الاداب

محمد شكري (1935-2003) روائي وكاتب مغربي عصامي الهوى والتفكير، دخل المدرسة في سن متأخرة وعاش حياة صعبة وقاسية، عصبي المزاج وشخصية قلقة، صريح في أقواله، رجل نال من الدنيا البؤس والمعاناة إذ عمل في بيع الجرائد ومسح الأحذية وحمالًا في الأسواق العمومية، وطفل مشرد في الأحياء الشعبية، خبر المكان وهام بطنجة وصخبها وأجوائها ودروبها، وكان الزمن قاسيًا عليه في تحمل المسؤولية والخروج للبحث عن العمل، والشرخ بينه وبين الأب القاسي الذي لا يرحم في شدته وعنفه وطمعه، يحكي شكري في سيرة ذاتية مطولة نوعًا ما في كتاب «الخبز الحافي» و«الشطار» عن الخطايا والأعمال من زمن عانى فيه المغرب من الاستعمار والجوع، وانتقاله من الريف إلى طنجة في ظل أوضاع مزرية وصعبة، عصامي التكوين لا يعترف بالحدود في القول والتعبير وعشقه للكتابة المتنفس الوحيد للخروج إلى العالم، سفر في ثنايا الكتب ورحلات في عالم الأفكار وعبور من هنا إلى هناك في تقليب قصص وحكايات من عالم الرواية والنقد الأدبي والفكر الفلسفي والمسرح، كتابات على شاكلة الطريقة النيتشوية، أو لنقول ببساطة إنها الكتابة الشذرية المتقطعة، حتى وإن كانت متصلة في زمن الحكاية والسرد أي تنتقل الكتابة من حوار الذات مع ذاتها إلى حوار لا ينتهي مع الماضي والحكايات من زمن الأمس.

وينتقل في الدروب المعتمة للقول في المسكوت عنه والممنوع والمنسي من القول والحكاية، إنها كدمات وجروح نفسية تشير إلى صلابة وضعف شكري في نفس الوقت، كاتب يسكنه التناقض، في صدق الكلمات والجمل يعبّر شكري بلغة بسيطة أحيانًا ويلتوي في مرامي الأدب والحكاية ليقول إن الكتابة ليست حكرًا على الكبار، وأنها ليست ثابتة بأسلوب ما؛ بل أن الكاتب يكتب بضمير ومن صميم المشاعر العميقة، القلم يكتب والذاكرة البعيدة تُملي والزمن والتجارب تدون بحروف صادقة من دون التواء أو نفاق أو خلق متاهات في ذهن القارئ من الحكاية المتشظية والمفككة من دون أبطال وشخصيات أحادية على غرار أدبيات الرواية المعاصرة.

تَعود المستمع المغربي على الإنصات للمذياع، ينصت لإذاعة طنجة الجهوية مع عبد اللطيف بن يحيى في كل يوم سبت من منتصف الليل خلال كلمة «شكري يتحدث» لمدة عشر دقائق عن صوته الشجي والرخيم في تقديم المبدع والروائي والإنسان محمد شكري للسادة المستمعين في قراءته وعشقه للكتابة أن يقول أشياء معينة من عالم الرواية والفكر والأدب ويمنح السادة المستمعين تأملات في طيات الكتب والحكايات، يقدم لك لوحات من زمن الأدب والأدباء ويرمي بالقول للقراءة في طيات الحكايات التي يمنحها شكري حبكة خاصة، يمكنه أن يغير من الشخصيات ويمكنه أن يحتفظ بنفس الأسماء، فمن ليالي الأنس والجنس لا يسكت شكري عن وصف أدق التفاصيل اليومية لكل المغامرات الجنسية في قلب طنجة، إنها المدينة التي سكنها وتركت في نفسه بصمة من الحب والكراهية، في سيرته الذاتية يكشف شكري عن خبايا الأشياء في العلاقة بالأسرة وتحمل أمراض الأب العصابي المريض بالسلطة والتسلط وعن قتامة العيش في كنف الأسرة والمجتمع، في رغبة شكري للتخلص من أوجاع وألم الماضي الأليم كتب من صميم الذات بأسلوبه الخاص، ولذلك حاول تطويع اللغة العربية وخلق منها أسلوبًا جديدًا في الكتابة، سرعة الكتابة وتقطيعها دليل على الزخم الفكري في ذهنه وفي قوة السرد من الحكايات والقصص، من عالم الكتب المتنوعة ينهل شكري في القراءة ومن قوة الذاكرة والخبرات الواقعية في المعيش يكتب بأسلوبه الخاص، ويترك بصمة على القارئ في التعاطف الممزوج بالنقد أحيانًا عن خبرة شكري في وصف واقعنا بالليل والنهار وعن دقائق التفاصيل في ليالي المجون والسهر وفي نهار طنجة، تلك المدينة التي تعج بالأسرار والغرباء، أطياف من الناس تبحث عن أشياء في المدينة.. نساء عاملات وأطفال يبيعون السجائر وأجانب.

عندما كتب محمد شكري الخبز الحافي وكانت سيرة ذاتية للطفولة والأحلام الضائعة، تمت مصادرة الكتاب ومنع من القراءة والتداول بسبب ما يحتوي عليه من كلمات نابية وتناول قضايا من المحرمات بلغة مباشرة، إذ قام صديقه الأمريكي «بول بولز» بترجمته للإنجليزية وبعدها تُرجم للفرنسية من طرف الروائي الطاهر بن جلون، فهي بالفعل تعبير عن زمن الأربعينيات من القرن الماضي، رحيل العائلة عن الريف ومغادرة المكان والاستقرار في طنجة وكل المعاناة التي رافقت شكري في رحلة صعبة وشاقة، زمن أخطاء الكتاب الآخر الذي يزيد في رؤية شخصية شكري عندما كتب بالقول أنه بالفعل أراد إزالة ومحو الخبز الحافي من الأذهان وإتاحة المجال أكثر للقارئ أن يتعرف على أنماط أسلوبية أخرى من كتابات محمد شكري، فغالبًا ما يُحاكم الروائي على إنتاجاته الأولى التي بقيت راسخة في أذهان الناس عن الكتابة، وأسلوب تمرن القلم في التعبير من المكان والزمان.

محمد شكري وفي حوار مع الأدباء والأصدقاء والخادمة برهن أنه بالفعل إنسان رقيق المشاعر ذو أحاسيس فياضة وكيان ينبض رقة ورحمة وشخصية عنيدة لا تميل للاستكانة والتملق، وهي بالفعل شهادة يرويها محمد برادة وغيره من الناس الذين يعرفون شخصية الرجل عن قرب، محمد شكري الإنسان الروائي في عشقه للكتابة أراد أن يرسل وثيقة تاريخية للناس عن بؤس زمن الأربعينيات، ورسالة في التربية والتنشئة الاجتماعية وتناسل الأمراض العصبية والقلق الذهني من عنف أب لا يرحم، اللعنة على الآباء إن كانوا مثل أبي يقول محمد شكري عن الأب القاتل لأخيه وعنف الأب اتجاه الأم، رسائل للأسرة المغربية في تحسين التربية والتعليم وعدم إرسال الأطفال للشوارع والقدرة على الزواج أو العدول عنه لأجل تحمل المسؤولية وإلا ينبغي تحييد الفكرة.

الكتابة مسألة تنفيس عن الضغط وإخراج المكبوت من النفس إلى عالم الواقع ومشاركة الناس في الهم والقلق، في حوار جميل مضمونه رسائل تبادل الأفكار والنصائح بين محمد شكري ومحمد برادة في «ورد ورماد»، ينصح برادة شكري بالخروج من طنجة والسفر بعيدًا نحو بلدان العالم، الخروج من الاغتراب وضيق المكان إلى فسحة أمل في اللقاء بالعالم الآخر والتعرف على الثقافات، وينصت شكري للرسائل الواردة من برادة بصمت وقراءة متأنية ويكتب على أنغام موسيقية حقيقة عن العجز عن الكتابة وما أصابه من تعب ومرض، لم يعد يقوى على الكتابة، الشعور بالهزال والمرض.. لن يداوي المرض والشيخوخة والارتهان بالمكان إلا السفر في الأمكنة بعيدًا، إنها بالفعل رسائل إنسانية من رجلين في غاية الصراحة والبوح بكل ما يمكن أن يصيب الإنسان في لحظات من الضعف والحاجة للآخر.

ظل محمد شكري مولعًا بطنجة مدينة الصخب والمتعة وفي ليلها الذي يرخي سدوله في عشق الكتابة والتدوين وترك العنان للخيال والذاكرة في التعبير عن متنفس آخر، وبالتالي يبقى محمد شكري الغائب الحاضر، فلا يزال الخبز الحافي في ذاكرة المغاربة، وخروج الرجل في دروب وأزقة طنجة وخبايا عن الرجل الإنسان والأديب والعاشق للكتابة مثار نقاش وكتابات من صميم المكان والمعاناة، عناد شكري في تشبثه بنمط الكتابة والأسلوب من قناعة أن هوى الكتابة غير قابل للتعديل وفق نمط السرد المعاصر الذي يعني تواري البطل ونهاية الشخصية الأحادية والنهايات غير المتوقعة إلا أن شكري في سيرته الذاتية لا يتقيد بالشكل والمضمون في بناء الحكاية، ويُبقي السرد خارج نطاق المرسوم في أدبيات الرواية المعاصرة، أسرار محمد شكري تروى على لسان خادمته بصدق وأمانة عن الجانب الإنساني في شخصيته وعن صديقه عبد اللطيف بن يحيى الذي يرأس مؤسسة محمد شكري بطنجة، وأخرى من طرف الناقد والروائي محمد برادة، وهكذا شكلت الكتابة عشقًا لا حدود له، نقلت الرجل للعالمية والاعتراف به خارج حدود المغرب، فأصبح شكري نموذجًا فريدًا للأديب المتمرد على أنماط السرديات العربية، فكانت شخصيته تعبيرًا عن حقيقة ما يكتب من هواجس وأحلام ومعاناة من قلب المكان، وعندما ضعفت صحته اعترف أخيرًا بالقول أن القلم في يدي ولم أعد أعرف ما أكتب به.. ربما هذا ما صرته، انتحرت أدبيًا دونما أشعر، أرجو أن تنساني كاتبًا وتذكرني صديقًا، كان بالفعل تقصير كبير في حق محمد شكري من الإعلام الرسمي، وكان الرجل شديد الاعتزاز بمبادئه لا يرضخ ولا يساوم؛ بل يقاوم الإغراء المادي والتنميط، وأراد بذلك أن يكون وحيد عصره دون أن يكون نسخة مكررة ومعدلة من الآخرين، مات شكري وبقيت آثاره في الكتابة ونمط أسلوبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد