منذ ستة عشر عامًا، ما زلت أتذكر هذه الأيام. كنا أطفالًا حينها، ولم تكن الفضائيات انتشرت إلى هذا الحد المرعب الذي فيه الآن. لم يكن هناك فيسبوك أو تويتر وربما حينها لم يدخل الإنترنت نفسه البيوت أساسًا. كانت القناة الأولى ونشرة أخبار التاسعة مساءً هي مرجعنا الوحيد للاطلاع على العالم. كانت أخبار قضيتكم تحتل المرتبة الأولى في عناوين الأخبار، فوقتها لم يكن هناك حرب إبادة في سوريا ولا اشتباكات في اليمن أو أعمال عنف في العراق. كنتم وقتها الجرح الدامي الوحيد. أتعلم أننا كنا نخاف ونرتعد كلما شاهدنا صور اشتباكاتكم مع قوات الاحتلال. كنا لا نصدق أن هناك عالمًا آخر يخرج فيه الأطفال بالحجارة لقتال المدرعات والدبابات وجنود مدججين بكافة الأسلحة. كنا نرتعد رعبًا وألمًا ونحن نشاهد الجرافات التي تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، كنا نتخيل أنفسنا في نفس الموقف ونتساءل هل سنتحمل؟ هل سنكون وقتها قادرين مثلكم على حمل الحجارة والركض خلف الدبابة أو المدرعة دون خوف ونحن نعلم أننا نحمل مجرد حجر لن يمنعهم من إطلاق الرصاص علينا ولن ينقذنا منهم؟ أم سنكتفي بالاختباء في أي ركن من المنزل والبكاء مثلما كنا نفعل عند أي مشاجرة تافهة مع زميل الدراسة أو أحد أشقائنا؟

كنا صغارًا للغاية وكانت أكبر همومنا إذا طلب منا مُعلم المدرسة «جلادًا ملونًا» لكراسة العلوم ولم نجده في المكتبات ورغم هذا كنا نستشيط غضبًا وننهار من البكاء عند سماع أغنية «الحلم العربي» التي كانت منتشرة آنذاك، وكنا نتساءل عند عرض قمم الجامعة العربية لماذا يبدو هؤلاء القوم متماسكين وهادئين هكذا؟ ألم يشاهدوا صور الأطفال التي اخترقت الشظايا أجسامهم الصغيرة؟ ألم يروا صور النساء وهي تبكي وتنتحب في جنازات أبنائهن؟ هناك مجزرة تدعى «صابرا وشاتيلا» وأخرى تدعى «دير ياسين» وأخرى تدعى «قانا»، لقد شاهدنا صورهم في هذا الأوبريت كما أن مدرس الدراسات الاجتماعية في المدرسة أخبرنا القليل عن «مجزرة دير ياسين»، حيث اقتحمت العصابات اليهودية قرية صغيرة فجرًا وذبحت الشيوخ والأطفال وهم نيام هذا قبل أن تغتصب نساءهم ويمثلون بجثثهم حتى إنهم كانوا يقتادون بعض الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس على غرار عروض الجيوش الرومانية القديمة، ثم إعدامهم رميًا بالرصاص.

كيف يمكن لهؤلاء أن يتحدثوا عن السلام وخارطة الطريق لحل الأزمة سلميًا والتعايش جنبًا إلى جنب في وطن واحد. أي هراء هذا! كنا نرى آباءنا وهم يعاقبون أشقاءنا إذا تشاجروا معنا وكنا نرى جلسات العقاب التي يليها العتاب والمصالحة التي يجريها الأخصائي الاجتماعي في مدرستنا لحل أي مشاجرة بين الطلبة. لماذا لم نرَ أي عقاب يوقع على الإسرائيليين بعد كل هذه الأهوال؟ تخبرنا نشرة التاسعة كل يوم أن خارطة الطريق تسير في خطى ثابتة نحو حل الأزمة ويليها خبر استشهاد فلسطينيين برصاص الاحتلال الإسرائيلي. أين هو العقاب إذن؟ وكيف يمكن أن يتواجد بصيص للسلام بعد كل هذه الدماء؟ كنا نتساءل ببراءة بلهاء: لماذا يحدث كل هذا للفلسطينيين؟ ألم نهزم إسرائيل هذه في 6 أكتوبر، لماذا إذن لا نهزمها الآن أيضًا ونجعلها تترك فلسطين وشأنها؟

كان منتشرًا وقتها لافتات وملصقات مكتوب عليها (خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود). أتعلم أن هذه العبارة كانت تطمئننا قليلًا، كنا نظن أن جيش الرسول والصحابة الذي هزم اليهود في غزوة خيبر ما زال موجودًا في مكان ما ولكنه متخفٍّ ويراقب الأحداث من بعيد وسوف يظهر قريبًا بسيوفه العملاقة ليقضي على كل هذا الظلم. ومرت سنوات حتى رأينا جيوشًا عديدة تقتل شعبها كي تحكمه بالإجبار فأدركنا المعنى الحرفي لخيال الأطفال وسذاجتهم.

هل تتذكر ذلك اليوم؟ الثلاثين من سبتمبر عام 2000. هذا اليوم لم يكن فقط يوم اختبائك في حضن والدك قبل أن تصيبك رصاصة من الرصاص المُمطر عليك من كل حدب. تلك اللقطة التي ربما لا تعلم أنها أصبحت أيقونة انتفاضة الأقصى الثانية وأرقت ضمير العالم أجمع. لا تصدق كل مؤتمرات الإدانة ودموع التماسيح التي ذرفها السياسيون والمسؤولون عندما رأوا صورتك، فهذه الأشياء ضرورية لالتقاط الصورة الملائمة لوضعها بجانب الخبر في الصحف، ولكن أرجو أن تصدق دموعنا وصراخنا في المظاهرات التي أقمناها في ساحات مدارسنا وجامعاتنا في ذلك اليوم. لا تصدق أن من يجلس مع من تلطخت أيديهم بدمائك أنهم يمثلوننا، فنحن لم نختر أيًّا منهم في أي انتخابات قط. نحن منذ أن خُلقنا في هذا البلد وهم مفروضون علينا يتكلمون باسمنا يتحكمون في مصائرنا ينهبون حقوقنا يبيعون الغاز إليهم بأبخس الأثمان. وعندما ثرنا ضدهم اتهمونا بالعمالة والخيانة والأجندات ووجبات الكنتاكي والتمويل من قطر وتركيا، وإسرائيل أيضًا.

هل تعلم يا صديقي أن اليوم، وبعد ستة عشر عامًا من استشهادك، توفي «شيمون بيريز». نعم هذا الذي أشرف على «مذبحة قانا» والعديد من المذابح بحق شعبك وبحقنا نحن أيضًا فهو من مهندسي العدوان الثلاثي على مصر. هذا الذي كافأه العالم على جرائمه بمنحه نوبل للسلام، قد صعد إلى ربه أخيرًا ليكافئه الله بالجزاء الذي يستحقه. أتعلم يا صغيري أن رئيسك ووزير خارجيتنا قد أجهشوا بالبكاء في الجنازة في مشهد عاطفي مؤثرغير مصدقين أنه قد ذهب للأبد وتركهم. هل تعلم أن في مثل هذا اليوم من كل عام تتداول وسائل الإعلام كلها صورتك الشهيرة لحظة استشهادك، ولكن اليوم استُبدِلت بصورتك صورة رئيسك وهو يحتضن ابنة بيريز أثناء الجنازة ليخفف عنها أو ربما تكون هي التي تخفف عنه آلام الفراق.

حسنًا هل تتخيل أن رئيسك هذا كان يتهم حماس أثناء العدوان على غزة بأنها السبب في إراقة الدماء؟ وأن وزير خارجيتنا هذا وكل حكومته تتهم كل من يعارضهم بأنهم ممولون من إسرائيل التي أصبح يزورها كزيارة مريض الإسهال للمرحاض. ولكن لا تقلق فقد طمأننا إعلامنا وأعلن أن السبب وراء تلك الدموع والحزن أن البكاء يعذب الميت كما أننا وقعنا معهم معاهدة سلام ومعاهدات السلام كما تعرف لا تتضمن احترام الحدود والسيادة الوطنية وحسب، فهي تلزمنا أيضًا بالنحيب في الجنازات.
أترى العالم كم صار هزليًا لدرجة البشاعة؟ أرأيت كم أنت محظوظ أنك تركت هذا السيرك؟

اذكرنا عند ربك يا صغيري وأخبرنا هل سيغفر لنا نسيانك وخذلانك؟ وكم بقي من المهازل سنراها من جراء تجاهلنا لصراخك أنت ومن سبقك ومن لحقك من أطفال غزة وسوريا؟

هو الذي قال «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، ونحن حاولنا التغيير وفشلنا بل وقُتلنا وسُجنّا، كنا نحلم بتغيير صفحات التاريخ الدامي إلى لون أكثر إشراقًا، وأصبحنا الآن نتمنى فقط أن يذكرنا التاريخ على أننا لم نشارك في هذا العبث، ومع ذلك ما زلنا ندعو بالنصر ونحلم بشيء من العدالة، هل هناك أمل أن نتلقاها يومًا ما؟ أم علينا أن نقلع عن هذا الأمل وننتظر إلى يوم تجتمع فيه الخصوم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد