"أنت لا تصنع فيلما.. الفيلم هو الذي يصنعك" مقولة عظيمة للمخرج جان لوك جودار عن عالم السينما وصناعة الأفلام وعلاقتها بالعاملين فيها، ولكن كيف يصنعك الفيلم؟!

الفن عمومًا هو أعظم تركة يمكنها تخليد اسمك إلى الأبد.. الفن هو كتاب الحياة الذي يدون فيه الفنان أفكاره ومعتقداته ومشاعره.. يذكر فيه الأشياء التي يحبها، والتي يمقتها، ويتحدث فيه عن أقرب الناس إلى قلبه، وعن الأماكن التي يجد بها الراحة والسكينة، وعن الذكريات التي عاشها والأحلام التي نجح في تحقيقها، وعن أخرى أخفق فيها.

كل هذا وأكثر من الممكن أن تشعر به في فيلم سينما أو تراه في عرض مسرحي، ومن المحتمل أن تسمعه في أغنية بديعة، أو تتأمله في لوحة مرسومة لتدرك بعدها أن الفنان الحقيقي لا يموت حتى وإن غاب عنا، ولذلك يظل محمد خان حيًا باقيًا في وجدان كل عشاق الفن السابع.

البسطاء أبطال في سينما محمد خان

انحاز خان في كل أفلامه إلى الطبقة الكادحة في المجتمع، وتميزت سينماه بالتعبير الصادق عن أحلام وطموحات أفراد هذه الطبقة من الذين تم تجاهلهم لفترة كبيرة في السينما كأدوار رئيسة بالأفلام، وكان محمد خان من أكثر المخرجين – إن لم يكن أكثرهم – نزولًا إلى الشارع لينقل لنا نبضاته على شاشة السينما في دمج غير معهود بين السينما التسجيلية والروائية إذا جاز التعبير، فإذا أردت أن تتعرف على معالم القاهرة في الثمانينات فعليك بمشاهدة (الحريف) و(أحلام هند وكاميليا) و(فارس المدينة).

يولي خان اهتمامه الأكبر في أغلب أفلامه للشخصيات أكثر من تركيزه على القصة؛ لأنه يلعب على إبراز دوافع الشخصيات وانفعالاتها وصراعاتها المعيشية، بالإضافة إلى الصراعات النفسية المستمرة، فالشخصيات في أفلامه هي الأساس الذي يحرك الأحداث الدرامية حتى وإن كان ما تقوم به الشخصية مجرد رد فعل مثلما الحال في فيلم الحريف حيث نجد فارس يتعرض لعدة مواقف سيئة منها رغبة طليقته في الزواج من آخر رغم حبه لها وزجر مديره له باستمرار في محل عمله، بالإضافة إلى حبسه والتحقيق معه في جريمة قتل جارته وحتى تلقي خبر وفاة والدته، ظلت هذه الأحداث تتوالى عليه ونحن نتابع طريقة تعامله معها بتلقائية.

أحلام بسيطة ونهايات صادمة

ولا يعني ما ذكرته أن خان يغفل اهتمامه بالقصة التي تقوم عليها الأحداث المحركة للشخصية والتي غالبًا ما تتعلق برفض الواقع المرير والرغبة في عيش حياة يعمها السكينة والأمان فجميع شخصيات محمد خان حالمون، ولكن دائمًا ما يكون سقف أحلامهم متوسط باستثناء رمزي الصعلوك الذي حلم بالتواجد بين الملوك في فيلم سوبر ماركت بعدما أغراه عزمي بيه بأن يصبح مليونيرًا ولكن بشرط أن يتنازل أخلاقيًا وفي ذلك إشارة إلى عدم إمكانية الجمع بين الحياة الراغدة مع التمسك بالقيم والمبادئ، ولذلك كانت أحلام الشخصيات الأخرى بسيطة ولدت من رحم البيئة التي عاشوا فيها فتجد ريهام في فتاة المصنع لا تريد سوى الزواج من الرجل الذي دق له قلبها، ونوال في موعد على العشاء ترغب في التخلص من سيطرة زوجها والعيش في سلام مع شخص تحبه ويحبها، كما ترى هند وكاميليا تحلمان بالخلاص من شقاء العمل في البيوت والسفر إلى إلى الأسكندرية في نزهة قصيرة على البحر.

ولكن غالبًا ما يصدمنا خان في نهايات أفلامه، فلم تتزوج ريهام ممن أحبته، ولم تحصل نوال على حياة هادئة، وحتى هند وكاميليا لم تصلا إلى شاطئ الاسكندرية إلا بعدما سرقت أموالهما، ورمزي لم يصبح مليونيرًا، ولن يكون لأنه لم يتنازل أخلاقيًا، أما جابر في فيلم الرغبة، وعلى الرغم من تحقيق حلمه بالثراء الفاحش، إلا أنه فشل في الاحتفاظ بحبيبته، كما أنه أصبح عاجزًا جنسيًا؛ مما دفعه إلى الانتحار في النهاية، وبهذا يعلن خان في أغلب أفلامه عن فلسفته في الحياة، وهي أن الإنسان يعيش حتى يصارع من أجل البقاء، وليس لكي يحصل على ما يريد، ففي الصراع تجد معنى الحياة بمتاعبها ولذّاتها.

وكان الانتحار في أفلام خان بمثابة استسلام بعض الشخصيات وسط هذا الصراع، كما كان انتصارًا لآخرين، فحينما شعر هشام في (زوجة رجل مهم) بضياع آخر ممتلكاته المتمثلة في زوجته قتل والدها الذي أراد أن يخلصها منه، ثم انتحر مثلما فعل عبد الله صديق فارس في الحريف هاربًا، كما انتحرت نوال في (موعد على العشاء) بعدما أدركت أنها لن تنعم بالحياة التي أرادتها وحررت روحها من قبضة طليقها المتسلط.

انتصار محمد خان لبنات حواء

لا مثيل لتعاطف خان مع شخصياته النسائية ولا يمكن معرفة صورة المرأة في السينما المصرية دون دراسة صورتها في أفلام محمد خان لم أجد أنسب من هذه العبارة للناقد السينمائي الكبير محمود عبد الشكور للتعبير عن انحياز محمد خان لبنات حواء في السينما.. فمن أنعم من المرأة في الأحاسيس وأصدق منها في المشاعر وأكثر في العواطف! حتى يقدمها لنا خان بأحلام بسيطة ورومانسية ساحرة فترى ميرفت أمين في شخصية منى الحالمة المتيمة بأغنيات عبد الحليم حافظ والتي تقع في قبضة رجل صاحب سلطة باطشة في فيلم زوجة رجل مهم، وسعاد حسني في شخصية نوال بفيلم موعد على العشاء تلك المرأة التي تبكي بشدة كطفلة حرمت من امتلاك لوحة مرسومة، ولكنها في الحقيقة تبكي على ضياع برائتها تبكي على إغفال قيمتها كأنثى في مجتمع ذكوري يحاصرها من كل اتجاه، فكان مشهد وقوفها في الأسانسير وسط الرجال أفضل تعبير عن حصارهم لها؛ مما أفقدها القدرة على التنفس حتى تمكنت من الخروج وكأنها تصارع الموت وسط أمواج بحر هائج من ريح صرصر عاتية حتى انتصرت نوال لنفسها في النهاية وفضلت الموت على أن تحيا بجسد دون روح، كما انتصرت هيام لنفسها بالرقص في حفل زفاف حبيبها الذي تركها وتزوج من أخرى في المشهد الأخير من (فتاة المصنع)، وتعمد خان كسر الحاجز الرابع في تلك اللقطة، فكانت نظرة ياسمين رئيس إلى عين الكاميرا مباشرة بمثابة سكب دلو من الماء البارد على وجه المشاهد أو المجتمع بمعنى أوضح ليصحو من استغراقه في وهم الفروق الاجتماعية والكف عن تحميل بنات حواء الخطأ دون جنس الرجال فيما يتعلق بالتفريط في الشرف.

سينما خان الشاعرية

يقدم لنا محمد خان سينما اجتماعية في المقام الأول وشاعرية من الطراز الرفيع، سينما تمس الروح العالقة وتثير العواطف الدفينة فهو يمنحك في سينماه ما تحب أن تراه على الشاشة بينما تمارسه أنت في حياتك اليومية دون أن تشعر بلذة ممارسة تلك الأشياء البسيطة فتستمتع مثلًا بمشاهدة هند وكاميليا وهما مندمجتين في متابعة فيلم هندي بصالة السينما أو وهما تأكلان من محل كشري ومثلهما يفعل فارس وصديقه عبد الله في الحريف، ويروق لك مشهد ياسمين وجومانا في بنات وسط البلد حينما تستمعان لحكاية أبلة فضيلة عبر أثير الراديو في الصباح بينما تحتسيان شاي بحليب، وتغني مع صوت دنيا مسعود وتتمايل مع رقص عايدة رياض في فيلم (في شقة مصر الجديدة) وتجوع عندما تشاهد فريد شوقي وعائلته يأكلون بشراهة في (خرج ولم يعد).

كما تسمع مايروق لأذنيك على الشريط الصوتي لأفلام خان فدائما ما كان صوت الراديو حاضرا في خلفية الكثير من المشاهد فتسمع جملة من برنامج للمنوعات وفقرة من نشرة أخبار وآية من تلاوة قرآنية كل ذلك بالإضافة إلى أصوات تعلق بها خان نفسه وأهدى بعض أفلامه إلى العديد من الفنانين، فكان (فتاة المصنع) إهداءً إلى ذكرى سعاد حسنى وقدم (فارس المدينة) إلى أصالة وزمن أم كلثوم كما أهدى (زوجة رجل مهم) إلى عبد الحليم حافظ، وكان فيلم (في شقة مصر الجديدة) مهدىً إلى ليلى مراد صوت الحب لكل الأجيال.

وفي إهداءاته لم ينس خان أن يذكر مدينة القاهرة فكان فيلم (الثأر) إهداءًا إلى القاهرة وسكانها الذين ألهموه بصنع باقة من أجمل أفلام السينما المصرية والتي عبرت بصدق عن واقع المجتمع بتفاصيله الصغيرة، وكانت القاهرة بشوارعها وسكانها أبطال فيها لاسيما منطقة وسط البلد التي خصها خان بفيلم يحمل اسمها (بنات وسط البلد)، فضلًا عن حضور شوارعها وذكر اسمها في العديد من أفلامه، فكان ذلك عرفانًا بالجميل لتلك المنطقة التي أثرت في وجدانه، فعاش ومات وفيًا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد