محمد صلاح ذلك الفتى القروي ابن الطبقة المتوسطة الذي قال عنه ممدوح عباس أنه لا يمتلك من الخبرة والجدارة ما يؤهله لارتداء قميص الزمالك أصبح الآن حديث الدنيا بأكلمها. أصبح مثلًا أعلى لكل أطفال مصر؛ فهو مجتهد وملتزم قبل أن يكون موهوبًا.

قد تظن يا عزيزي القارئ أن هذا المقال رياضي فعذرًا على سوء الفهم، فأنا لست بناقد رياضي بل لستُ بكاتب أيضًا!

كل ما أريده هنا هو لفت نظرك يا صديقي إلى ملايين من محمد صلاح خرجوا بلا عودة وملايين مثلهم يحاولون الخروج وذلك بسبب وطن لم يعترف بقدراتهم ولم تسع أرجاؤه لسماع صدى طموحاتهم سواء ببيروقراطيته تارة أو بمحسوبيته تارة أخرى.

صديقي القارئ أنا لا أُحدثكَ هنا عن زويل والباز وحجي أو تلك الأسماء التي ألفتها فى الإعلام، بل أُحدثكَ عن عشرات الآلاف من الباحثين المصريين الذين تمتلئ بهم معامل وجنبات أفضل جامعات العالم.

لن أدع قلمي يسرد لك حجم الكارثة، فقط تأمل معي الخبر التالي الذي نشرته جريدة الشروق المصرية في الأول من أغسطس عام 2013

“القاهرة- أ ش أ

كشف الاتحاد العام للمصريين في الخارج، عن أن تعداد المصريين العاملين في الخارج يبلغ حاليًا 9 ملايين و750 ألف مواطن، وأن تعداد علماء مصر في الخارج 86 ألف عالم، وأن مصر تأتي في المركز الأول في عدد العلماء على مستوى العالم.

وأوضح «الاتحاد»، في بيان له، اليوم الخميس، أنه يوجد في مصر 1883 عالمًا مصريًا في تخصصات نووية نادرة، مشيرًا إلى أن إجمالي مدخرات المصريين في الخارج حتى نهاية ديسمبر 2011، بلغت 147 مليار دولار، بما يمثل ضعف الاستثمارات الأجنبية الموجودة في مصر.

ولفت البيان، إلى أن من بين المصريين في الخارج 42 عالمًا مصريًا في وظيفة رئيس جامعة، إلى جانب وزير بحث علمي في كندا مصري الجنسية، إلى جانب وجود ثلاثة مصريين أعضاء في مجلس الطاقة الإنمائي، الذي يتكون من 16 عضوًا، وكذلك يوجد 3 آلاف عالم مصري في أمريكا من كافة التخصصات.

وأوضح «الاتحاد»، أنه اعتمد في معلوماته بشأن تلك الإحصاءات على مركز الاتحاد والإحصاء التابع للأمم المتحدة، وبعض المراكز البحثية فى أوروبا، وأمريكا، وروابط العلماء، ورؤساء الجاليات الإسلامية في الخارج”.

كل هذه الملايين ما يربطها بالوطن صار إجازة صيفية كل عام. صورة فوتوغرافية بجانب الأهرامات في رحلة مدرسية قديمة أو ذكرى هنا وأخرى هناك. ويا صاحبي من المؤكد أن من أصدقائك من سافر للدراسة في الخارج أو حتى العمل، بل من المؤكد أيضًا أنك تبحث الآن عن فرصة للخروج!

تخيل معي شخصًا حصل على ماجستير من جامعة أكسفورد ودكتوراه من جامعة هارفارد فطبقًا للوائح لا يمكن تعيينه في أي منصب أكاديمي. يا للعجب! قس على ذلك ملايين الأمثلة.

لن أوجه كلامي إليك يا صاحبي أكثر من ذلك، فلا أنا ولا أنت نملك من الأمر شيئًا. سأوجه كلامي إلى القائمين على أمر الدولة وألفت نظرهم إلى شيء؛ أن الحروب في هذا العصر ليست بالسلاح التقليدي فشراؤك لمئات الطائرات لن يُقلقَ عدوكَ على الإطلاق، أما ما يجعله يهلع فهو بناء جامعة للتكونولوجيا هنا أو افتتاح معمل لصناعة الطائرات حتى لو كانت بدائية في البداية هناك. فمن يستطيع صناعة طائرة بدائية من المؤكد أنه يومًا ما سيصنع المعجزة. سيُربكهُ منافسة جامعاتك لجامعات العالم في التصنيف الدولي. ستُربكه أول سيارة مصرية وأول وكالة فضاء مصرية… إلخ.

على الجانب الآخر، من المهم أن تفكر مصر في مشروع نووي لسد عجز الطاقة، ولكن الأهم هو توفير طاقم مصري لإدارته وهو ما يتطلب الإعداد لسنوات حيث أن احتمال الخطأ في مثل هذه الأمور صفر! كل هذه الأحلام لن تتحقق إلا بتحقيق ما يُريده الشباب المصري.

الشباب المصري لا يُريد إلا دولة مدنية تحترم حقوق الإنسان. تحترم حقوق الأقلية قبل الأكثرية. تحترم حرية الرأي والتعبير. تُقدر العلم والعلماء. يريدُ وطنًا يحقق العدل بين أبنائه، نحتفل معه في أفراحه ونلتف حوله ونفديه بدمائنا في محنه وأزماته. لا أعلم هل هذه المطالب ستُكلفك شيئًا؟! الله أعلم. وعلى أي حال لن يصل كلامي إليكم.

والسلام يا صديقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد