لا يمكن لقارئ قصائد الشاعر العظيم الراحل محمد الماغوط إلا أن يقع صريع كلماته المدوية. كرصاصة تخترق صدره على حين غفلة، لا لتقتله بل لتوقظه من سباته العميق، وهي الكلمات التي أبت أن تخرس حتى بعد موت صاحبها.

فقد استطاع ذلك البوهيمي الفوضوي بوحشيته وعفويته وعشقه للتمرد أن يطوع القصيدة العربية ويحطم أوزانها، لينثر عبرها غضبه الجارف وصراخه المرير وأسفه على حال العرب والبشرية جمعاء.

وهو الشاعر الذي خبر تقلبات الحياة وعنادها وعبثها فقرر مجابهتها بالعبث والتمرد نفسيهما، وعرف سخرية القدر فاختار أن يواجهه بمزيد من السخرية واللا مبالاة. لا مبالاة لم يتخل عنها حتى في أيامه الأخيرة وهو يستقبل الموت كضيف مألوف في الثالث من أبريل (نيسان) سنة 2006.

إن قصيدة النثر عند محمد الماغوط ليست مجرد تجاوز للقالب الخارجي للقصيدة العربية، أو محاولة لخلق شكل إبداعي منفرد، إنما هي حياة الشاعر يصوغها كلمات على مقاسه وبقدر ألمه؛ بل إنها لتكاد تكون الشاعر نفسه، بالحزن الذي يختلج جنباتها، والفوضى التي تعمها، والغضب الذي يجري فيها مجرى الدم في العروق، وحلم التمرد الذي يرافقها ويتولد فيها عند كل قراءة جديدة.

ولم تقتصر اللمسة الماغوطية على الشعر فقط؛ بل إنه كان كالطير يفرد جناحاته في كل الأرجاء، ويترك آثاره حيثما حل. فنجده قد اقتحم بتلقائيته وسخريته اللاذعة عالم الرواية والمسرح والسينما وحتى المسلسلات التلفزيونية، رغم أنه لم يكن يشاهد التلفزيون.

كيف لا وهو الاستثنائي الذي حمل ثقل أمة بأكملها في مقلتين متواريتين خلف نظارة طبية سميكة وسيجارة وفية لم تفارقه يومًا. كما تشهد على ذلك صوره التي يحضر فيها كالشريد التائه، الحاضر جسدًا والغائب روحًا.

ولم يتوقف الرفض والسأم عند الشاعر السوري المزداد في بلدة سلمية سنة 1934، عند حدود الواقع العربي فقط؛ بل تجاوزه حد السأم من الشعر نفسه، هذا الشعر الذي لطالما كان وسيلته للإفصاح عن غضبه.

فحدث أن طال غضب محمد الماغوط الشعر أمام محرقة لبنان ليقول فيه:

سئمتك أيها الشعر

أيها الجيفة الخالدة

لبنان يحترق

يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء

وأنا أبحث عن فتاة سمينة

أحتك بها في الحافلة

عن رجل بدوي الملامح، أصرعه في مكان ما

بلادي تنهار

ترتجف عارية كأنثى الشبل

وأنا أبحث عن ركن منعزل

وقروية يائسة، أغرر بها.

يا ربة الشعر

أيتها الداخلة إلى قلبي كطعنة السكين

عندما أفكر بأنني أتغزل بفتاة مجهولة

ببلاد خرساء

تأكل وتضاجع من أذنيها

أستطيع أن أضحك حتى يسيل الدم من شفتي(…)

أيها العرب

يا جبالًا من الطحين واللذة

يا حقول الرصاص الأعمى

تريدون قصيدة عن فلسطين؟

عن الفتح والدماء؟

أنا رجل غريب لي نهدان من المطر

وفي عيني البليدتين

أربعة شعوب جريحة، تبحث عن موتاها.

كنت جائعًا

وأسمع موسيقى حزينة

وأتقلب في فراشي كدودة القز

عندما اندلعت الشرارة الأولى.

إن الظروف التي مر بها محمد الماغوط كانت كفيلة بأن تصنع منه شاعرًا في سن مبكرة، فقد فتح الشاعر عينيه على الفقر وقساوة العيش، وواجه أثناء دراسته بالمرحلة الإعدادية في دمشق العنف وسوء المعاملة واستهزاء أقرانه به ليترك الدراسة ويهرب عائدًا إلى سلمية، فما وجد أمامه آنذاك غير الحزب السوري القومي الاجتماعي، لكنه توبع وسجن بسبب انتمائه له.

كما أنه عمل فلاحًا، وأدى الخدمة العسكرية، وسجن مرة أخرى بتهمة اغتيال عدنان المالكي، وكان في خضم ذلك كله يقاوم بالشعر الذي يتفجر منه في كل مرة كالبركان يهز الأرجاء.

ليجيء ديوانه الأول «حزن في ضوء القمر» عام 1959 متخطيًا القواعد الكلاسيكية للقصيدة العربية، ومفعمًا بالنقد والصخب وروح التمرد، فقد كان يكتب بلغة عارية تفضح زيف الأشياء، وجرأة شفافة تكشف عن الواقع العربي المتورط في القهر والفجع والظلام.

ورغم خروجه من سجن المزة سنة 1955، وهروبه إلى بيروت سيرًا على الأقدام، إلا أنه ظل ومنذ ذلك الحين كالسجين يتحين لحظة انعتاقه الأبدي، إذ لم يزده واقع الأمة العربية إلا قيودًا وعذابًا وألمًا كان محركه الدائم على الخلق والإبداع.

لينزف عشرات الدواوين والأعمال الخالدة التي كان ديوان البدوي الأحمر آخرها عام 2006، قبل أيام من وفاته.

وإننا لنجد في شعر محمد الماغوط الغضب والقلق والعنف مثلما نجد الحب والدفء والألفة، ولعل أبلغ مثال على ذلك، قصيدة من مجموعته الشعرية الأولى حزن في ضوء القمر:

أيها الربيع المقبل من عينيها

أيها الكناري المسافر في ضوء القمر

خذني إليها

قصيدة غرام أو طعنة خنجر

فأنا متشرد وجريح

أحب المطر وأنين الأمواج البعيدة

من أعماق النوم أستيقظ

لأفكر بركبة امرأة شهية رأيتها ذات يوم

لأعاقر الخمرة وأقرض الشعر

قل لحبيبتي ليلى

ذات الفم السكران والقدمين الحريريتين

أنني مريض ومشتاق إليها

إنني ألمح آثار أقدام على قلبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد