لقد هُزمنا لأنّ النساء كاسيات عاريات، هذا ما قاله الإمام بكل ثقة في أول خطبة جمعة بعد النكسة العربية عام 1967، بينما صَرخ الشيوعي بفكره المُتقد لا بل هُزمنا لأننا نصوم في رمضان. (لعنة الله عليك وعلى إمام الجامع) كان ردًا مبدئيًا من المهندس محمد شحرور الأستاذ في جامعة دمشق كلية الهندسة المدنية الذي كان قد عاد قبل ثلاث سنوات فقط من بعثة دراسية مميزة استمرت ستة أعوام في موسكو.

كانت هذه الحادثة نقطة البداية لفكر محمد شحرور حيث بدأت أفكاره تتجه تدريجيًا باتجاه الإسلام والمجتمع، فَأخذ يدرس الفكر الماركسي ويقرأ المنطق والفلاسفة الغربيين، وهذه البداية كانت بعد إدراكه لوجود مشكلة ثقافية في نمط التفكير العربي الذي ينبع بشكل أساسي من الثقافة الإسلامية الموروثة التي وُضعت أسسها باجتهاد بشري.

في ذلك الوقت وبعد عطاء مميز في جامعة دمشق كان من المناسب الانطلاق في رحلة علمية جديدة، فحزم ابن دمشق أمتعته وحمل أفكاره معه متوجهًا إلى أيرلندا لمتابعة الدراسة في الهندسة المدنية، ليتسع بذلك أفقه العلمي وتتوسع دائرة البحث والقراءة، فعلى مدار أربع سنوات كان تركيزه ينصب تارة على المنطق والفلسفة واللغات والأدب، وتارة أخرى على الرياضيات والنظريات الهندسية حتى نال شهادتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة المدنية.

عاد الدكتور إلى بلده وعُين مدرسًا لمادة ميكانيك التربة في جامعة دمشق، كما افتتح مكتبه الهندسي الخاص ليمارس مهنته استشاريًا في مجال ميكانيك التربة والهندسة، واستمر بعد ذلك بدراسة الإسلام وتحليل شيفرة التراث الإسلامي مع قراءة دقيقة للقرآن الكريم مستفيدًا من معارفه اللغوية العالية ورؤيته الواسعة للعالم بالإضافة إلى إدراكه التام للاختلاف بين المجتمعات من ناحية الزمان والمكان إلى أن تمكن من إصدار كتابه الأول (الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة) وكان ذلك بعد مرور أكثر من عشرين عامًا على حادثة النكسة العربية.

ورغم نجاح الكتاب إلا أنّ الآراء وردود الأفعال تباينت، فلم يكن المجتمع بكافة طبقاته الثقافية مهيأً بعد لتقبل تلك الأفكار والمفاهيم الجديدة غير المسبوقة مثل (التفريق بين مصطلح القرآن والكتاب) وتناوله عددًا من المواضيع بأسلوب ونظرة جديدة مثل (أم الكتاب – الرسالة – السنة النبوية، وقوانين جدل الكون).

لم يكترث شحرور بالنقد وتابع البحث والدراسة، وبعد أربع سنوات أصدر كتابًا آخر حمل عنوان (الدولة والمجتمع) وفيه سَلط الضوء على مجموعة من الأسباب التي أدت إلى الجهل والتخلف وعجز العقل العربي عن إنتاج المعرفة حيث يقول: «إذا تخيلنا مجموعة من الناس تعيش في بلد ما، تعلمت من مشايخها وتراثها الصلاة، والوضوء والحج، والزكاة، والتقوى والزهد، لكنها لم تسمع دروسًا في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والطب، فستظن أنه لا يوجد علم، إلا هذا الذي تلقته. وقد حصلت هذه الظاهرة فعلًا خلال قرون عديدة من عصور الانحطاط، إذ ترسخ في أذهان الناس أن العلم هو هذا الذي سمعوه من المشايخ، وأن من يدرس هذا العلم اسمه عالم، فأطلق لقب العلماء على الذين يدرسون هذه المواضيع، ولم يطلقوه على غيرهم، لسبب بسيط هو أنه لا يوجد غيرهم، وبقيت هذه الحالة إلى يومنا هذا. فالعلماء هم علماء الصلاة والوضوء والحج، وعلماء هل التلفزيون حلال أم حرام، أما اختصاصيو الطب والفلك وسائر العلوم القرآنية الأخرى، فلا يطلق عليهم هذا اللقب، للسبب التاريخي البحت الذي أسلفناه».

ويضيف: «وعندما تمر الأجيال المتعاقبة بهذه الحالة، تصاب بداء الجهل المطبق، وتفقد ملكة المحاكمة العقلية وملكة التفكير، لأن العلوم تحتاج إلى فكر ومحاكمة عقلية بقيت مفقودة عدة قرون، وخبا معها الفكر العربي الإسلامي ونام. وعندما بدأت العلوم تدخل إلى العالمين العربي والإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأت علومنا وعلماؤنا بالاحتجاج».

ويبدو أنّ محمد شحرور لم يكتف بهذين الكتابين فقط كوسيلة للرد المنطقي على الفكر الشيوعي المتطرف والفكر الديني الجاف الذي كان قد اصطدم بهما بعد حادثة النكسة العربية، فاتسعت الردود وكثرت الأبحاث ليغرد الشحرور ويقدم للمكتبة العربية باقة جميلة من الكتب والمؤلفات ومنها: الإسلام والإيمان منظومة القيم – نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي فقه المرأة – تجفيف منابع الإرهاب – الدين والسلطة – السنة النبوية والسنة الرسولية رؤية جديدة – أمُّ الكتاب وتفصيلها: قراءة معاصرة في الحاكمية الإنسانية.

ليتجاوز الشحرور الجميع بأفكاره وأطروحاته ويقدم للمجتمع مجموعة من الحلول والبدائل للمشاكل المتعلقة بالتراث الإسلامي مما ساهم بشكل واضح بتغيير نمط التفكير العربي ليتماشى مع نمط التفكير العالمي وعالمية الإسلام وليكون بذلك محمد شحرور أحد العقول العربية الجميلة في الوطن العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد