باعتباره لاعب خفة يستل من الشمس خيوطًا لقصائده الوارفة بالمعنى، ظل محمد بشكار يتنقل برشاقة بين الصور الشعرية المكثفة التي يبرع في التنويع بين رؤاها كما لا يضنيه الرقص على متناصات لغوية واستعارات ومتضادات تجعل المعنى أحيانًا عصيًا على الإدراك يلفه الغموض والإبهام، وهو ما مكنه من حياكة هويته الإبداعية الخاصة ورسم أسلوبه الشعري المنفرد بعيدًا عن السائد في الساحة الشعرية العربية والمغربية على وجه الخصوص، ومتجاوزًا الأساليب الإبداعية الكلاسيكية للنص الشعري، مما أهله لانتزاع لقب «صائد اللؤلؤ» عن الاديب المغربي عبد الكريم الطبال وذلك منذ صدور أول ديوان له «ملائكة في مصحات الجحيم».

إذ يقول الشاعر عبد الكريم الطبال في التقديم الذي رافق باكورة أعمال محمد بشكار: «ليستمر في غلوائه وليندفع في سورته حتى يرشد من تلقائه ويميل إلى اعتداله. فالصائد للؤلؤ عليه أن يراكم الكثير لكي يجد القليل الذي يفوق الكثير».

ويقصد هنا بالقليل الذي يفوق الكثير شعرية الإيقاع والصورة التي توسم قصائد بشكار وتجعلها ناضحه بالمعنى وفياضة بالجمال، إضافة إلى هروبه المتكرر من المتوقع والميل إلى شحن قصائده بمختلف الحقول المعرفية والمرجعيات الشعرية المتعددة، فنجده تارة ينهل من الحقل الصوفي والنص القرآني وتارة من الأسئلة الوجودية المؤرقة للكيان الانساني وتارة أخرى يعرج على أساطير الميثولوجيا الرومانية الغنية بالرموز، إذ يطغى على ذلك كله قدرته العجيبة في المزاوجة بين كل ذلك في قالب شعري متوازن وموحد جاعلًا من «الذات» الإنسانية مركز همومه وانشغالاته. ففي قصيدة «كالموت» نجد أن بشكار قد عثر على موطئ قدم لوجوده في مكان سحيق بين الحياة والموت، بين النعيم والجحيم ويقول:

أنام

بأجفان قبر

وأهداب عشب

براه الخريف بصفرة موتي

وأصحو

على وجنتي الشمس

تهمس لي بنعيم الجحيم

وعلى الرغم من نبرة الثقة المرافقة لصوت «الأنا» التي تنتقل عبر التاريخ وتنتقي من رموزه ما يوحي إلى انشغالات الذات الإنسانية الكونية، إلا أن هذا الصوت لا يلبث أن يكشف عن تصدعه وحشرجته من خلف الكلمات، فيظهر متخمًا بالمعاناة والضياع والمحن ومثقلًا بقلق وجودي محض وأسئلة مؤرقة، إذ يقول في قصيدة «أرق الموت»:

كأني المدى

يتنزه في مقل أبيض

في كحلها أرق الموت مثل ثريا

الخريف

فما عدت من

وردة فخخت قلبها

بشراك الشذى

ولا عدت من كيف.. أين.. وماذا؟

تلعثمت حين الحنين تعراه ثوب

الرماد، فصار

كأنثى على مجمر القلب

ملتهبًا

وتدحرج صوتي

مثل الحجارة في بئر حنجرتي

لا صدى

وقد كان من اللافت للانتباه أن الشاعر لم يتوقف في ديوانه عند هذه «الأنا» التواقة للانعتاق من دناسة الأرض والالتحاق بقداسة السماء، بل عمد إلى تقمص ذوات أخرى متعددة أبرزها شخص الحلاج في قصيدة تحمل نفس الاسم ونفس الحالات الصوفية الانتقالية من الترمد إلى السهد وحتى التهجد، ويقول فيها:

أنا الحق: قال الذي حلجته المنايا

على نول جرحي، سجادة للصلاة

وقال:

ازفري من دواخلك السندسية

نار البلايا، فإني

ترمدت واللون ماء

وتسهدت والليل ناء

وتهجدت والصلوات دماء

وازفري من رئات الزمان

دقائق موتي التي

دار في قطبها الصقر

وفي قصيدة «بارقة» نجده قد اخترق شخصية جلجاميش مخاطبًا من خلالها الشاعر حسن الحداد الذي أقحمه في ذات صديقه أنكيدو، وذلك حتى يتسنى له البوح بمكنونات قلبه بشكل أوضح، فيقول:

رويدا نفك سويًا غزال الكلام

من الشفتين الكمينيتين

ونسري كسم معافى

إلى حتفنا المتلبد في الوقت

(…) إني كهذي السماء

استضفت النجوم إلى خيمتي الغسقية

أبغيك كوكبها، والرماد

بقايا رفاتك يرثيك حين ستخبو

بمجمر قلبي

من جانب آخر، يتخلل الديوان ظهور خافت لذات «أنثى» مبهمة الملامح، فهي نبية ترنو الذات الشاعرة إلى تسلق ضفائرها نحو العالم العلوي:

(…) يشتم أحشاء أرض تقاسمها الأنبياء

على جسد امرأة

عبدتها القبائل، واغتزلت من ضفائر

سعفتها

سلمًا نبويًا إلى الله.

وهي أيضًا الحبيبة المتمنعة التي كانت سببًا في عذابات الشاعر:

أي النبوءات سوف تحيل تنانير

هذي الدراويش

زوبعة أستعيد بوسواس رقصتها

هذيان المغارة

في جسد امرأة طلعت هي والشمس

في جسدي

بالحرائق، آه غزتني الصحارى

بحمى مصحاتها

وهي كذلك صوت حواء التي لا يكتمل وجود الشاعر بدون التوحد معها:

رمحتني بعين الهوى

فهويت

هدهدًا تتأبطه الريح في إبطها

لتباهي بجلده كل حواس الفصول

وهي صورة الغواية التي تترجم فطرة الذات الشاعرة:

أحكم دون حراب بأسمال ملكي

الشراعية الريح:

أين تهب؟

أهب كصقر على جسمها فاتكًا

أتصبب من دمها

شبقا

وهي العامل الذي شكل إضافة جمالية بالغة البهاء على قصائد بشكار في تحفته الخالدة «ملائكة في مصحات الجحيم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد