العمودي والقضايا الاجتماعية والثقافية

أولًا: تعليم المرأة

كان أهالي الجزائر في زمن الاستعمار يمنعون بناتهم من الذهاب إلى المدارس الحكومية، لأن القائمين عليها ليسوا مسلمين، واستمر الأمر كذلك إلى أن منعوهن من التعليم في الكتاتيب الحرة، غَيْرَةً على الأعراض وحفاظًا على الدين في نظرهم.

بقيت المرأة بعيدة عن التعليم إلى أن ظهرت بوادر الحركة الإصلاحية، فنادى الشيخ ابن باديس بضرورة تعليم البنات، وتوفير المكان المناسب لهن دون الاختلاط بالذكور، معطيًا بذلك روحًا جديدًا للتعليـم في الجزائر لم يكن معهودًا فيها من قبل، ذلك لأن المجتمع لا ينهض إلا بالجنسين الرجل والمرأة، مثل الطائر لا يطير إلا بجناحيه.

وحقيقة الأمر أن فرنسا كانت ترى أن نشر التعليم على نطاق واسع بين الجزائريين يشكل خطرًا على وجودها في المدى البعيد في الجزائر، فرجال الاستعمار كانوا يعتقدون بأن الشعب الجاهل أفضل من الشعب المتعلم، حيث يمكن السيطرة عليه بسهولة وتوجيهه لتحقيق أهادف الاستعمار.

ومحمد الأمين العمودي قد مكنته ثقافته المزدوجة كي يكون جسرًا من التوفيق بين التيار الفرنسي التيار الإصلاحي، ونجده يقول موضحًا رأيه في هذه القضية الشائكة: «أنا لا يروقني أن أرى فتاة مسلمة من حاملات البكالوريا أو من أعلام الدكاترة بل حسبي أن أجدها تعرف الضروري من تعليم دينها وتتقن كيفية الانتفاع بحقوقها كما تتقن أداء واجباتها بكافة أنواعها وتعلم مع ذلك ما هي الشروط اللازم توفيرها في البنت البارة والزوجة الصالحة والأم المثلى فتعلمها حينئذ يجب أن يكون عربيًا إسلاميًا قبل كل شيء».

كما يطالب العمودي بضرورة الاهتمام بالبنت وتعليمها وتأديبها أحسن الأدب والخلق ويؤكد على أن تعليمها ليس من الأمور التي تناط بعهدة الحكومة، بل هو أمر واجب على الآباء و الأولياء الشرعيين فهم المسئولون عنه أمام دينهم وقوميتهم وضمائرهم.

ويرى ضرورة تدعيم ثقافة المرأة المسلمة بثقافة فرنسية لتكون واعية بذاتها ومحيطها وبأسرتها وبلدها وذلك بعد تعليمها تعليمًا دينيًا قوميًا.

إذن فالعمودي هو رجل تيار من التيار الإصلاحي، كان يرفض كل تجديد يحاول المساس بشرف المرأة المسلمة. كما يحبذ الحجاب الشرعي ويبغض السفور والتبرج وهو يقول: «رغم كوني من القائلين بوجوب توفية المرأة جميع حقوقها بكل صنوفها، فإنني أبغض السفور وأستحسن الحجاب لأنه عنوان الصيانة والعفة، ولأنه أكبر معين على تطبيق قاعدة توزيع الوظائف الاجتماعية».

ثانيًا: المسائل الطُّرقية

ويعرف العمودي الصوفية تعريفًا موجزًا: «إن الصوفية التي لا نعلم إلا جانبًا سطحيًا منها، إذ أنها لم تكن في بداية أمرها إلا مجموعة من المعتقدات والعبادات التي تطورت عن تعاليم ومبادئ الإسلام السمحة منذ ظهور الإسلام إلى غاية الفوضى العارمة والجهل الذي انتشر في شمالنا الأفريقي».

ويقول: «لقد تميز شيوخ الزوايا بالرحمة والرأفة والزهد في الدنيا، والورع والتواضع والبساطة، وبسبب هذه الخصال الحميدة أصبحت لهم مكانة رفيعة بين الناس».

وقد بدأت الطرق الصوفية تظهر في الجزائر منذ بداية القرن السادس عشر، كانت تقوم بنشر الدين وتحفيظ القرآن وتعليم الكبار.

وكان يوجد أربع مدارس كبرى (القادرية، والخلوتية، والشاذلية، والخادرية) تضم كل مدرسة جمعيات دينية متفرعة.

فالأصل في التصوف في الإسلام كما يرى الإمام محمد عبده: هو الانقطاع إلى الزهد في الدنيا، والعمل للآخرة برياضة النفس وتربية الإرادة والأخذ بالعزائم ومحاسبة النفس وحسن النية والمبالغة في العبادة، والغاية من ذلك الوصول إلى تجريد التوحيد وكمال المعرفة بالله تعالى.

ويذكر العمودي في جريدته «الدفاع La Defence»: أن شيوخ الزوايا ورجال الطرق رغم المكانة الاجتماعية التي تمتعوا بها فإنهم سقطوا في الكثير من الأخطاء، وأصبحوا مجرد انتهازيين ومخادعين يبتزون المال ويكترونه لبناء المساكن الفخمة وتعدد الزوجات وامتلاك الخدم ففقدوا بذلك الاحترام الذي منحهم إياه المجتمع، وذلك بسبب الاستعمار الفرنسي فقد حارب الإسلام بشتى الوسائل فأصبحت جل الزوايا والطرق الصوفية خاضعة له، وأصبحت بعضها تنشر عقائد مخالفة للدين الإسلامي وروجوا بين الناس أفكارًا شاذة وخاطئة.

لهذا يرى العمودي أن الانحراف في تعاليم الدين الإسلامي أدى إلى إضعاف الأمة وتشويه كيانها الحضاري والسياسي، لذا يجب العودة إلى المنابع الصافية.

فجمعية العلماء المسلمين سعت إلى تخليص الدين من الأوهام والخرافات، لذا فالحركة الإصلاحية كانت سببًا في تراجع نفوذ الزوايا (نهاية العشرينات وأوائل الثلاثينيات)، والعمودي هو أحد أقطاب مدرسة التجديد الإسلامي التي قامت على أساس تطهير الدين من الخرافات، من أجل تحقيق نهضة شاملة في الجزائر.

يقول العمودي في جريدته الدفاع: «ونرى أن رجال الدين ليس لهم الحق فقط مثل بقية مواطنيهم، بل الواجب عليهم أن يخدموا الأمة بكل ما أوتوا من علم وقوة، وعليهم الدفاع عن إخوانهم في الدين، والمطالبة بالإصلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

نصوص سياسية جزائرية في القرن 19 لجمال قنان
شخصيات منسية لحمزة بوكوشة
عرض التعليقات
تحميل المزيد