“وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (آل عمران: 78). 

يُعتبر السوري محمد شحرور بمثابة “شيخ” أو “عالم دين” بالنسبة لبعض العلمانيين في بلادنا، أي في الداخل الفلسطيني. وهو أمر ألاحظه منذ سنوات، من خلال النقاشات التي خضتها مع بعض نشطاء التيار العلماني، والذين كانوا كثيرًا ما يهرعون إليه لكونه يوفّر ملاذًا لأفكارهم العلمانية ولرفضهم الكثير من تقريرات الشرع الثابتة في الكتاب والسنة، فكان طرحُه خير سند لهم، باعتباره ليس مجرّد منظّر “علماني” وإنما “مفكر إسلامي” على حدّ زعمهم.

وهم بطبيعة الحال لا يصدّورنه إلا كـ “مفكر إسلامي” بل وكـ “عالم دين”، باعتبار أنّ ما يقوله هو “اجتهادات” في الدين؛ وذلك لإدراكهم أنّ مجتمعنا المسلم في الداخل لم يعد يقبل منهم تلك الأطروحات العلمانية المجافية للدين بشكل صريح، والتي تريد اختزاله في المسجد كشعائر تعبّدية، بل أصبح الشباب يلتفت بشدّة لدينه منهجا للحياة ومعيارا لمختلف القضايا الاجتماعية والسياسية، ومن ثمّ فقد قدّموا محمد شحرور باعتباره “مفكرا إسلاميا”، يتحدث بالقرآن واستنادا إليه.

ولكن ما سيُظهره هذا المقال هو أنّ شحرور في الواقع علماني صرف، ومآلُ معظم اجتهاداته في الشريعة هو التوفيق بينها وبين الأوضاع العلمانية المعاصرة. وفي هذا المقال سوف نحلّل بعض أفكاره مقتبسين من كتاباته، وسوف يظهر من خلال مناقشته كيف أنّه في الواقع يريد اختراع دين على هواه العلماني، غير خارج بذلك عمّا يقرّره العلمانيّون العرب من أنّ مكان الدين هو الشعائر التعبّدية فحسب، ولا دخل له بقضايا المجتمع والسياسة، وإن كان يحاول طرح ذلك باعتباره “اجتهادا في كتاب الله”، وحاول محبّوه تصديره كـ “مفكّر إسلامي”!

 

يقول شحرور، في سياق حديثه عن مفهوم “الحاكمية”: “الحاكمية الإلهية: الحرام بيّن، فالمحرمات محصورة ومحددة ومفصلة وأبدية، أي لا اجتهاد فيها، وهي محترمة في أغلب دول العالم” (صفحته الرسمية على فيس بوك).

ونحن نتساءل: هل حرمة الربا القطعية في القرآن محترمة في أغلب دول العالم؟
هل حرمة الزنا القطعية في القرآن محترمة في أغلب دول العالم؟
هل حرمة الشذوذ الجنسي القطعية في القرآن محترمة في أغلب دول العالم؟
هل حرمة شرب الخمر القطعية في القرآن محترمة في أغلب دول العالم؟

إلى جانب العشرات من المحرمات.. والإجابة بطبيعة الحال: كلا، ولكن شحرور لديه رغبة -في معظم ما يطرح حول الشريعة-  بجعل الأوضاع العلمانية المعاصرة هي غاية ما يمكن أن تصل إليه الشريعة أو التزام المسلمين بالشريعة!

في مثال آخر، يجيب شحرور في موقعه الإلكتروني عن سؤال أحدهم حول حكم السرقة فيقول: “قال تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله} (المائدة 38)، والنكال هو المنع، ولاحظ أن الأيدي بالجمع وليس (يداهما) فالمقصود من الآية هو كف أيديهما عن المجتمع بعقوبة ما تحددها الهيئات التشريعية لكن حدها الأعلى السجن المؤبد، علمًا أن السارق اسم فاعل أي ليس من سرق ذات مرة وإنما من امتهن السرقة فأصبح سارقًا. وهذا مطبق في أمريكا”.

وبغضّ النظر عن المغالطة الواضحة في تحريفه لمعنى “نكالا” وإلغائه لحدّ السرقة الثابت في القرآن والسنة والإجماع وإجماع الفقهاء عبر 14 قرنًا، إلا أنّ غاية ما يمكن أن يصل به “حكم القرآن” عند شحرور هو ما قرّرته الأوضاع العلمانية المعاصرة، فأقصى حدّ لديه هو “السجن المؤبّد”، وهو -كما يقول- “مطبّق في أمريكا”!

نرى إذن أنّ هناك رغبة قوية لدى شحرور بتطويع الشرع وتحريفه لوضعه في قوالب النظم القانونية العلمانية المعاصرة، في مثال ثالث يقول شحرور: “الحاكمية الإلهية – الإنسانية: الأمور المشتبهات، وهي النواهي وفيها ترك الله تعالى الباب مواربًا لجانب إنساني يجتهد فيها وفق الظروف الزمانية والمكانية. ونلاحظ أن كل دول العالم تضع قوانين للمنهيات (السُكر- التجسس مثلًا)(صفحته على فيس بوك).

ففضلا عن إطلاقه لهذا الجانب من ضابط الشرع، وجعله الاجتهاد “وفق الظروف الزمانية والمكانية” فحسب مع إلغائه لأي دور لأصول الفقه المأخوذة من الشرع في ضبط أي اجتهاد، فضلا عن ذلك فهو يرى أنّ هذا الجانب مُطبّق في الأوضاع العلمانية المعاصرة فيقول: “نلاحظ أن كل دول العالم تضع قوانين للمنهيات (السُكر – التجسس مثلا)”.

والسؤال هنا: هل مجرّد وضع القوانين من قبل جهة ما يعني أن هذه الممارسة التشريعية ترضي الله أيّا كانت تفاصيلها؟ وهل قوانين الخمر والتجسس وغيرها ممّا تشرّعه الأنظمة العلمانية موافقة لما جاء به الشرع؟ أم إنّ العبرة في النهاية بكون هذه القوانين منضبطة بضوابط الشرع أم منفلتة عنها؟

الحاصل أنّ شحرور يحاول بوضوح ملاءمة غايات الشريعة وتقريراتها للأوضاع العلمانية المعاصرة، ممّا يفنّد بشكل صارخ كل ادعاءاته التي خطّها في عدّة كتب، والتي يحاول أن يُظهر فيها تناوله للقرآن “بموضوعية” واستخراج هذه الأفكار منه.

وهذا يعيدنا إلى ممارسة خطيرة لم يقع فيها شحرور وحده، بل غير من المفكرين، وهي أن يكون الدافع لاتخاذ موقف ما أو رأي ما ليس هو الاستنتاج الموضوعي من نصوص الشرع، بل ضغوط الواقع وإغراءاته. وأذكر مثلا أنّ أحد الدعاة “الإسلاميين” (هو عدنان إبراهيم) كان قد طرح فكرة دخول غير المسلمين للجنة -وفقا للإسلام- بمجرّد تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لو لم يتّبعوا دينه! وبدأ بالتدليل على كلامه هذا بنصوص من القرآن يؤوّلها ويعزلها عما جاء في سياقها من نصوص قرآنية حاكمة، ولكن عندما نعود إلى بداية كلامه ومنطلق طرحه هذا نجد أنّه قال بشكل واضح ما معناه: أنّ المسيحيين اليوم قد أقرّوا بإمكان الخلاص لغير المسيحيين، ومن ثم فعلينا نحن أيضًا أن نقرّ بدخول الجنة لغير المسلمين، هم قد أجروا مراجعاتهم ونحن علينا إجراء المراجعات!

وهكذا، بكل وضوح، يظهر الدافع الحقيقي وراء هذا “الاجتهاد”، وتبطل بشكل صارخ كل الدعاوى التي يحاول من خلالها أن يُظهر بأنّه استنبط هذا المعنى من القرآن، فمعنى كلامه أنّه “مَنْ يبغِ غير الإسلام دينًا فمن الممكن أن يُقبل منه”، بخلاف ما يقرّره القرآن الكريم الذي قال: “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران:85).

وبالعودة إلى شحرور، نجد أنّه أسّس لنظريّته العلمانية في التعامل مع الدين بعزله عن قضايا القانون والمجتمع والسياسة، من خلال فكرة “سنّة الرسالة” و”سنّة النبوّة”، كما قرّرها في كتابه “السنة الرسولية والسنة النبوية”.

فالسنة النبوية -بحسب شحرور- هي تعليمات خاصة بعصر النبوة، ولا يمكن تعميمها لتصبح “أحكامًا شرعيّة” واجبة الاتباع. وهكذا يتحرّر شحرور من الكثير من أحكام الشرع الثابتة، ويرسّخ مذهبه العلماني الذي يعزل الشريعة عن حياتنا المعاصرة.

فحَوْل إحدى آيات فرض الحجاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) تجده يجيب أحد السائلين في موقعه الإلكتروني قائلا: “فالآية تخص ذاك العصر، والمؤمنين هم مؤمنو ذاك العصر، حيث كانت النساء تخرجن لقضاء الحاجة في العراء ويترصدهن المنافقون فجاء الأمر لدرء الأذى عنهن، والعبرة التي نأخذها أن لباس المرأة يجب ألا يعرضها للأذى الاجتماعي أي لا يخرج عن المألوف”.

والسؤال هنا: أي “مألوف” يقصد؟ وهل ثمّة مألوف واحد أصلا في بلدة صغيرة فضلا عن مدينة كبيرة فضلا عن دولة وعالم فسيح؟!

لدى أسرة ما، المألوف هو التنّورة القصيرة على ألا تصبح “بيكيني”! ولدى أسرة أخرى المألوف هو تنورة تحت الركبة وليس فوق الركبة! ولدى أسرة ثالثة يجب أن تصل التنّورة للقدمين.. وهكذا، يحيلنا شحرور بتهرّبه من حكم الحجاب، الواضح في القرآن والسنة وإجماع الأمة، إلى تقريرات غير منضبطة، لا يمكن الاتفاق عليها، ومن ثم يصبح استنباطه لتلك العبرة “أنّ لباس المرأة يجب ألا يعرضها للأذى الاجتماعي أي لا يخرج عن المألوف”استنباطًا دون معنى أو دلالة واقعية، ويختلف فيه الناس -خارج إطار الشرع- بدون حدود، فهي عبرة “هلامية” لا تقدّم ولا تؤخّر.

وفضلا عن ذلك، فقد خصّص شحرور حكمَ الجلباب بعصر النبوّة دون دليل على التخصيص، وخَلَط بين “سبب النزول” و”علّة التشريع”، فجعل سبب نزول الآية هو علّة تشريعها، وأبطل مفعولها مع غياب العلّة بزعمه! متجاهلا أنّ “أكثر أصول الشرع خرجت على أسباب” كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي في “المستصفى”، وكما يقول الإمام علاء الدين السمرقندي في “ميزان الأصول”: “أن عامةَ النصوص نحو آية الظِّهار واللِّعان والقَذْف والزِّنا والسَّرقة، نزَلَتْ عند وقوع الحوادثِ لأشخاص معلومين، فلو اختصت بالحوادث لم تكن الأحكامُ كلها ثابتةً بالكتاب والسنَّة تنصيصًا، إلا في حقِّ أقوام مخصوصين، وهذا محالٌ عقلًا، ومخالفٌ لإجماع الأمَّة، والمعقول يدل عليه، وهو أنّ اللفظَ العامَّ يوجب العملَ بعمومه، وإنما يُترك بدليل التخصيص”.

ومن ثمّ فالقول بتخصيص آيات الأحكام بالحوادث التي سبقت نزولها هو قولٌ بإبطال عدد هائل من الأحكام الشرعية الثابتة؛ ذلك أنّ معظم هذه الأحكام نزلت على أسباب وبعد حوادث خاصة، وتقييدُها بها يعني تحويلَ الشريعة إلى أحداث تاريخية ودفنَها مع انقضاء تلك الأحداث ودوران عجلة التاريخ، وهي ممارسة علمانية صرفة!

ولهذا قال الفقهاء إنّ “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، أي إنّ اللفظ العام هنا يشمل جميع “نساء المؤمنين”، في كل الأماكن والعصور، وهو ما أكّدته آيات أخرى ونصوص حديثية صحيحة كثيرة وإجماع الصحابة وإجماع الأمة عبر أربعة عشر قرنًا. والموضوع يحتاج لتفصيل، لكن ينبغي الإشارة هنا إلى أن أسباب النزول مهمة في فهم سياق النص، وليس معنى الكلام إهدارها، ولكن تخصيص الأحكام التي وردت بألفاظ عامّة ووُجّهتْ “للمؤمنين” أو لـِ “نساء المؤمنين” بأحداث خاصة كانت سببا في نزولها يحتاج إلى دليل، وهو ما يفتقد إليه شحرور.

على أنّنا نتعجّب هنا أيضًا من كون شحرور يستخدم السنة النبوية الواردة في كتب الحديث، وهو الذي يقول إنّ أقوال النبي حول المجتمع والسياسة والتنظيم والعادات واللباس والأخلاقيات “غير ملزمة” (كما سننقل عنه في الفقرة التالية)، فكيف استخدم أسباب نزول الآية هنا (وهي سنّة نبوية منقولة في الكتب عن صحابته رضوان الله عليهم) وجعلها دليلا على تخصيص الآية بتلك الأحداث؟ إذ لولا أنّه قرأ هذه الرواية في كتب الحديث ونحوها لَما عرف للآية معنى ولا عرف لها خصوصًا يزعمه! ولكنه استخدمها – بخلاف منهجه “المتّبع” – واستنبط منها “عبرة” وهي – كما يقول – “أن لباس المرأة يجب ألا يعرضها للأذى الاجتماعي أي لا يخرج عن المألوف.

يقول شحرور في موقعه الإلكتروني، في صفحة “المنهج المتبع”: “السنة النبوية شيء، والسنّة الرسولية شيء آخر. فالسنّة الرسولية هي التي وجب اتباعها في حياة الرسول (ص) وبعد مماته وهو ما يميّز الرسالة المحمدية عن غيرها، وهي الشعائر، وهي ثابتة شكلًا ومحتوى على مرّ الزمان، ووصلتنا عن طريق التواتر الفعلي، ولا علاقة لها بكتب الحديث. أما أقوال النبي (ص) حول المجتمع والسياسة والتنظيم والعادات واللباس والأخلاقيات التي وردت تحت عنوان الحكمة، فهو سنة نبوية ظرفية غير ملزمة ولا تحمل الطابع الأبدي، ويمكن الاستئناس بها ولكنها لا تشكل أحكامًا شرعية. وكل أقوال النبي (ص) يؤخذ بها إذا كانت مقبولة إنسانيًا، وغير ذلك فهي محلية. وعلى هذا فإن ضرر ما يسمى كتب الحديث أكبر بكثير من نفعها –هذا إن كان فيها نفع أصلًا– أي أن ما يقال عنها السنة النبوية هي جزء من الأحكام المرسلة، وهي غير أبدية وغير ملزمة صحَّت أم لم تصحّ. وبهذا يصبح علم الجرح والتعديل وطبقات الرجال لا معنى له وهو عبء علينا”.

تحمل هذه الفقرة من كلامه اضطرابًا واضحًا، وتناقضاتٍ يمكنها وحدها أن تحكم بتهافت منهجه. فلكي يخرج من مأزق عدم الأخذ بالسنة النبوية الموجودة في كتب الحديث والتي أخذتها الأمة بالقبول عبر العصور، ومن مأزق السؤال المحرج: “كيف تصلّي وتصوم وتحجّ إذن وتفاصيلُ ذلك غير مذكورة في القرآن”؟ تجده يقول: “فالسنّة الرسولية هي التي وجب إتباعها في حياة الرسول (ص) وبعد مماته وهو ما يميّز الرسالة المحمدية عن غيرها، وهي الشعائر، وهي ثابتة شكلًا ومحتوى على مرّ الزمان، ووصلتنا عن طريق التواتر الفعلي، ولا علاقة لها بكتب الحديث”.

فهو يثق أولا بالأمة التي نقلت بالتواتر شعائر الصلاة والحجّ عبر أربعة عشر قرنًا، ولكنّه لا يثق بها وبجميع علمائها عبر أربعة عشر قرنًا والذين قالوا إنّ الحجاب واجب (وأحكام أخرى كثيرة) بناء على فهمهم للآيات المذكورة واتباعهم المتواصل لما كان عليه الصدر الأول من الإسلام! وهكذا نجد أنّ شحرور انتقائيّ؛ يثق بما أخذته الأمة بالقبول تواترًا في الشعائر، كي لا يضطرب مذهبه ويقع تحت سَيْف سؤال: “كيف تصلّي وتحجّ إذن؟”، ولكنه يسمح لنفسه بإهدار ما أخذته الأمة بالقبول تواترا في المعاملات وسائر الأحكام، ليتّسق ذلك مع مذهبه العلماني الذي يرى في الدين مجرّد شعائر تعبّدية لا علاقة لها بتنظيم أمور المجتمع والسياسة!

ويقرّر شحرور أيضًا قاعدة تسمح له بانتقائية أخرى في مجال الأحكام الشرعية، إذ يقول عن أقوال النبي المذكورة في كتب الحديث: “ويمكن الاستئناس بها ولكنها لا تشكل أحكامًا شرعية، ففي الحالة التي مرّت معنا (آية فرض الجلباب) يهرع شحرور إلى حديث منقول ومكتوب حول سبب نزول الآية، لأنّه يمكّنه -عبر الخَلْط بين “سبب النزول” و”علّة التشريع” كما ذكرنا”- من إفراغ الآية من محتواها التشريعي الشامل لكل زمان ومكان، فيكون “استئناسه” بالأحاديث (لاحظ استخدامه المقصود لمفردة “الاستئناس” كي يخرج من الإلزام) طريقة أخرى يوظّف فيها النصّ الحديثيّ لخدمة نظريّته العلمانية حول مفهوم الشريعة والأحكام الشرعية! رغم أنّه يقرّ في الفقرة أعلاه أنّ “ضرر ما يسمى كتب الحديث أكبر بكثير من نفعها – هذا إن كان فيها نفع أصلًا”، ولكن يبدو أنّه يجد نفعًا فيها في بعض الأحيان لخدمة أيديولوجيّته!

ويرى شحرور أيضًا أنّ “كل أقوال النبي (ص) يؤخذ بها إذا كانت مقبولة إنسانيًا”، فما هو معيار هذه “الإنسانية” لدى شحرور؟ ومن الذي يقرّر ما هو “مقبول إنسانيّا” وما هو “غير مقبول إنسانيا”؟! يتّضح إذن أنّها وسيلة أخرى يمكنه من خلالها تحكيم أهوائه في الشرع، فالمقبول إنسانيّا هو في الواقع “أهواء” شحرور؛ ما وافق هواه من الشرع أخذ به واعتبره “مقبولا إنسانيّا”، وما خالف هواه وفكره العلمانيّ رفضه واعتبره “غير مقبول إنسانيّا”!

كان هذا المقال تسليطًا لبعض الضوء على تهافت منهج شحرور في فهمه للإسلام والقرآن والدين، من خلال عرض بعض تناقضاته وتخبّطاته ومغالطاته، ليُراجع نفسه من يعتبره “مفكرًا إسلاميّا” أو “عالمًا في الدين”، ويدرك بأنّه أمام مفكّر علمانيّ بحت، قرّر مرجعيّته وأفكاره ثم توجّه للقرآن كي يطوّع آياته لتتلاءم مع هذه المرجعية والأفكار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد