(1)
كرسي فارغ في مقدمة الصف، وعازفون يحاوطونه من الشرق والغرب والجنوب، بينما تقف امرأة بمنديل وردي في الشمال، مشدودة الخصر، ثابتة، مرفوعة الرأس دائمًا، تلوّح بمنديلها بإيقاع متزن تمامًا مع موسيقى المشهد.

يومًا ما، ربما من خمسة عقود من تاريخنا هذا أو أكثر، لم يكن مجرد كرسي أو فاصل يقطع كمال الفرقة الموسيقية، بل كان أهمهم على الإطلاق، حيث يجلس قائدهم الذي ترك وراء ظهره كل المواقع، من أجل الحفاظ على موقعه هذا – كعازف في فرقة “الست”- رغم كونه واحدًا من أعظم ملحنين جيله، ويملك من الأدوات ما يمكنه من اعتلاء قمة الهرم الموسيقي، إلا أنه لم يرغب أبدًا في التخلي عن مكانه، أو التعالي عليه، إلا قهرًا.

 

(2)
أربعون عامًا و”القصبجي” في مكانه، حاملاً عوده الذي يملأ جسده النحيل. يدق على أوتاره أعزب الألحان، 70 من هذه الألحان – تقريبًا – من تأليفه، آخرهم “رق الحبيب” عام 1944.

 

منذ ذلك التاريخ وحتى وفاته عام 1966 لم يضع “قصب” لحنًا لأم كلثوم، بعد أن رفضت منه تقديم أي لحن جديد لها، رغم كل ما قدمه، وأجبرته على ترك مكانه كقائد للفرقة، رغم أنه مؤسسها، لأنه رفض طلبها بأن يكتفي بالتلحين لها بعيدًا عن أسمهان.

مع ذلك، لم يتمكن “القصبجي” من تحمل فراق الست، ولا مكانه في فرقتها، وسرعان ما عاد ليحتل كرسيه من جديد، رغم كل التوبيخ والتعنيف الذي واجهه، ورغم قسوة “أم كلثوم” عليه وقرارها بقطع حبل إبداعاته لها.

رضي بأن يظل أكثر من 22 عامًا مجرد عازف عود خلف ظهرها، ولم يكتفِ، بل ابتعد تمامًا عن التلحين، وكأنه تعهد أمام نفسه بأن بعد غضب الست ورفضها ألحانه لم يعد في خاطره رغبة لإضافة المزيد من الإبداع، وتقديم ألحان جديدة.
https://www.youtube.com/watch?v=TAXhh4WLWZ4

(3)
ربما لولاء وقرب كهذا، لم تسمح أم كلثوم لأحد أن يأخذ مكان محمد القصبجي بعد رحيله، وتركت كرسيه “فارغًا” في مكانه يُحيي ذكراه، وكأنها تحاول رد كرامته التي أهدرتها في أواخر أيامه، خاصة بعد أن قالت له على الملأ: “يبدو يا «قصب» إنك محتاج لراحة طويلة!”، ومع ذلك، لم يتخلَ عنها ولا عن فرقتها.

أصبح كرسي “القصبجي” – بعد رحيله- مكان “الست” الذي تستريح عليه بين الوصلات، وكأنها تريد استحضار روحه، أو تكرمه على طريقتها، فلا أحد يستحق أن يأخذ مكانه إلا قامة في مقامها.

كانت تجلس عليه كل حفلة، قبل أن تبدأ في الغناء، وقبل كل وصلة، بعد أن رفعت كرسيها الخاص الذي كان يسبق الفرقة بخطوة.

حتى محمد عبده صالح عازف القانون الشهير، وقائد فرقتها، لم تسمح له أن يضم قليلاً على العازفين بجواره، ليملأ فراغ “القصبجي” بكرسيه.

الأمر بالفعل يبدو كأنه شعور بالذنب، وتكفير، تحاول به أن تُرضي روح “قصب” وتطيّب بخاطره في قبره.

(4)
لم تكن قسوة “الست” وحدها هي كل ما عاناه “قصب” في مشواره، الواقع أيضًا كان قاسيًا، فرغم كل ما قدمه إلا أنه لم يحظَ بشهرة كافية، أو صيت كبير كما كان حال ملحنين آخرين، مثل السنباطي، وبليغ، وعبدالوهاب، وغيرهم. ولم ينل من المجد ما ناله أمثال هؤلاء، حتى أن أغنياته وأعماله الموسيقية حظيت بشهرة أكبر من شهرته، ونال مطربوها مكانة كبيرة، وعلقت في أذهان الجماهير، لكن بدون اسم القصبجي.

يرجع البعض أسباب هذا إلى أنه لم يقم بتسجيل الأغاني التي لحنها بصوته، مثلما كان يفعل العمالقة الآخرون – إلا مرات نادرة- لذلك لم يعلق اسمه في ذهن الجمهور، ولم ترتبط أغانيه بصوته ودندات عوده.

(5)
يشهد الجميع أنه صاحب مدرسة فريدة من نوعها، وأنه متجدد لأقصى حد، حتى أن محمد عبد الوهاب صرح بأنه تعلم منه مزج الموسيقى الغربية بروح الآلات الشرقية ليصير اللحن عظيمًا بقدر “أنا قلبي دليلي”، و”يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي”، أو أوبراليًّا كـ”يا طيور”، دون أن يفقد بريقه وشرقيته، أو أن تستشعر باقتباس وتأثر يقلل من المتعة والانبهار.

كان مواظبًا على حضور عروض الأوبرا، ويعشق موسيقاها، كما أنه تأثر كثيرًا بالمدرسة “البوليفونية” التي تعتمد على تعدد الأصوات، ومن روادها “باخ”، وكذلك المدرسة الكلاسيكية، التي تعتمد على التوافق اللحني، ومن روادها “هايدن”، ومن هنا بدأ في المزج بين المدرستين، وابتكر مدرسة جديدة هو رائدها، تأثر بها ملحنين كبار مثل “محمد فوزي ومحمد عبدالوهاب”، وبات عن طريقها اللحن عبارة عن سيمفونية يمكن أن تسمعها وتستمع بها بدون كلمات.
https://www.youtube.com/watch?v=vPCEPMozhSs

(6)
مقعد القصبجي لم يكن كل شيء، ومكانه في فرقة أم كلثوم لا يوازي مكانته، حتى لو كان هذا المكان خلف قامة وصوت بديع كصوت “الست”، وتمناه أي عازف أو موسيقار.

 

هو باختصار عالمي كـ«يا طيور» و«قلبي دليلي»، وشرقي كـ«رق الحبيب»، وما بينهما تاريخ طويل لا يقل أهمية، ولا يمكن نكرانه.

لا يلخص أحلامه وإبداعاته مقال، ولا تُختصر سيرته في سطور؛ لذلك، لا يمكننا في ساعة كهذه – وبكل أسى– إلا أن نعزي أنفسنا في عشرين عامًا أو أكثر انقطع فيهم عن امتاعنا بألحانه، مكتفيًا بمقعد في فرقة.

 

ويمكننا أن نمنح أنفسنا مبررًا قويًّا للذم في قامة كبيرة بحجم أم كلثوم؛ لأنها حرمتنا من عطاء بحجم “محمد القصبجي”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد