دعني أصطحبك في رحلة عبر الزمن ونسير معًا في المستقبل لنقل لمدة مائة عام.. كثير؟ لنجعلها خمسين عامًا؟ هل سيتغير شيء؟ ربما، ولكن خارج حدود الدولة المصرية فقط؛ فإن داخل حدودها يبقى الزمن كما هو دون أي تغيير، كأننا ورثنا من أجدادنا العظام فقط، كيف نحفظ آثارنا دون أن نتلفها؟ وكيف نحتفظ بمشاكلنا ذاتها دون أن نحدث فيها أي تغيير؟

 

لِمَ أقول هذا؟ نعرض لكم اليوم كتابًا شيقًا يشرح مشاكل وطننا العزيز، وكيف تفاقمت مشاكله، وما الأسباب لكل طبقة من طبقات سكانه التي تقطن بداخله، فيقدم لك كتابنا اليوم “حاضر المصريين أو سر تأخرهم” لكاتبه محمد عمر، وهو مجهول فعلاً في حقل الأدب والكتابات الاجتماعية، يقدم لنا وصفة سهلة ومجربة وحكاية تفصيلية عن وطننا الآن مصر.

يحدثك عن الأغنياء وكيف صاروا أساس كل بلية بشعورهم أنهم فوق القانون بعيدون عن كل حساب، وكيف أن أيسر شيء هو ضياع المال الذي ورثه بعضهم عن أهله بالطريقة الأسهل، وكان ذووه قد جمعوه بأصعب الطرق، وكيف أن زرعهم لعادات غريبة ضرت أكثر ما نفعت، وكيف انتقلت تلك العادات إلى الطبقة الوسطى وسرت فيها سريان النار في كومة قش عالية، مقلدين مجبرين على ذلك لسهولة انتحال السيئ وصعوبة انتحال الجيد من الصفات.

 

ثم يحكي عن الضعفاء الفقراء المستضعفين في الأرض، والتفات الأغنياء عنهم وازدراء الفقراء لهم، وكيف أنهم عابوهم حتى أثقلوهم، فكانوا السواد الأعظم من الدولة المصرية، وبات شرهم مستديمًا لا لين فيه ولا حياء، وباتوا كسالى كأنما ولدوا أغنياء لا هم لهم سوى صرف المال لا جمعه.

وقد وضعه مؤلف هذا الكتاب محاكاة لكتاب آخر يشرح كيف تقدمت أمة الإنجليز فسادت العالم، ولما لم يجد شيئًا من أسباب تقدم المصريين كالإنجليز بات يكتب عن أسباب تأخرهم، موضحًا حالهم وأحوالهم وكيف يصير حاضرهم ومستقبلهم وهل يمكن له أن يتغير.

 

في القسم الأول من الكتاب يكلمنا عن الأغنياء ويشرح حالهم، ويتحدث عن أسباب اقتران الأغنياء بالأغنياء، وكيف يتزوجون ويتعايشون وكيف يخافون من بعضهم بعضًا ويخافون من الآخرين خوفـًا مبالغـًا فيه؟ ثم يحدثنا عن تربية أطفال الأغنياء بطريقة تجعل التربية فاسدة؛ لأنها كثيرًا ما تقوم على تلبية كل الطلبات،أليسوا أغنياء بما فيه الكفاية كي يفسدوا أطفالهم. ثم عندما يشب أطفالهم يزوجونهم زيجات يستزيدون منها بأموال أكثر كأنها شركة ومضاربة في البورصة، فإن صابت، صابت، وإن خابت لا تنقص من ثرواتهم كثيرًا.

 

ويحدثنا عن شدة تقليد الأغنياء في وطننا مصر للأجانب، كأنما هم الرسل الجدد الذين عليهم اتباعهم فيحاكونهم في المأكل والمشرب والملبس وفي أشياء خجل كاتب الكتاب من ذكرها، وكيف أنهم يتمنطقون مثلهم ويتفاخرون مثلهم رغم أن الأجانب كثيرًا ما يكونون أبعد كل البعد عن كل هذه البهرجة و”الهلمة” في الملبس والمشرب والمسكن.

 

وفي قسم ثان يتناول الطبقة الوسطى أو الطبقة التي تحمل المجتمع، فيشرح أوضاعها ويعريها، ويرغي ويزيد في أسباب تأخر أي وطن بتأخر طبقته الوسطى، فأية طبقة وسطى انشغلت بتقليد الأغنياء وانكسر وسطها بلم المال الذي يكفل لهم حياة آدمية، وهم الذين يعملون في التجارة والأدب والحرف التي تحتاج لمجهود عقلي في المقام الأول كي تسير بهم الحياة، ويشرح لنا أن هذه الطبقة كلما استنارت كلما تقدمت الأمة، فهم دون كسل الأغنياء أو جهل الفقراء، وهم من يعول عليهم تمدن الدول وتقدمها، فإن نهضوا نهضت، وإن هموا همت، وإن انسحقوا صارت الدولة في بلاء شديد.

 

وفي عدة أبواب في هذا القسم يحدثنا عن الإسراف والتبذير في حياة الأغنياء وأفراد الطبقة الوسطى الذين يحاكونهم فيما يفعلون؛ فيسرفون في الإنفاق علىأفراحهم ومآتمهم كأن الاثنان سواء، وينفقون على موائدهم وسفراتهم كثيرًا وكثيرًا من الأموال كأنها عادة ورثناها من الفراعنة وما تلوهم إلى يومنا هذا فإن أنفقنا عشر ما ننفق على الطعام على أبحاثنا ودراستنا لتقدمنا وصرنا ومن أكثر الأمم تمدنـًا.

وفي القسم الأخير ينهي الكتاب بالحديث عن الفقراء وهم من الأسباب المهمة لتأخر أية دولة؛ فالفقراء موجودون في كل الدول والأمم، وكلما كثر عددهم كلما دلّ ذلك على سوء إدارة وتنظيم، وكلما قل عددهم كلما دلّ ذلك على حسن تنظيم وتصريف الأمور، فيبدأ بالحديث عن الفقراء لِمَ هم موجودون؟ وكيف يتزوجون وكيف يعيشون في دولة صارت فيها المعايش غالية والأجور زهيدة، وكيف انتهى دور الأغنياء وكفوا أيديهم عنهم، بل وكفت الدولة نفسها يدها عنهم.

 

ويتحدث عن كيف يربي الفقراء أطفالهم، فيغذونهم من الصغر على الخرافات، ويربون معظمهم على انتهاز الفرص، وعلى أنك إن أصبحت ميكافيليًا خير من أن تكون قنوعًا، ويحدثك في أواخر الكتاب عن أمراض الفقراء، وذيوع الخرافات فيهم، وكيف أنهم يصدقون في الموالد والتبرك بالأضرحة، وكيف أنهم يطببون أطفالهم من السعال الديكي الذي يمكن أن يفضي إلى الوفاة بأنهم يذهبون إلى “جزار ابن جزار” يمر بمديته على رقبته فيشفي!!!

ويناقش لِمَ يهربون من مدراسهم كما يهرب أبناء الطبقة الوسطى، وكثير من أبناء الأغنياء، وكيف ترعرع الجبن فيهم فساد معظمهم وجعلهم يصبرون على المكاره ما اشتد منها وما ثقل، وكيف يرون في الأحوال المستحيلة في الحياة أمورًا عادية يمكن العيش خلالها وفيها وحبهم للاستبداد، ومقدرة الآخرين على السيطرة عليهم.

ويشير من بين سطور الكتاب إلى حبهم للمسكرات والمفسدات والمخدرات وما يغيب العقل مع كونهم فقراء، كان كل ما يشقون من أجله هو جلسة سكر مع حبهم الشديد لزيارة الموالد والأضرحة، ويمكنك أن تستنبط من كلماته، أنهم يصفون أنفسهم أنهم متدينون بطبعهم رغم كونهم أو كون كثير منهم يشكل الدين له ولهم قشرة ظاهرية، مجرد أن تحتك بها تنهار ويظهر المعدن الدفين.

 

ومع باب أو اثنين عن خرافات المصريين وعن أنواع المعجنات والمخدرات التي ما يزالون يتعاطونها، ينتهي الكتاب الذي كتبه محمد عمر موظف في البوسطة المصرية ليشرح أحوال تأخر المصريين، وسر ما يجعل الأمة المصرية في أواخر الأمم.

 

نسيت أن أقول لكم إن عمر هذا الكتاب أكثر من 112 عامًا، وقد تمت كتابته عام 1902 وهو تاريخ طباعته، وقد يكون قد تمت كتابته قبل ذلك بكثير، وما زالت أحداثه سارية إلى اليوم، وقد تصبح كذلك لقرن جديد مقبل، فلا الفقراء توقفوا عما يفعلونه، وكذلك الأغنياء، أما بالنسبة للوسط فقد زاد الطين بلة.

 

يكفي أن أقول لكم إن الكتاب تم إهداؤه إلى رئيس الوزارة المصرية، والوزير الأعظم “عطوفتلو أفندم”: مصطفى باشا فهمي الأفخم الذي كان رئيسًا للوزراء، ووزيرًا للداخلية وكانت رئاسته للوزارة من كمال التغلغل السياسي للإنجليز في مصر وقتها، وحدثت في خلال وزارته حادثة دنشواي، واشتراك انجلترا في حكم السودان مع مصر، وأخيرًا يكفي أن أقول لكم إنه والد صفية زغلول أم المصريين وزوجة سعد زغلول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد