قلت له يا صديقي، إن المريض يحتاج إلى دواء، والجائع ترضيه لقيمات غذاء. قال لي بعد أن سكت برهة: بل إن المريض، والجائع يحتاجان إلى وطن.

نزلت تلك الكلمة على مسامعي كالصاعقة، تذكرت معها مرارة العجز، والانكسار في وطن لا يقدر أبناءه، ولا يحترم آدميتهم.

تذكرت معها ما حدث بالأمس القريب للشاب الطبيب محمد صلاح، الذي سقط تحت عجلات القطار نتيجة التدافع، نتيجة الإهمال في منظومة كان لا بد للأمان أن يكون على رأس أولوياتها.

كانوا يتدافعون يا صديقي كل منهم يحمل همًا فوق رأسه، لا يريد أيهم أن يزيد هذا الهم بهم آخر، وهو فوات القطار. كانوا يتدافعون، لا يدركون مصائرهم، لكنك يا صديقي كنت من بينهم الضحية، ضحية الوطن، وأصحاب الوطن، الذين لا يدركون حتى أننا نعيش معهم.

غالبتني دموعي بالأمس أثناء وجودي بمستشفى القصر العيني، وأنا أدرك أن جميع الحاضرين هناك من أهل وأصدقاء لا حول لهم ولا قوة. عاجزين كما أنت يا صديقي، والوطن القابع في بطون الفاسدين لم يكتف حتى بالصمت، بل كان يعرقل السائرين لإنقاذك، وكأنه يريد التخلص من كائن لا يمثله، ولا يدرك وجوده.

غارقون يا صديقي حد الثمالة في وطن لا يبصر منا أحد، غرباء في كل الأزمنة، غرباء مع كل الأنظمة، طالما الوطن واحد.

محبة مذهلة أظهرتها الشدة من ذويك، وأهلك، وأصدقائك، يحاولون بشتى الطرق الوصول بك إلى بر الأمان، بأقل الخسائر. كنت أرى الحزن في وجوه الواقفين جميعًا، مستندين برؤوسهم على حوائط المشفى تلمع في أعينهم دمعة عجز، وضعف، وقلة حيلة يأملون بهمة، وسعي بالغ منحة تخرجك من محنتك.

خرجت من هناك مثقلا بهمي، وفي قلبي ألم، وحسرة، تنساب دموعي لا أعبأ بالناظرين حولي، مشيت لست أدري كم مشيت، لم أدرك حتى أنني خرجت من المبنى، إلا حينما فاجأتني أصوات عالية، وهياج شديد، أخرجني من سكوني، وانشغال بالي. كانوا يحتفلون على أحد المقاهي، يتابعون إحدى مباريات اللاعب محمد صلاح، الذي يبدو وكأنه أحرز هدفًا، تمتلأ الشاشة بصورته، وهو يخلع قميصه، يعبر عن فرحة جنونية، ومن أمام الشاشات يشاركونه فرحته.

انتابتني رعشة، حين خيل لي الموقف من جميع زواياه.. يا لسخرية الواقع!

كان لهما نفس الاسم، وهما بالطبع مواطنان لبلد واحد، شابان في عمر بعضهما، والحاضرون هنا وهناك في المشفى هم نفس الوجوه التي اعتدت رؤيتها في اليوم العادي، لكن اللحظة كانت مختلفة، والموقف لم يكن مألوفا، فصاحب الكرة لا يعرف شيئًا عن صاحب الطب، لا يأبه ربما بالأمر، يشغله ما هو أهم، فهناك عقارب تدق مالاً وشهرة ونجومية، والجالسون هنا على المقهى لا يشغلهم ما يحدث داخل المشفى.

«كان للصاحبين نفس الاسم، لكنهما لم يكونا كالجسد الواحد، وكل الوجوه هنا وهناك تشابهت في سمتها، وتجاعيدها، لكنهم لا يحملون نفس الهم».

كان صديقي يطالع وجهي المكسو بالسواد، يتأمل تغيرات تعابيره، بعدما مل من سهوي، وسكوتي. كان ما يزال ينتظر ردًا مني، وكأني أملك مفاتيح الوطن للمريض والجائع.

كنت أتخيل -وأنا أبحث عن إجابة لصديقي- صلاح اللاعب، وهو يجري خلف مستديرته، ومن خلفه تجري أفئدة الطامحين نحو فرحة تخلصهم من همومهم وأحزانهم. هو لا يدرك أنه ليس إلا أفيون يتصبرون به على مرارة عيشهم. فبطبيعة الحال تنجذب الحشود لأي شيء ينسيها همومها، ويخرجها من واقعها المؤلم، كانوا يعلمون ذلك لكنهم تناسوا واعتادوا الأمر.

كنت أتخيل صلاح الطبيب، وهو يجري لسنين طوال خلف حلمه، يطمح أن يكون شيئًا، يأمل بعد عناء ومشقة أن يكلل بالنجاح، لم ييأس، ولم يرهقه طول الطريق، لكنه فجأة توقف. عرقلته عبثية الواقع وقدره المحتوم.

توقف الطبيب لكن الجميع من بعده لم يتوقف، كانوا يقاومون خبث المعضلة، يبحثون رغم صعوبة الموقف، وتعنت أصحاب المال والسلطة والقرار، يبحثون عن طوق نجاة لصديقهم.. وما زالوا.

«إن الوطن يا صديقي يلهث خلف من يملك الثمن، والمريض والفقير والجائع لا يملكون الثمن. إن كانوا يحتاجون إلى وطن فالوطن لا يحتاج إليهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات