من المهازل في عصرنا افتتان الشباب بمحمد صلاح لاعب كرة القدم المصري؛ فصار حديث الساعة بحيث تكفي تغريدة منه لإشعال مواقع التواصل ومنابر الكتابة.

التميز ملفت، والنجاح يستحق الإشادة، ولا يختلف اثنان في نجاح محمد صلاح في ميادين أوروبا، وحصوله على جمهور عالمي عريض، ونحن على أعتاب كأس العالم المقام في روسيا 2018، ولكن ما أقول إنه تيه لجماهير العرب التي تشجعه هو لأجل أن الأمة في أيامنا هذه تحتاج لصلاح الدين لا لمحمد صلاح!

نحن ممزقون على امتداد وطننا العربي بلا استثناء، وحتى الدول التي تبدو غير ممزقة الآن، ولم تنهمر على أرضها المصائب والمحن كغيرها، فالدور قادم عليها لا ريب، وسيكون لسان حالها قائلًا: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض». ومع كل هذا التمزق تهوي الأفئدة إلى لاعب يركل الكرة هنا وهناك، كأن هذه الركلات تضع النهاية لأزماتنا وكوارثنا الراهنة!

جماهير اللاعب تعاني في دولها وتفتقر إلى أبسط مقومات حياة الشعوب، حرياتها مصادرة، وأقواتها منهوبة، وتحكمها طغم تسعد بانصراف الجماهير عن تغيير أوضاعها إلى قضايا غير ذات أهمية مثل أساطير الملاعب، وأيقونات النضال الكروي!

وعلى مستوى أشمل من النطاق المحلي، أين هذه الجماهير من القدس وقد أصبحت رسميًّا عاصمة دولة الاحتلال الصهيوني؟ وأينها من اليمن الذي أصبح بلد المجاعة والموت؟ وأينها من سوريا التي أضحت ولاية إيرانية يستنشق سكانها السلاح الكيميائي؟ وأينها من ليبيا؟ و… و… و…؟

ألا ترون معي أن قضايانا لم تترك لنا فرصة التشاغل والتلهي بترف مشاهدة الكرة أصلًا؟ ناهيك أن تصبح متابعة اللاعب هذا أو ذاك على المنصات هو الشغل الشاغل!

المُلاحَظ هو أنه منذ اعتلاء ترامب عرش الإمبراطورية الأمريكية فالتوجه أضحى كله نحو نزع ما تبقى من قيم العروبة والإسلام من صدور الشباب، فكان البلد البادئ هو الممملكة العربية السعودية؛ إذ لم يتبق لها إلا إعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني بعد أن تلقت خبر إعلان القدس عاصمة للكيان بفتور، وتشاغلت ببرامج هيئة الترفيه التي أقامتها على أنقاض هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل نشاط الترفيه يدور حول إقامة الحفلات والمصارعات والملهيات. وبالأمس صادفني خبر يقول إن الرحلات الجوية بين الكيان الصهيوني والهند صارت تمر عبر أجواء السعودية لأول مرة، كل هذا والجماهير تتابع محمد صلاح أكثر مما تتابع ما يجري في أرض الحرمين من تغريب للدين وتهميش للقضايا.

هل يعقل أن نترك كل هذه الهموم المعيشة لنطير فرحًا بنصر زائف؟ ونشرع في إحصاء عدد الأهداف وعدد التمريرات الناجحة، هذا حقًّا لا يعقل!

أُمتنا المتفرقة المتناحرة تحتاج لصلاح الدين ليعيد تحزيمها خلف قضاياها وحقوقها المهضومة، ليضمها إلى سكة الإنتاج والتنمية والتطور، لينفض عنها غبار القرون الماضية الذي يغطيها، ليوحدها ضد أعدائها ومغتصبي أرضها. وأقول للفرحين من متابعي الساحرة المستديرة -كما يقولون- هل يستطيع محمد صلاح أن يفعل ذلك؟!

ويبدو أن بعض المشجعين ذهبوا بأفكارهم بعيدًا حيث ادعوا أن محمد صلاح داعية إسلامي، وأن بمقدوره إخراج جمهور ليفربول من الظلمات إلى النور!

أعلم أن كلامي لن يرضِي الكثيرين، ولكن الحقيقة دومًا مُرَّة، فنحن في ذيل الأمم الآن حتى لو امتلأت ميادين أوروبا بالمحترفين من شبابنا لا بشاب واحد صار حديث الأسافير ومشجبًا زائفًا للنجاح والتألق نعلق عليه أحلامنا المحترقة في أوطاننا.

ختامًا، كتب الصحافي السوداني محمد عبد الماجد في عموده بصحيفة الانتباهة: «الحديث الكثير عن النجم المصري محمد صلاح هذه الأيام، يشعرني أن طارق بن زياد لو لعب كرة القدم لكان أكثر شهرة وخلودًا من شهرته وخلوده!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد