في نهاية عام 2005 دخلتُ إحدى المكتبات الإسلامية لأتعرف على ما هو جديد في أمر الدعوة وأطروحات أهل العلم، اتجهت نحو الركن المخصص للأشرطة، أخذت أقرأ العناوين والأسماء، وفجأة وقعت عيني على عنوان جذبني بشدة، لم أكن أعرف أو أسمع عن اسم الشيخ المكتوب على الشريط، لكنني على الفور طلبت من البائع أن يحضره، فلقد كانت خطبة بعنوان «أصوات الناخبين، للشيخ محمد سعيد رسلان»، ربما كان للحدث الذي شهدته مصر في نوفمبر 2005 أثر في رغبتي في التعرف على الشيخ، حيث أجريت انتخابات مجلس الشعب المصري، ولقد فازت فيها جماعة الإخوان المسلمين بـ88 مقعدًا، وكانت نسبة كبيرة شغلت الأوساط السياسية وقتها، فأيقنت أن مضمون هذا الشريط يناقش الأمر من وجهة نظر معينة.

استمعت إلى المادة العلمية، ربما أهم ما أذكره منها هو إشارة الشيخ رسلان إلى أن شهادة امرأتين في الإسلام تعدل شهادة رجل واحد، بينما تتساوى شهادة المرأة مع شهادة الرجل في الانتخابات، وأخذ الشيخ يعلق على ذلك من وجهة نظر الشرع، بعد انتهائي من سماع المادة أعطيت الشريط لصديق، استمع إليه وأعطاه لغيره، وهكذا، لكن الملاحظ بعد ذلك، أن تجريح الشيخ رسلان لجماعة الإخوان في تلك الخطبة لم يكن بالدرجة القاسية التي استقر عليها بعد ذلك، ولا أنكر أنني وغيري بدأنا نتابع شيئًا من خطب ومحاضرات الشيخ من خلال طلابه، تطور أسلوب الشيخ رسلان بعد ذلك -هذا بحسب متابعتي- منتقلا إلى تفنيد كتابات الشيخ سيد قطب، ثم وجه النقد إلى الشيخ كشك رحمه الله، مشيرا إلى استشهاده بالأحاديث الضعيفة، ثم انتقل لانتقاد الشيخ الشعراوي بسبب تفسيره القرآن الكريم باللغة العامية، واصفًا ذلك بالبدعة التي لم يسبقه بها أحد، خلال تلك الفترة كان الطعن على جماعة الإخوان ومنهجها مستمرًا.

كل ما ذكرته آنفا كان ما بين عامي 2005 و2010، لم نسمع يومًا أن جماعة الإخوان أو أحدًا منها قام بالرد العلمي الشافي على الشيخ رسلان، فقط وصفوه بأنه عميل لأمن الدولة، مع بعض الكلام المرسل، وإن رد أحدهم فلم يُتداول ردُّه، ولكن هناك من بادربالرد في محاضرة بعنوان «إلى غلاة التجريح، وفي غيرها من الخطب والمحاضرات»، من هؤلاء الذين دافعوا عن الجماعة ومُنظِّريها، الشيخ محمد حسان، والشيخ أبو إسحاق الحويني، مجتهدين ومستشهدين في ذلك بآراء العلماء الكبار، في الجماعة ومنهجها، من أمثال الشيخ الألباني والشيخ بن باز والشيخ بن العثيمين رحمهم الله جميعا «والدفاع ما كان يخلو من ملاحظات، ولكنها كانت برفق».

في الخامس والعشرين من يناير2011 قامت ثورة المصريين، أيدها الشيخ محمد حسان، والشيخ الحويني، وكان من بين ما قال الحويني، «لا ألوم من خرج تابعًا شيخه، ولا ألوم من لم يخرج تابعًا شيخه، لأنها سابقة لم نشهد مثلها من قبل ليجريَ القياس عليها»، أما الشيخ رسلان فلم يكن مؤيدًا، بل هاجم كل من أيد الثورة من العلماء، وأسهب في تجريح الجميع، وعلى رأسهم، جماعة الإخوان، والعلماء، الشيخ محمد عبدالمقصود، والشيخ القرضاوي، والشيخ حسان، والشيخ يعقوب، والشيخ الحويني، قام بعض العلماء بالرد عليه مفندين شبهة الخروج، وكان على رأس هؤلاء الشيخ عبدالمقصود والشيخ حسان، أما جماعة الإخوان فوصفوه بأنه عميل لأمن الدولة، وهذا هو الوصف الثابت حتى الآن، وقد تجاوز رسلان ليصل إلى معظم المخالفين تقريبًا.

بعد 3 يوليو 2013 تبدلت الحال كثيرًا، فالرجل الذي تحرك للدفاع عن الجماعة ومنظريها صار عميلا «وهذه هي التهمة المعلبة»، وجبانًا ومؤيدًا للظلم، وساكتا عن الحق، هكذا وببساطة ضاع جهد ثلاثة عقود من العمر أفناها الشيخ محمد حسان في دعوة وتعليم المسلمين في العالم كله شرقه وغربه، شنت جماعة الإخوان حملة ممنهجة على الرجل وكأنه هو الذي وصل إلى الحكم وهو أيضًا الذي أضاع الحكم، ويروق لي أن أُذَكِّرَ هنا بما قاله الشيخ الألباني في جماعة الإخوان فيما يخص عملها السياسي، حيث قال ما معناه «الجماعة في العمل السياسي منذ نشأتها حتى الآن تسير على طريقة محلك رابح» وهذا الوصف بالمصرية يعني محلك سر.

الشيخ محمد حسان لا يحتاج لمن يدافع عنه، فتاريخه الدعوي حافل بما لا يخفى على أحد، إلا إذا كان من غير متابعيه، أو أنه من كارهيه كاللبراليين والعلمانيين وغيرهم، فالشيخ لم يترك قضية من القضايا التي تمر بها الأمة إلا ووقف عندها وتكلم بالشرع فيها، ثم، الذي يشهد له بذلك جمهوره في العالم كله الذي قد تصل أعداده أضعاف أعداد التيار الإسلامي، ثم، أي خداع ونفاق في دعوة الرجل على مدار ثلاثين سنة؟ أخرجوا لنا ما يتم الطعن به على منهجه في الدعوة، ونُذكِّر بأن منهج الإخوان هو المنهج المطعون عليه من شيخ كالشيخ محمد سعيد رسلان وكثيرون غيره، وأنا أطرح سؤالا، لماذا لم توجهوا نقدكم إليه؟ مع أنه تكلم في كل شيء يخص الجماعة حتى وصفها بالخوارج، وأنا أقصد هنا الردود العلمية التي تفحمه.

أوجه هذا الكلام لقيادات جماعة الإخوان المسلمين لا أتباعهم: لقد كنتم تحكمون مصر مدة عام، ما هي الخطوات التي اتخذتموها في أمر الدماء والقصاص؟ ثم، هل يوجد حزب – على وجه الأرض – وصل إلى الحكم، وما زال ينزل ليجري في الشوارع ليتظاهر ويهتف؟ هل توجد مؤسسة رئاسية على وجه الأرض يمهلها وزير مرتين؟ فمرة أسبوع ومرة ثمان وأربعون ساعة؟!

وأخيرًا، من الذي نزل إلى الشوارع ثائرًا على مَلك مصر مساعدًا الضباط الأحرار؟ ثم من الذي ورط المصريين في السيسي؟ وأُجملُ هذا بقولي: من الذي تَعمد أن يقع في الفخ في كل مرة حتى خضعت مصر للحكم العسكري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد