«إذا كانت لنا غاية في هذه الدنيا فهي أن يعيش كافة البشر مهما كانت عقائدهم وأديانهم وأجناسهم في سلام وأخوة».

(Muḥend n Ɛabd Krim Lxeṭṭabi) هذا هو محمد بن عبد الكريم الخطابي- بالأمازيغية (موحند نعبد لكريم لخطابي)

رجل سياسي عسكري مغربي قائد للمقاومة الريفية ضد الاحتلال الفرنسي والإسباني -ولد في أجدير، المغرب 1882– ينتسب محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى قبيلة بني ورياغل، وكان والده قاضي القبيلة، عُرِفت الأسرة الخطابية بالمكانة العلمية والسياسية لرجالاتها الذين شغلوا مناصب القيادة والقضاء في منطقتي الريف الأوسط والغربي. تلقى محمد تعليمه الأولي المتمثل في حفظ القرآن والتعاليم الدينية في أجدير،ثم بعدها انتقل للدراسة في مدينة تطوان، ثم مدرسة العطارين بفاس، ثم انتقل إلى مدينة مليلية الإسبانية التي نال منها شهادة الباكالوريا،ثم انتقل للدراسة في جامعة القزوين بفاس،حيث تتلمذ على بعض علماء الدين والسياسة كعبد الصمد بن التهامي، ومحمد بن التهامي، ومحمد الكتاني خلال فترة دراسته في فاس، كان ختام مسيرته الجامعية في مدينة شلمنقة الإسبانية، والتي درس فيها القانون الإسباني بجامعتها مدة ثلاث سنوات، عمل بمهنة التدريس من عام 1907 لعام 1913، اتقن اللغة العربية واللغة الأمازيغية، واشتغل مترجمًا للإدارة المركزية للشئون الأهلية بمليلية، وبالموازاة لذلك اشتغل صحافيًّا بيومية تيليغراما ديل ريف الإسبانية بين 1907 و1915،تم تعيينه قاضيًا في عام 1913، وبعدها بعام قاضي القضاة، وفي نفس العام، عين أيضًا معلمًا بأكاديمية اللغتين العربية والريفية بمدرسة الشؤون الأهلية في مليلية.

عُرِفَ عنه أنه قصير القامة، ضئيل الجسم، ولا تَسمعُ منه إلا الكلام الطيب، وتجد نظراته متواضعة،شكله لينًا، لكن في العمق لا يتنازل عن المبادئ، فلا تستطيع أن تتصور أن هذا الرجل كان ثائرًا أو أنه سيقود حربًا، تحكي بنته عائشة أنه رغم كونه رجل حرب، كان في البيت لديه عاطفة فظيعة تجاه أبنائه، كان بسيطًا عكس الأم، كان رجلًا يحب الفقراء والمحتاجين حتى لو ناداه أحد لاستجاب في الحين ولو كان مشغولًا، فرغم أن الرجل توفي في القرن العشرين إلا أن صيته تجاوز قرنه، كأنه هو الوحيد الذي حارب في زمنه، فما روي عنه يستحق أن يكون هو «أسطورة الريف».

كان محمد بن عبد الكريم الخطابي يؤمن بفكرة التعايش السلمي مع المستعمر، ودليل ذلك اشتغاله بالقضاء، وكتاباته الصحافية، ولم يتغير ذلك إلا بعد أمرين كبيرين:
أولًا: سجنهُ سنة 1915، والذي كان نتيجة تعاطفه مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، واتهمته السلطات الفرنسية بالتخابر مع ألمانيا، حيث سجن الخطابي في سجن روسطروغوردو بمليلية، وحاول الفرار مرات عديدة، دون جدوى، كسرت في إحدى هذه المحاولات ساقاه أثناء محاولته الهروب من السجن، مكث في السجن 11 شهرًا قبل أن يُطلق سراحه ويعود لمزاولة مهنة القضاء في مليلية.

أما الحدث الرئيسي الثاني فيتجلى خصوصًا في انتقال الاستعمار الإسباني إلى مرحلة التغلغل العميق، الذي كان مرتكزًا على قواعد رئيسة في السواحل المغربية الشمالية، وذلك مباشرةً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عبر تكثيف التواجد العسكري، ونشر 63 ألف عسكري، وتوسيع المواقع العسكرية على امتداد شمال المغرب، وهو ما لاقى معارضة قوية من طرف شيوخ القبائل، وعلى رأسهم عبد الكريم الخطابي (الأب)، الذي انتقلت مقاربته للاستعمار، من الحياد الإيجابي إلى الرفض والتصادم، مرورًا بمرحلة نادى فيها السلطات الإسبانية بالسير على نهج الحماية الفرنسية في مناطقها، عبر مواءمة البنية الإدارية الاستعمارية مع البيئة المغربية، بما يمكن أن يصطلح عليه في المصادر التاريخية بنظام الحماية.

وبذلك تحولت تدريجيًّا العلاقة بين آل الخطابي والإدارة الإسبانية من التعايش إلى القطيعة.

نظم عبد الكريم الخطابي المقاومة الريفية سنة 1920، بمساعدة ابنه (الذي قطع دراسة الهندسة بإسبانيا للالتحاق بوالده وأخيه). وكان لتعيين الجنرال سيلفيستري، حاكمًا عسكريًّا لإسبانيا في منطقة الحماية الإسبانية بالمغرب، أثر تسريعي لهذا التحول، بسبب مقاربته العسكرية الصرفة، التي تحكمت في تحركاته الدبلوماسية وقراراته السياسية، قامت الإدارة الإسبانية بالعديد من الاعتقالات من قبيلة بني ورياغل والقبائل المجاورة، وإثارة شائعات عن استسلام آل خطابي للاستعمار؛ مما أثار غضب عبد الكريم الخطابي.

عُرِض على الخطابي مبالغ مالية، وتجهيزه بالسلاح مقابل محاربته مع الإسبان لكنه رفض، وجمع مائتي مقاتل ريفي لمحاصرة نقطة تفرسيت الاستراتيجية 1920. توفي الوالد عبد الكريم الخطابي بعد حصار النقطة 22 يومًا وعلى الأرجح أنه مات مسمومًا.

قام محمد بن عبد الكريم بمهاجمة تفرسيت برفقة 300 مقاتل، بطريقة مفاجئة، وأسفر الهجوم عن مقتل نصف الحامية العسكرية الإسبانية، إضافة إلى اغتنام الريفيين لقطع مدفعية ومعدات حربية أخرى. يَعتَبِر المؤرخ الإسباني (ريكاردو دي لا ثييربا) بأن هذه المعركة كانت أول هزيمة حاسمة للجيش الإسباني في الريف، وساهمت في تقويض معنويات الإسبان، وخصوصًا سيلفيستري الذي دخل التاريخ «كأول جنرال إسباني يخسر مدافعه في إفريقيا». مباشرة بعد هذا الانتصار تقاطرت القبائل الريفية على مركز قيادة الثوار في تمسمان، وارتفع جيش عبد الكريم إلى 1000 مقاتل جلهم من بني ورياغل وبني توزين. حقق نصرًا ثانيًا في سيدي بيبان (شمال غربي أنوال)، فقد فيه الإسبان 314 جنديًا.

وحَّد محمد الخطابي صفوف القبائل العربية لمواجهة المستعمر الإسباني الغاشم الذي توغل لتمسمان وأنوال، حيث دارت المعركة الشهيرة في مايو 1921، انهزم فيها الإسبان شر انهزام فلم تستطع الآلات الحربية المعاصرة الصمود أمام عزيمة القبائل الثائرة المحاربة بالبندقية (وزادها: التين اليابس وخبز الشعير). واندحر الجيش المنَظم والكثير العدد أمام قلة من المجاهدين، وكان من مقولات الخطابي الشهيرة لذلك: «الكفاح الحقيقي هو الذي ينبثق من وجدان الشعب؛ لأنه لا يتوقف حتى النصر».

وانهزم الجنرال سلفستري (الصديق الحميم للملك ألفونسو 13 ملك إسبانيا آنذاك)، الذي وعد ملكه وجيشه والعالم بأنه سينتصر على الريفيين، وسيشرب الشاي في بيت عبد الكريم الخطابي بأجدير، وخاب ظنه لما أرغم جنوده على شرب البول بسبب الحصار المضروب على الجيش الإسباني.

ومن الشواهد على عبقريته العسكرية في حروبة طريقة حرب العصابات الذي هو مبدعها الأول، تعتبر نموذجًا لتحرير الشعوب، وبهذا أصبح درسًا في المقاومة وفي الحروب التحريرية، فالفكرة الرئيسية لحرب العصابات هي الخندق الواحد، فتجد بين المقاتلين مسافة تقدر بأكثر من 20 مترًا، حتى إذا سقطت القذيفة فإنها لا تقتل سوى واحد أو اثنين.

فبعد 20 سنة من انتهاء الحرب بالريف، رأينا كيف ظهرت حركات التحرر والمقاومة المسلحة في كل العالم، فأصبحت خطة البطل يتبناها زعماء آخرون، أبرزهم «ماوسيتونغ» الذي قال للفلسطينيين لماذا أتيتم تبحثون عن تجربتي وأنا أخذتها من شخص عندكم اسمه «محمد بن عبد الكريم الخطابي»، وأيضًا نجد «موسوليني» يقول: «نحن نستلهم فقط ما قام به بن عبد الكريم»، وسافر أيضًا «تشي جيفارا» إلى مصر عندما علم أن أستاذ حرب العصابات موجود في أرض الكنانة.

أرجع إلى وقت الحرب، فقد أسس الخطابي الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف المستقلة في 18 سبتمبر 1921، عاصمتها أجدير، وعملتها الريفان، وعيدها الوطني هو يوم الاستقلال 18 سبتمبر، وتم تشكيل الجمهورية رسميًّا في 1 فبراير 1923، وبعد ذلك تم حلها في 27 مايو 1926 بقوة فرنسية إسبانية تعدادها يقارب 800 ألف.

شنت فرنسا وإسبانيا بعد سقوط الريف حربًا على الخطابي بقيادة المارشال الريفي الخائن (أمزيان)، الذي كان على دراية بجغرافية المنطقة والتكتيكات العسكرية للقبائل الريفية، بحكم انتمائه لها، استعمل في الحرب أسلحة كيماوية وأسلحة محرمة دوليًّا، كغاز الخردل الذي تم إلقاؤه لأول مرة بواسطة طائرات الجيش الإسباني، ولا زالت آثاره في انتشار الأمراض وتلوث المياه وتدمير الزروع بادية لكل المحقّقين، وقد قال الخطابي حينها: «قالوا إنهم جاؤوا لتمديننا، ولكن بالغازات السامة ووسائل الفناء»، وكتب أحد الأمريكان قائلًا: «لقد انتصرت فرنسا عسكريًّا وكان المجد للريفيين»، كما شهد على ذلك العديد من العسكريين الإسبان الذين شهدوا حرب الريف، ومن أبرزهم «بيدرو توندرا بوينو» في سيرته الذاتية (أنا والحياة) التي نشرت في 1974.

استسلم البطل المجاهد عبد الكريم الخطابي لسلطات المستعمر الفرنسي بعد خيانة في صفوف جيشه، ساعدت المستعمر المستبد على الوصول للأراضي الريفية، وتم نفي الخطابي لجزيرة لارينيون أكثر من عشرين عامًا،حيث نفي ومعه 40 فردًا، وأثناء المنفى رُزِقَ عدد من الأطفال، هذا كله جعله يجد صعوبة في جزيرة «لورونيون»، وتحكي في هذا الصدد إحدى بناته أن مرحلة المنفى من 1926 إلى 1947 كانت ممتازة بالنسبة للأولاد، لكن بالنسبة للأب والأم والعائلة كانت مرحلة قاسية وحزينة، وتروي ابنته الأخرى أنهم دائمُا يتحدثون بلسانهم الأمازيغي سواء في الريف أو في المنفى، ويستقدم إليهم أساتذة من أجل تعلم العربية والفرنسية، وقام كذلك الخطابي بتحفيظ القرآن لأبنائه ووصاهم بأن الإسلام مبادئ وأخلاق.

ألقى محمد الخامس خطابه في طنجه في 10 أبريل 1947،أكد فيه استقلال ووحدة المغرب، حاولت القوات الاستعمارية الفرنسية ترحيل محمد بن عبد الكريم إلى مدينة «نيس الفرنسية» كوسيلة ضغط على ملك المغرب، لكن الخطابي شعر بأن فرنسا بعد هذا الترحيل تريد استعماله ضد محمد الخامس، ولذلك رفض أن يكون دمية في يد المستعمر؛ ففضل أن يقيم بمصر بعد موافقة الملك فاروق على اللجوء السياسي له، وأثناء إقامته استقبله الملك «فاروق» في قصره، وخصص له مكان الإقامة، لكنه رفض أن يبقى في القصر، فبدأ ينشط في مصر، حيث قام بتأسيس مقر مكتب المغرب العربي الذي يتأسس من أحزاب استقلالية في كل من تونس والجزائر والمغرب، وأسند له بإجماع من طرف حركات الاستقلال في المغرب العربي منصب الرئيس الدائم، وأصبح أخوه نائبًا له، والأمانة العامة فقط هي المتداولة، لكنه أدرك واقتنع أن هذه الأحزاب لها سياستها عكس منهجه الذي يرى أن الاستعمار دخل بالقوة وينبغي أن يواجه بالقوة، فحاول أن يقنع الأحزاب بذلك لكن لا مستجيب، فقام بتجاوزها ميدانيًا وذلك بتأسيس جيش التحرير، ففي ذهن محمد بن عبد الكريم لا يوجد سوى المشروع المعادي لفرنسا ولا يهمه سوى تحرير شمال إفريقيا برمته، وبدأ الاشتغال مع الطلبة المغاربيين الموجودين في القاهرة فشكّل منهم خليةً وجيش المقاومة، ففعلًا انطلقوا هؤلاء الطلاب بعدما أصبحوا ضباطًا في تأسيس جيش التحرير على ربوع المغرب الكبير، فابن عبد الكريم كان هدفه واضحًا، فكان لا يسعى إلا إلى التحرير فقط، ولا يسعى إلى الحكم.

حاولت ميليشيات حزب الاستقلال في المغرب مع جهات أخرى وخاصة مدير الأمن الوطني آنذاك محمد الغزاوي، أن يختطفوا الناس وأن يقتلوا بعض الشخصيات الوطنية التي انضمت إلى حزب الشورى والاستقلال؛ مما جعل بن عبد الكريم يرسل رسالة إلى «البكاي» يقول فيها: هل أنتم حكومة أم عصابة؟ وأخبره كذلك بوجود حوالي 76 مركز اعتقال غير شرعي،رغم أن مطالب الريفيين مشروعة وبسيطة جدًا، كالتمثيل المناسب في المجلس الاستشاري، والتعليم والصحة، وإدخال نماذج شابة إلى دواليب الدولة.

وبعد سنوات من وجوده في مصر أدرك محمد الخامس أنه أخطأ في حق البطل، فقام بتخصيص معاش له مع أخيه، وحين ذهب إلى مصر زاره في بيته، وكان الغرض هو إرجاع ابن عبد الكريم إلى المغرب، فصارت العلاقة طيبة بينهما، لكن أيام قليلة فقط وضعت الحد لهذه العلاقة بموت الملك محمد الخامس، وبدأت علاقة أخرى بمجيء الحسن الثاني الذي لم يزر الخطابي لا في أيام حكمه ولا في أيام كان فيه ولي العهد، وكذلك الخطابي لم يزره قط، هنا بدأ الخصام بينهما، وزادت الوتيرة بعدما انتقد ابن عبد الكريم أول دستور للمملكة، إذ اعتبره ليس فيه مواصفات الدستور الديمقراطي، فكان أول رد من الحكومة المغربية إيقاف المعاش المخصص له، رغم هذا كله كانت نية البطل أن يرجع إلى البلد شرط أن تكون مستقلة فعليًّا وليس شكليًّا.

توفي الشيخ المجاهد في 6 فبراير 1963مـ /11 رمضان 1383 هـ، وتم دفنه في مقابر الشهداء بحي العباسية في القاهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دولي, عسكري.

المصادر

عبدالكريم الخطابي التاريخ المحاصر للرائع علي الإدريسي
العدوان الكيماوي على منطقة الريف لجميل بدراوي
مذكرات خالد مشبال مستشارمحمد عبدالكريم الخطابي
من القبيلة إلى الوطن للكاتب محمد العربي المساري
محمد عبدالكريم الخطابي آراء ومواقف للكاتب محمد امزيان
عرض التعليقات
تحميل المزيد