لا أحب كلمات الرثاء ولدي نقطة ضعف ربما تصل إلى حد «الفوبيا» حين تداهمني ذكرى أحد الأعزاء مؤطرة بإطار الموت. أقربهم كان والدي، رحمة الله عليه، وكنت أظن أنه أخذ معه حزن الدنيا كلها فلم يعد لدي ما يكفي لأحزن على أحد من بعده، وقد ظللت فترة طويلة بعد وفاته أستصعب قول كلمة «أبي» مصحوبة بكل تعابير الموت وألقابها ومسمياتها وظرف زمانها وكلمة «كان» التي صارت سابقة لاسمه. على الرغم من اعترافي بأن الموت هو الحقيقة الوحيدة المطلقة في حياتنا، وعلى الرغم من امتثالي التام لأمر الله فينا. إلا أن هناك شخصيات يصعب عليك أن تستحضرهم من الماضي لأنهم حاضرون بالفعل معك في كل اللحظات التي تعيشها. لذلك كان أول ردة فعل لي حين تلقيت خبر استشهاد الرئيس محمد مرسي، أنني لم أصدق وأنا التي احتسبته مع الشهداء من أول يوم حدث فيه الانقلاب.

لم أصدق أنه مات وأنا ما زلت حية. كيف ربطت بين حياتي وحياته بحبل متين؟ لم يكن هذا نوعًا من الحزن المعتاد على شخص عزيز. لكنه كان نوعًا من الرفض لإعلان إيقاف شريط حياتنا الذي نحياه الآن وكأن أحدًا ما ضغط على زر «إيقاف» أو «stop» لمسيرة قررنا السير فيها إلى آخرها. كيف يقولون إنه مات ونحن ما زلنا نسير إلى هدف كان هو حاضرًا فيه دومًا وما زال؟ صحيح أن الهدف أصبح ضبابيًّا لدى الكثير منا ولا أستثني نفسي، إلا أننا لم نفقد بوصلتنا بعد ولم نغير طريقنا ولم نستطع أن نتقبل الواقع التعس بكل ما فيه. كنا كمن ذهب إلى رحلة لها قائد وفجأة حدث هجوم مسلح على راحلة الركاب التي تضم أفراد الرحلة، فقتلوا وسرقوا عددًا من الركاب واختطفوا قائد الرحلة، كنا نعلم أنه بين أيديهم ولن يثنيهم عن قتله شيء لكننا تشبثنا بالأمل، وأصبحنا نسير في طريق الرحلة نفسها، ولكن إلى غير هدى.

لا نعرف إذا كانت خطواتنا تسير نحو الصواب أم الخطأ والخطر، لكننا نسير، نتوقع مع كل شروق للشمس في يوم جديد أن نهاية هذا الطريق اقتربت، أو أن قائدنا استطاع أن يفلت من أسره، أو أن الذين اختطفوه واختطفوا الراحلة معه قد تلاشوا وانتهوا. وفجأة تبددت الأحلام والأوهام أمام حقيقة الموت، فإذا بنا أمامها مقهورون لا حيلة لنا سوى العجز وإكمال المسيرة شئنا أم أبينا، لكن السير على أمل أن يعود لنا قائد هذه الرحلة مختلف تمامًا عن السير بعدما تأكد لنا خبر وفاته. فماذا علينا أن نفعل الآن؟

قبل ما يقرب من عشر سنوات لم نكن نعرف من هو محمد مرسي. على الرغم من كونه وقتها نائبًا له حضور مميز في البرلمان، لكننا كنا نسير كما نحن الآن على غير هدى. لا نعطي اهتمامًا لما يسمى بالحياة السياسية في فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي اعتقدنا وقتها أنه قدر كتب علينا لا فكاك منه حتى بالموت، ذلك أن كل الطرق كان تمهد لاستنساخه سواء عن طريق توريث كرسي الحكم لابنه أو نقل ملكيته لأحد من المحيطين به. ثم فجأة حدثت ثورة تونس لتعطي إشارة البدء لما يسمى بثورات الربيع العربي وحقيقة كنت أستبعد أن تمر على مصر رياحها. لكنه حدث، و حدث أننا وقفنا بعدها في «طوابير» لم تشبهها أي «طوابير» اعتادت مصر على رؤيتها على مدى عمرها في كنف الحكم العسكري. مثل «طوابير» الخبز والعمل، والروتين، وحتى المواصلات، لقد تفوقت «طوابير» الحرية على كل هذه الطوابير.

ما زلت أذكر اتصالي بأصدقائي وأقاربي للتنسيق أي المواعيد أفضل للذهاب إلى لجان الاقتراع حتى تكون أقل ازدحامًا، وأذكر كيف استولت مشاعر الإحباط على صديقتي لأنها وقفت في «الطابور» حتى العاشرة مساء ولم تستطع الاقتراع وتم تأجيله إلى اليوم التالي. وأذكر كيف كان التفاعل بيننا جميعًا وكيف امتلأت حواراتنا بتعبيرات السياسة والديمقراطية والأيديولوجيات الفكرية، وكيف استبدلت أحاديث التنافس الكروي الساذج بهذه الأحاديث الحيوية المشتعلة. وكيف كانت تلك الإشارة بخط اليد بالقلم الجاف على خانة ما هي أغلى وأحب إشارة قمنا بها طوال حياتنا، فداها ساعات اليوم كله، فقد كانت تلك الساعات التي وقفناها تعوضنا عما قضيناه من عمرنا كله تحت ظلال التهميش والإقصاء، أتذكر تعبيرًا انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي تقول: «أول مرة نشوف شعب فرحان بصباعه» في إشارة إلى صبغ أحد أصابع اليد بالحبر الفسفوري لإثبات أنه أدى بالفعل واجبه الانتخابي.

وأتذكر كيف سهرنا حتى الصباح يوم الانتخابات حتى تم فرز النتائج أمام كل القنوات الفضائية على الهواء مباشرة، وكيف سهر معنا كل أصدقائنا وأشقائنا في الدول العربية يتابعون بقلق واهتمام نتائج انتخابات مصر وكأنها انتخابات بلدهم، وكيف أغبطتنا هذه الشعوب وقتها على تلك الحالة الفريدة التي لم تشهدها أي بلد عربي قط. وأتذكر كيف اصطنعت سببًا للخروج على غير عادتي يوم الإعلان الرسمي لنتيجة الانتخابات الرئاسية حتى أفرغ شحنة القلق التي بدأت في التصاعد بداخلي على إثر شائعات تتكهن بالتلاعب في نتائج الانتخابات. وأتذكر كيف ترددت الزغاريد بين البيوت وقت أن أعلن المستشار «فاروق سلطان» والذي أعتقد أن تاريخه كله ارتبط بهذه اللحظة الفارقة في عمر مصر. فلن يذكره أحد من الشعب إلا بهذا البيان الرسمي الذي صدح فيه قائلًا: «ويكون الفائز بمنصب رئيس الجمهورية هو الدكتور محمد محمد مرسي عيسى العياط». وكيف سجد الناس في الشوراع شكرًا لله على هذه النتيجة وكيف بكوا، وأتذكر قول أحد الباعة حين ذهبت إلى السوق في اليوم التالي لخطاب الرئيس محمد مرسي في ميدان التحرير: «راجل مية مية».

كل هذه الذكريات ما زالت تعيش بداخلنا حية تنبض، لن تموت بموت صاحبها، بل على العكس لو كان قدر الله له الاستمرار في الحكم وإتمام فترته الرئاسية ربما كنا نسيناها في زحمة الحياة وصيرورتها، وربما كنا نسيناها بفعل التكرار. لكنهم أذكوا نارها فينا يوم أن داسوا على كل ساعات الوقوف في «طوابير» الحرية، وأذكوا نارها يوم أن اختطفوا الرئيس الذي لم ينتخب شعب مصر غيره على مدى تاريخ هذا البلد. وأذكوا نارها يوم أن وضعوه في قفص زجاجي فعزلوا صوته الذي توحد مع ملايين الأصوات التي اختارته وانتفضت يوم أن قرروا إبطالها وكتم أنفاسها. وأذكوا نارها أكثر وأكثر يوم أعلنوا وفاته داخل هذا القفص اللعين.

كلمة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تغير موقعه في الدنيا وفي الآخرة. كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تحييه أو تميته في نبض هذه الأمة. كلمة واحدة لو قالها ربما كانت قد غيرت في ذلك السيناريو الذي نتابعه الآن بكثير من الألم. لكن قدر الألم الذي نحسه الآن قد لا يقارن بفداحة الألم الذي كنا سنشعر به لو نطق بها. كلمة واحدة يعذب بها المظلوم ظالمه. كلمة واحدة تمنيت مرارًا في لحظات الضعف أن يقولها ويريح نفسه ومن معه ويريحنا معهم من هذا العذاب اليومي. كلمة واحدة أقاموا الدنيا ولم يقعدوها وجاءوا بعصبة من «علية القوم» الناصحين؛ ليقولها أحد إخوته نيابة عنه، لكن شاء الله تعالى له ألا يقولها ولا يقولها أحد من إخوانه حتى لا يخسر حياة أبدية كتبت له. وكأن هذه الكلمة جسدت حقيقة ما كتبه الراحل عبد الرحمن الشرقاوي حين قال:

«أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة.. دخول النار على كلمة.. وقضاء الله هو كلمة.. الكلمة لو تعرف حرمه زاد مزخور… الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور.. وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقان بين نبي وبغي.. بالكلمة تنكشف الغمة.. الكلمة نور.. ودليل تتبعه الأمة.. عيسى ما كان سوى كلمة أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم.. الكلمة زلزلت الظالم.. الكلمة حصن الحرية.. إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو كلمة، شرف الله هو الكلمة»

ترى من هُزم في معركة الكلمة؟ و من يستطيع أن يحمل هذه الأمانة كما حملها الشهيد محمد مرسي؟ من يستطيع أن يلغي ذاكرة الشعوب؟ ومن يستطيع أن يستبدل بهذه الذاكرة ذاكرة جوفاء باردة مزيفة؟ من يستطيع أن يميت حلمًا يسكن القلوب؟ من يستطيع أن يعيد جني القمقم بعد أن أدرك أن حسني مبارك الذي حكم مصر ثلاثين عامًا لم يكن قدرًا كتب عليه، وأن من أسقط خطة التوريث أو صفقة التنازل عن ملكية شعب ودولة بحجم مصر قادر على أن يسقط غيره، وأن من قدر لمحمد مرسي أن يأتي من الصفوف الخلفية ليصبح في المقدمة رمزًا للنضال في قلب أمة بكاملها لم تكن تعرفه قبل بضع سنين قادر على أن يحي هذه الأمة ويزكي نضالها وقادر على أن يرفع اسم هذا الشهيد إلى ما شاء الله، فهل مات «محمد مرسي» حقًّا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مات, محمد, مرسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد