التاريخ هو حافظة الأمم كما يقال. وهو بمثابة العقل الباطن الذي يكون في الإنسان. والمخ الذي يصدر عنه الأوامر بأفعاله دون أن يشعر بها. فلن تستطيع أن تفهم الواقع فهمًا جيدًا دون أن تقرأ الخلفيات التي وراء هذا الواقع، هذه الخلفيات كامنة في حوادث التاريخ؛ فدراسة أي ظاهرة حالية دون أن تنظر إلى مقدماتها وتاريخها تُفضي حتمًا إلى نتيجة ناقصة أو مغلوطة غير صحيحة، كلنا يعرف أن سقوط الخلافة العثمانية كان سنة 1924، وقد تم ذلك بإعلان مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة وقيام الجمهورية التركية، لكن كيف بدأ هذا الانهيار في الخلافة العثمانية ومنذ متى؟ فهذا يخفى على الكثير منا نحن العرب، فنحن في مصر مثلًا لا نعرف كثيرًا عن التاريخ العثماني بفضائله ومساوئه، واستقر في عقول كثيرٍ منا المساوئ قبل كل شيء، لكن المقصد أننا كمصريين لابد أن نعرف تاريخنا، والدول التي مرّت علينا؛ فمصر ظلّت تحت الحكم العثماني وتابعة للباب العالي قرونًا وقرونًا، ورغم قرب هذا الحدث منا نسبيًّا، إلا أن الفترة العثمانية كانت من أخفى الفترات علينا، وقد كان هذا مقصودًا، لا سيما مع مجيء جمال عبد الناصر وتقلّد العسكر مقاليد الأمور، فلتشويه الفترة الملكية بما فيها ظلّ يُغرسُ في ذاكرتنا كل المساوئ التي تتعلق بالأتراك وبالخلافة العثمانية، على أية حال لن نخوض في هذا كثيرًا؛ لأن هذا موضوع بحث طويل.

لا يزال محمد علي باشا أهم شخصية في تاريخ مصر الحديث على الإطلاق؛ فهو مؤسس مصر الحديثة وباني جيشها، ومن المعروف أيضًا أن محمد علي كانت لديه ميولٌ توسّعية وصلت إلى مناطحة الباب العالي والدولة العثمانية السنية، ووقع بالفعل حروب بين محمد علي – بواسطة ابنه إبراهيم باشا – وبين الجيش العثماني، نعرف أيضًا الزعيم المصري الوطني مصطفى كامل (1874-1908)، ونعرف جهاده ضد الاحتلال البريطاني، وتأسيسه للحزب الوطني، كان مصطفى كامل باشا أحد المحبّين والمنافحين عن الخلافة العثمانية ووحدتها والبقاء تحت رايتها، وألّف في يناير (كانون الثاني) سنة ١٨٩٨ في مسألة الخلافة العثمانية وما حيك ضدها من دسائس داخلية وخارجية كتابًا عظيمًا سمّاه المسألة الشرقية، ينمّ عن عمق فكري وخبرة سياسية عريضة بما كان يحدث في العالم آنذاك بين الدول الكبرى، وقد كان يدافع في هذا الكتاب عن الدولة العثمانية دفاعًا شديدًا، وكان مما تطرّق إليه هو مسألة الخلاف بين محمد علي باشا عزيز مصر آنذاك وبين الدولة العلية العثمانية، وتأسّف مصطفى كامل لهذا الخلاف ولحدوثه، والتمس أعذارًا لمحمد علي باشا في خروجه على الخلافة العثمانية، وكان مما ذكره كتابًا أرسله محمد علي باشا إلى ملك فرنسا لويس فليب الأول، يشرح فيه أسباب قدومه على الحرب ضد الدولة العثمانية.

وأهمية هذه الرسالة تكمن في أنها تبين لنا جانبًا من شخصية محمد علي باشا، توضّح لنا دوافعه في خوضه الحرب مع الدولة العلية، وقربه من فرنسا، ومن ملك فرنسا، وحبه الشديد له؛ فقد كانت فرنسا في هذا الوقت من الدول الصديقة جدًّا للدولة المصرية ولمحمد علي باشا خاصة، وتكاد تكون هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي وقفت معه وساندته كرجل طموح يريد أن يبني مصر حديثة ومتقدّمة، لهذا اعترف محمد علي بالفضل لملك فرنسا وللشعب الفرنسي، كما تظهر لنا الرسالة وجهًا من أوجه السياسة الخارجية والتبعية للعالم الغربي الذي كان آنذاك فتيًّا ناهضًا نشطًا ونهمًا في نهش الجسم الإسلامي.

وأصل هذا الكتاب كان باللغة الفرنسية، وقد ذكر مصطفى كامل ترجمته في الكتاب المشار إليه آنفًا، يقول محمد علي باشا:

أيها الملك العظيم، إني أشعر بالحاجة لإظهار شكري لجلالتكم، ذلك الشكر الذي يجيش في صدري، فلقد ألقت نحوي حكومة جلالة الملك من أمد بعيد أنظار رعايتها، واليوم تتوج جلالتكم مآثرها عليَّ بإعلانها للدول أن وجودي السياسي ضروري للموازنة الأوروبية، وإن هذه العواطف الجديدة من شأنها أن تحدد لي واجبات أعرف القيام بها، وأول هذه الواجبات هو أن أوضّح لملك فرنسا بكل صراحة أسباب سلوكي الحالي واحدًا بعد آخر، لقد كانت في سائر الأزمان سعادة الدولة العثمانية أصدق أمنية أتمناها من صميم فؤادي؛ حيث أنا أود أن أراها دائمًا سعيدة قوية آمنة، وكانت قصارى آمالي ومرامي أنظاري موجهة نحو مساعدتها على أعدائها أولًا، والمحافظة على كل ما ملكته يدي بعد المجاهدات العظيمة في سبيل الدفاع عنها ثانيًا، أما الذي حببني نحو فرنسا – وأقول ذلك بكل صراحة – وحملني على اتباع نصائحها دائمًا، فهو ما تبينته من أنها أكثر الحكومات رغبة في خير الدولة العثمانية بلا خديعة، ولا مواربة، ولا شائبة قصد سيئ، وكذلك أرجو أن تعتقد جلالتكم أن حبي لبلادي هو الذي كان دائمًا الدافع لي والقائد لزمامي، وعلى ذلك استطعت بعد المجاهدات العظيمة والأحوال المتناقضة تأييد الأمن في الشام، فحل فيها اليوم السلام محل الفوضى والاضطراب، وإذا كنت قد أظهرت عظيم رغبتي في بقاء هذه البلاد تحت حكومتي؛ فذلك لأني معتقد بأنها إذا نُزعت من يدي عادت إليها المصائب التي استأصلتُ جراثيمها منها.

ومن جهة أخرى أرى أن الشام تصير إذا بقيت في يدي عنصر قوة أستطيع به وقتئذ مساعدة مولاي السلطان ودولتي العلية مساعدة فعلية حقيقية، ولكنها لما كانت في يد الدولة العلية – وذلك ما أتجاسر على القول به – كان الاضطراب والفوضى والحروب الأهلية مستحكمة فيها، وها قد تحققت اليوم شيئًا مما كنت أخافه؛ فلقد ساعد النفوذ الأجنبي عناصر الشقاق والاضطراب؛ حيث لم يكن يفلح أول الأمر مسعى الذين كانوا يهيجون الأمة، ولكن مساعي أولئك الذين كانوا يظنون أنهم يخدمون استقلال تركيا بإحداثهم الاضطراب في إحدى ولاياتها نجحت هذه المرة، لا في إثارة خواطر البلاد فقط، بل في إقامة الأمة ضد بعضها، فثارت بذلك الحروب الأهلية، وإن دواعي المصلحة العمومية التي كانت ترغبني في المحافظة على الشام وجعلها تحت حكومتي زالت اليوم بالمرة، ولم تبق هنالك إلا مصالحي الخصوصية ومصالح عائلتي، وإنني مستعد لحياطة هذه المصالح بكل ما يصل إليه جهدي في سبيل سلامة العالم، فأترك إذًا الأمر للحكمة العالية، وأضع بين يدي ملك فرنسا حظي، فهو الذي يسوي كما تقتضيه رغبته الخلاف الحالي، وإذا وافق ما أعرض على جلالتكم؛ فإنني أرضى من الشام بعكا؛ لأنها البلد التي قاومت بكل الوسائل مساعي التهييج التي عملت لإثارتها ضدي، وقد يجوز أن جلالتكم ترى من العدل أن تترك لي جزيرة «قنديه» التي صارت تحت سلطة حكومتي حسنة زاهية من عهد بعيد، ولكن إذا أرشدتكم حكمة جلالتكم العالية إلى أن زمن التساهل والتنازل قد فات، وأن المحافظة الشديدة واجبة، فإني مستعد للكفاح حتى آخر لحظة من حياتي أنا وسائر أولادي، وإن جيشي في الشام لا يزال عظيمًا، ودمشق وحلب وكل المدائن المهمة لا تزال تحت سلطتي، وجيشي الذي في الحجاز ها هو عائد نحو مصر، وقد وصل قسم منه إلى القاهرة، ويصل القسم الآخر قريبًا، وبين يدي شيوخ ذوو نفوذ هم نازعون الآن إلى جبل لبنان متعهدين بأن يخضعوا لسلطتي الدروز والماورنين، ولدي 40 باخرة مستعدة للسفر لأول إشارة من جلالتكم، وعليه فأؤمل أن أسباب مسعاي لا تبقى مجهولة بعد اليوم، حتى لا يظن إنسان ما أن الخوف صار قائدي الآن، فإن حياتي كلها براهين داحضة لمثل هذه الدعوى، ولو كان الخوف يقودني، لجاز أن أُرى ضعيفًا واهنًا، ولكنت تنازلت منذ ١٥ يومًا حيث كان وجودي مهددًا بالأخطار، ولكن اليوم وقد أنقذ وجودي السياسي بإعلان فرنسا، فإنني لا أخاطر بشيء كبير إن طالت الحرب، كلا وليست القوة التي يعدونها ضدي هي التي ترهبني؛ بل إن الذي يرهبني هو أن أكون سببًا لحرب عمومية، وأن أجرَّ فرنسا – التي أنا مدينٌ لها كثيرًا – إلى حرب لا يكون لها داعٍ غير فوائدي ومصالحي الشخصية.

ولهذا فإنني أعرض حقيقة الأمر على أنظار جلالتكم، واعترافي لكم بالجميل يجعل ذلك فرضًا واجبًا عليَّ، فضلًا عن أني معجب وواثق بملك فرنسا، ذاك الإعجاب وهذه الثقة اللتان تحمل العالم كله عليهما حكمة جلالتكم وذكاؤكم العالي، وإنني بهما أضع حظي بني يديكم، ومهما كان قرار الملك، فإني أقبله بشكر وامتنان ما دامت جلالتكم مشتركة في المعاهدة التي سيتفق عليها بين الدول العظيمة، والتي تقرر حظي ومستقبلي.

وأخيرًا، مهما وقع ومهما كان الأمر، فإني أرجو الملك أن يسمح لي بأن أقول له: «إن اعترافي بالجميل نحوه ونحو فرنسا سيبقى في قلبي إلى الأبد، وإني أتركه إرثًا لأبنائي وأبناء أبنائي من بعدي كواجب مقدس، ولقد كنت أود أنه كلف أحد ضباطي العظام المعوَّل عليهم بحمل هذا الكتاب إلى أعتاب جلالتكم، ولكن الصعوبة وطول القورتنينه حملتاني على تكليف الكونت «والوسكي» بتوصيله إلى جلالتكم.

محمد علي

القاهرة في 16 رمضان سنة 1256هـ، نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1840.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد