة جو من الكره والرعب، وطالبوا القوات المسلحة التي اعتبروها المسئولة عما يحدث بإيقاف القتل، وأن يتم التحقيق مع كل من تسبب فيه، وأن يضع المجلس العسكري جدولًا زمنيًّا لتسليم السلطة في موعد غايته 2012، وطالبوهم بالتعهد بإقالة الحكومة التي اعتبرتها المسئول الثاني عن الأحداث، وطالبوهم باحترام حقوق المدنيين في التظاهر، والحوار مع القوى السياسية للخروج من النفق المسدود الذي أدخلت فيه البلاد. لم تمنع الجماعة التحام أبنائها بالصف بشكل فردي، فشارك أبناء الإخوان بشكل غير تنظيمي، رافقهم كثيرون من أبناء التيار الإسلامي وغيرهم من غير المنتمين لا لأحزاب أو توجهات، ولكن ذلك لم يشفع للجماعة في نظر الجماعة العلمانية التي كانت تريد تصريحًا من الإخوان بالنزول، والذي رأته الجماعة استدراجًا لها، فنزولها كان يعني تجميد العملية السياسية، والعودة بها للمربع صفر، وإلغاء نتائج استفتاء مارس، وإلغاء الانتخابات البرلمانية.

دعت القوى السياسية إلى مليونية الفرصة الأخيرة مطالبين بأن يتخلى المجلس العسكري عن السلطة لحكومة إنقاذ وطني تتمتع بكافة الصلاحيات لحين انتهاء انتخابات البرلمان والرئاسة، شاركت معظم الأحزاب والقوى السياسية يرأسهم البرادعي، فيما عدا جماعة الإخوان التي اتهمت منذ تلك اللحظة بخيانة الثورة والثوار!

ومنذ ذلك الحين، كلما وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في جملة، لا بد وأن تليها جملة «باعونا في محمد محمود»!

أعاد الثوار من العلمانيين الدعوة لإحياء ذكرى محمد محمود في العام التالي في 2012، أثناء حكم الرئيس مرسي بنفس الطريقة، فنجم عن ذلك ضحايا جدد في ظل احتجاجات مستمرة لهم، وإثارة لأجواء من البلبلة، وتوفير غطاء لأعمال عنف في البلاد، وصبغها بصبغة ثورية، كما حدث على خط القناة وفي احتلالهم لميدان التحرير لمدة عام كامل، وحين الدعوة لإضراب عام، وانتهى كل ذلك بانقلاب على نظام شرعي، واختطاف رئيس منتخب.

اعتذر الإخوان فيما بعد عن خطئهم في التعاطي مع الحدث، وأنه كان يتوجب عليهم أن يشاركوا فيه بشكل أكثر فعالية، ولكن ذلك لم يكن ليؤثر في رفاق اتخذوا قرارًا بسحب نيشان الثورية منهم.

وأرى أن خطأ الإخوان لم يقتصر على ذكاء المشاركة في تلك اللحظة فقط، بل تمثل في تصريحات أعضاء محسوبين عليها لم يقدروا جسامة الحدث، فاتهموا الثوار وقللوا من قيمة الاستفزاز الذي وجه إليهم، ولم يراعوا اندفاع الشباب في تلك المرحلة العمرية، فبدلًا من الاحتواء، كان النهر والأبوية.

وبعد كل ما رأينا خلال الأعوام التي تلت هذه الأحداث الدموية التي ندعو الله أن يقتص من كل من تسبب فيها ونفذها وأعان عليها، وأن يرحم قتلاها وينزلهم منزلة الشهداء بفضله، وأن يشفي صدور من أصيبوا فيها بانتقام من لدنه، وأن يفرغ عليهم صبرًا؛ ترى هل كان اختيار توقيت تصعيد حادث فض المعتصمين بالقوة بعد مليونية 18 نوفمبر، وقبل انتخابات مجلس الشعب بأسبوع من قبيل الصدفة؟

وهل كان تصاعد وتيرة الأحداث بهذا الشكل المؤلم مبررًا؟ أم أن هناك من كان يضع الزيت على النار؟

من كان يجر الشباب للمواجهات في محيط وزارة الداخلية؟ وما النصر الذي كان يتوقع أن يحالفهم في حرب غير متكافئة حتى لو نزل أضعاف أضعاف العدد الذي تواجد هناك حينها؟

من تاجر بأرواح شباب غض ثائر رافض للظلم؟ من استخدمهم كطعم يراد به جذب المزيد منهم وهو متكئ على أريكته يغرد أو يكتب منشورات ومقالات، أو يظهر في مقابلات تليفزيونية ليحارب بسيف من خشب؟

هل تمتع علمانيو الثورة بالصدق حين دعوا الناس للنزول لمناصرة أهالي الشهداء -بإذن الله- والمصابين؟

وإن كان الاخوان قد خانوا الثوار حين لم ينزلوا ميدان التحرير لمؤازرة إخوانهم بشارع محمد محمود حقنًا للدماء، فماذا نسمي من ركب الدبابة وداس أجسادهم بسادية في ميدان رابعة؟ ومن وقف مصفقًا لمصادرة أموالهم والتهجم على حرمات بيوتهم؟ ومن هلل لوصمهم بالإرهاب وما زال يخاف أن يضع يده في أيديهم لا لخيانة ارتكبوها، ولكن خوفًا من أن يتصدروا المشهد إذا ما اصطفوا معهم؟ ومن وضعوا أيديهم في أيدي نظام بائد ثاروا عليه يومًا للتخلص من رفيق درب صنع نجاحًا عجزوا هم عن الوصول إليه؟ ومن باعوا أحلام الحرية والديمقراطية وبالونات المساواة وسكاكر الوطنية فأسكروا شعبًا عظيمًا بها حتى أدمنها، ثم سمموه فأفسدوا معاني تلك المسميات في ذهنه، وسكتوا عن التلاعب بالمبادئ والأفكار التي أشربوه بها، وتركوه نهبا لنظام قديم «ليحنو» عليه؟

نتساءل اليوم، ترى من خان الثورة حقًّا، ومن ركبها؟ من أخطأ فاعتذر وحارب ليبقيها على قيد الحياة فألقي في غياهب السجون؟ أم من أجرم فلم ير في نفسه سوى ملاك حارس لها فاستدعى شيطانًا ليحمي أبوابها وحتى الآن لم يعلن التوبة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

محمد محمود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد