يقول أركون (إنَ النموذج القومي أو الموديل القومي قد استعارته البلدان الإسلامية والعربية من القوميات الأوروبية التي نشأت وتطورت وتبلورت في القرن التاسع عشر) نقلها بعض القادة والسياسين العرب والمسلمين في فترات متفاوتة كل حسب طبيعة بلده.

القطيعة التي يطرحها المفكر الجزائري والباحث الأكاديمي بجامعة السوربون الفرنسية محمد أركون هيا قطيعة أوروبا مع إرثها الديني أو ما يسمى بالعلمنة (فصل الدين عن الدولة)، يقول أركون إن ما حصل في عام 1905 أي عام فصل الكنيسة عن السلطة العليا الذي تأسست عقبه أوروبا الحديثة بمؤسساتها الديمقراطية والصناعية التي صنعت نهضة أوروبا فيما بعد، أثر تأثيرًا مباشرًا على بلدان العالم الإسلامي والعربي التي كانت تشهد تهاوي السلطنة العثمانية، ثم أنقاض دول مستعمرة.

يتحدث أركون أن الدولة الأوربية لم تكرس عزلًا للدين عن السلطة بقدر ما كان الأمر ترسيخ تدريجي لقيم الديمقراطية والعدالة والمساواة، والمجتمع التعددي ونهاية تسلط الكهنوت والسلطة الروحية التي فرضتها الكنيسة، فتم عزل السلطة السياسية لسيطرة الكنيسة ومنحها الحق فقط في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية وحشر الدين في حياة الفرد الخاصة دون أن يتعداه في الحياة المدنية العامة أو الحياة السياسية للدولة.

التساؤل الذي يثيره محمد أركون في عدة مقالات ودراسات تاريخية له:

ما صحة هذا الإستيراد ونتائج تطبيقه في بلدان العالم الإسلامي والعربي؟

كما أسلفنا أن الدولة الحديثة في بلدان العالم الإسلامي كما يصفها أركون، دولة فرضت من فوق ومن الخارج… كانت انعكاسًا مباشر لتأثير الحضارة الأوروبية على بعض قادات المسلمين والعرب ومثقفيهم، ويبدو جليًا في فكر مصطفى أتاتورك الذي درس بمدينة تولوز الفرنسية وشعر بحجم المأساة التي يعانيها وتعانيها بلاده من التفاوت الكبير بين العالمين، فكان أتاتورك أول من رسخ هذا الفصل في بلده وطبق هذه الدولة كليةً، فاستبدل الحروف العربية باللاتينية ومنع تدريس الدين بالمدارس العامة وحرص على إنهاء كل معالم الدولة الدينية في بلده، وهذا أيضًا ماحرص بورقيبة تونس على تنفيذه بورقيبة الذي تعداه في الجرأة على العقائد والأحكام الدينية عندما دعا إلى عدم صوم رمضان، إذا أثر على إنتاجية العامل ،وتدخل بأحكام الزواج والطلاق ومنع تعدد الزوجات بتونس.. وهذا ماحصل للمصري رفاعة رافع الطهطاوي، ومن بعده لطه حسين، ثم الجزائري كاتب ياسين وغيرهم.

إن الدول العربية (استعارت الصيغة القومية المركزية من أوروبا، دون أن تتساءل عن مشروعية هذه الاستعارة، وعن ظروفها، حيثياتها، استعارتها، دون أن تتساءل أو لم تتساءل أنظمتنا السياسية وأحزابها الأيديولوجية عن الكيفية التي تشكلت بها تاريخيا الأمة الفرنسية الحالية ولا كيف مهد لها، راحت تستعيد النموذج هكذا وتطبيقها تعسفيًا على واقع آخر دون أي تمهيد أو تعديل تلائم مع الواقع الجديد).

يقول أركون: إن المثقفين والقادة كانوا يعتقدون بكل سذاجة أنه يكفي أن تنقل إلى هذا البلد الإسلامي أو ذاك الوصفات الجاهزة التي أدت إلى نجاح الغرب وحضارته وتفوقه).

ويضيف أن مشكلة الدولة الوطنية الحديثة بالبلدان العربية والإسلامية لا تتعلق بالفكرة الأساس أي الديمقراطية والتعددية وتطبيق هذا المنهج العالمي، بل أن مشكلاته الأساسية أن هذا المنهج أو هذه الدولة لم تطبق فعليًا على أرض الواقع وأن الاستيراد كان شكليا وصوريًا فقط، بل كان مسرحية فإلى الآن لا توجد ديمقراطية حقيقة مثلما هي موجودة بالدول التي استجلبت منها، ويعزو أو يعلل أركون ذلك بعدة أسباب:

الأول أن الدولة المستوردة لم يهيئ لها داخل بلداننا ولم تراع ظروف وواقع هذه البلدان، بل تم التطبيق تعسفيًا إقصائيًا شكل في مظهره دولًا أحادية القطب، حزب واحد كما نراه في الحزب البعثي السوري أو العراقي، ملك أو سلطان، زعيم أو قائد يمارس في الحقيقة سلطة مطلقة واحدة، وأنه حتى مع وجود الانتخابات فهيا لا ترسخ، إلا لقيادة واحدة عبر سنواتٍ طوال.

كان للإعلام والمثقفين والمفكرين دور كبير في استمرارية هذه الدول وتشكلها، حيث يقول إن البلدان العربية شهدت تخلف وتراجع في الإنتاج المعرفي والثقافي وأن السلطة العليا بها كانت تستقطب الأقلام حتى أولئك المشاهير فقد استهوتهم النزعة القومية العربية وشعارات الأمة الواحدة التي أطلقها هؤلاء الزعماء فغطت حقيقة على سنوات تخلف وتعسف كانت تخفي خلفها إخفاقها في تحقيق الديمقراطية في بلدانها.

أيضًا إن هذا الاستيراد لم يقابله تنظير وحركة ثقافية عالية كتلك التي رافقت الديمقراطية الغربية من المراجعة والتصحيح، بل بالعكس تمامًا قيدت حرية الفكر هنا فلن تجد مثلًا في الجامعات العربية والإسلامية إلا القليل والنادر دراسة لعلم الإنسان والمجتمع ورفع للحركة الثقافية والفكرية في مجتمعاتها، بل بالعكس تمامًا تم التضيق والكتم والإبعاد والاتهام بالخيانة لكل صوت يخالف السلطات العليا بهذه البلدان.

  • حقيقة إن الدول العربية والإسلامية تشكلت عبر سنين طوال بميراث إسلامي كبير وتاريخ عريق ونهضة علمية وثقافية وماضٍ يقول أركون قد تم إحراقه بالكامل.

  • إن الدولة القومية الأوربية عندما انحازت للعزل أو فصل للكنيسة، إنما كانت لما خلفته أفكار الكنيسة والسلطة الكهنوتية من تخلف وسنوات ظلم لبلدانها كانت الكنيسة سببًا رئيسًا له، وأيضًا أن عملية ترسيخ الديمقراطية داخلها كما أسلفنا رافقها حركة تنظير ونقد دائمة وحركة ثقافية حقيقة، بل حركة شاملة حتى ترسخت فيما نراه اليوم وهذا لم يتم عندنا.

  • هذا العزل لدينا شكل جدارًا عازلًا مع الموروث الثقافي والفكري والحضاري لهذه الأمة ولملء مساحة هذا الفراغ تم الاستعاضة عنه بشعارات القومية والعربية التي يقول أركون أنها أثبتت فشلها عند عودة الحركات السياسية الإسلامية بقوة على الساحة العربية والإسلامية وسط إقبال عال جدًا.

  • حقيقة إن عملية الربط بين الماضي لهذه الدول وحاضرها لم ينقطع، يقول أركون أن الدولة المحمدية تختلف عن تلك الكنيسة فهيا جائت أو كان لها فكر سياسي ونظام اجتماعي وقانوني يسمح لها بتحقيق الديمقراطية إذا ما تم دراسة تأريخه ونزع الشائب عنه، إن محاولات الربط لم تتوقف، فظهرت مع بوادر الاستيراد في فكر السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا واستمر وتوسع على يد جماعة الإخوان المسلمين بمصر وجمعية علماء الجزائر والتنظيمات والحركات الإسلامية التي كانت في مواجهة التيار الليبرالي العلماني أو الدولة التي تحاول فرضه.

هذه الدول لم تنجح إلاَ في ترسيخ صراع حقيقي مع ميراثها ظهر جليًا في تطور وانحراف الكثير من الحركات الإسلامية التي كانت تتشكل تحت ضغط إقصائي استبعادي، حيث حوكم أغلب قادات هذه الحركات بالإعدام وسيق العديد من أتباعها للسجون ففي عام 1954 أصدر جمال عبد الناصر قرار بحل جماعة الإخوان بمصر، وفي 1956 أصدر قرار يماثله بحل جمعية الإخوان المصريين بالجزائر وفي عام 1981 اعتقل 93 عضو تابعين لحركة حركة الإتجاه الإسلامي وزعيمها راشد الغنوشي بتونس، تأسست في 1982 الحركة الإسلامية في الجزائر برئاسة مصطفى بويعلي الذي قتل في 1987 وفي 1983 واجهت سوريا (الأصولية الإسلامية) في ما يعرف بانتفاضة حماة، فقتلت السلطات السورية 20,000، شخص وبررت لذلك اعتداء الجماعة على مدرسة تدريب عسكري بحلب، وفي 1988 أسست الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية على أيدي عباسي مدني وعلي بلحاح وآخرين وفي 1991 تم اعتقالهم والحكم عليهما 12 سنة سجن، وغيرها الكثير من الحركات والتنظيمات الإسلامية التي كان يجمع جلها محاولات إعادة الارتباط وموروثها الديني الذي تم حصره في الشعائر والعبادات وتقيد مشاركته في المجتمعات ضمن مؤسسات الإفتاء أو وزارة الشؤون الدينية وغيرها.. حتى تحول تدريجيا دور هذه المؤسسات الدينية المنبثقة عن السلطة الحاكمة إلى أداة ترسخ تستمد منها شرعيتها واستمراريتها بغض النظر عن كل ما تمارسه هذه السلطات من تجاوزات ضد مواطنيها.

ولا نغفل أن الكثير من هذه الحركات الإسلامية قد تبنت التعددية والحياة الحزبية وأنها نجحت بالفعل في الوصول للسلطة الشرعية عن طريق الانتخابات، فتعرضت للإقصاء والمنع والسجن وتقيد حريتها كما حدث في تونس 1989 إثر فوز حركة النهضة الإسلامية بالانتخابات واتخاذ الحكومة إجراءات صارمة ضدها عقب فوزها، ثم الحكم بالموت على زعيمها راشد الغنوشي في 1992، وكذلك فوز الكتلة الإسلامية في الأردن بأغلب المقاعد في البرلمان الأردني، وحصول جبهة العمل الإسلامي في السودان على 16 مقعدًا تم القضاء على الحياة الديمقراطية التي تحققت في السودان عقب استيلاء الجنرال عمر البشير على السلطة، وفي عام 1990 حلت جماعة العدل والإحسان بالمغرب ووضع زعيمها عبدالسلام ياسين تحت الإقامة الجبرية لست سنوات، وفي 1991 تم إلغاء انتخابات الجزائر الحرة الأولى عندما أصبح مؤكدًا فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، من بعد هذا التاريخ ظهر جليًا التطور والتحول في فكر الجماعات الإسلامية ولجوؤهم للعنف مقابل هذا الإقصاء والإبعاد فانحرفت عن مسارها، وظهرت جماعات العنف الذي يقابل ما يمارس ضدها من قبل الدولة الوطنية القومية الحديثة.

أصبحت هذه الدول في صورتها النهائية دولًا عائمة تعيش قطيعة مع ميراثها وقطيعة ثنائية أخرى مع قيم الديمقراطية، التعددية وإقامة دولة العدالة والقانون التي تسمح لكل أطياف المجمتع بالمشاركة في اختيار من ينوبها عن الحكم، بل إن الدول العربية والإسلامية تعدت ذلك ودخلت في صراع مع الغرب ووصفت كل من يتعامل معه أو يعمل على تصحيح وترسيخ ونقد ما تم استيراده فوصف (بالعمالة والخيانة).

إذًا الدول العربية والإسلامية كما يقول أركون تعيش قطيعة ثنائية مع موروثها الفكري والحضاري الإسلامي ومع الديمقراطية لدى دول الغرب هذه القطيعة أنتجت كل هذه الفوضى التي تعيشها بلداننا وأننا نحتاج فعلًا لإعادة التأريخ لهذه الدول وإقامة حركة فكرية ثقافية عالية ودراستها بشكل علمي وقراءة صحيحة للواقع ونقد حقيقي يسمح بالتصحيح والمراجعة حتى نتيح المجال لتحقيق العدالة ودولة قانون وديمقراطية تحترم إرثها وتسمح له بالتواجد ضمن إطار التعددية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الفكر الإسلامي نقد وإجتهاد محمد أركون
تاريخية الفكر العربي الإسلامي محمد أركون
موسوعة الحركات الإسلامية للدكتور أحمد الموصللي
عرض التعليقات
تحميل المزيد