محمد نجيب، أول رئيس جمهوري لجمهورية مصر العربية أو هكذا ما تبين لنا في السنين الأخيرة. هذا الرجل الذي لم تكن لترى اسمه في كتب التاريخ في المناهج الدراسية التي تدرس لنا، والذي لم نسمع عن دوره ولا وجوده إلا متأخرًا حين فات الأوان لندرك قيمة هذا الرجل الذي فقدناه في أمتنا العربية ومصر بالأخص.

لست هنا لأسرد قصة حياة هذا الرجل ففي زمن المعلومة أصبح في المتداول أن تعرف سيرته وأصله وحسبه ونسبه من أي مكان وفي كل أي وقت وحتى إنه لا يهم أن نتطرق للحديث عن حياته الشخصية، بقدر ما أنا هنا لأتحدث عن خيوط رفيعة في حق محمد نجيب، لأني وبعد ما أتممت قراءة سيرته الذاتية في كتابه الشهير والذي أصبح متداولًا والأكثر مبيعًا في السنين الأخيرة «كنت رئيسًا لمصر»، أيقنت أن هذا الرجل – العسكري – لا يمت للعسكريين وطرقهم المختلفة في الحكم الذين ساقوا مصر إلى ظلام لأكثر من 60 سنة وما زالوا حتى الآن.

أثناء قراءتك لمذكراته سوف تلاحظ أنها ليست المعهودة والمألوفة حينما يكتب الشخص مذكراته، فمذكرات نجيب لم يكثر فيها من الأنوية المفرطة، بقدر ما كان واضحًا بها من إنكار الذات وإنصاف الشخص وعدم الهجوم حتى على من عادوه، لدرجة وصلت أن وصفه البعض بالجبان والهارب من تحمل المسئولية، والبعض الآخر يرى أن نجيب قد أفرط في سرد بطولاته ومواقفه النبيلة، وكأنهم لا يريدون وجود شخص نبيل على مر التاريخ. 

ولكن ما أعجبني أثناء قراءتي أن هذا الرجل لم يظهر نفسه على أنه الملاك ولم يخلِ نفسه من تحمل مسئولية ما جرى من قرارات كان راضيًا عنها أو لا، ولكنه عرض الأحداث بقدر كبير من الموضوعية، واعتمد على شهادة من عاصروه وكتبوا عنه في حياته واعتمد على الوثائق التي جمعها وخبأها في منفاه في أواخر عمره، فلم يكن محمد نجيب يضرب كلامًا من الهوى، ولم ينافق نفسه أو شخصًا بعينه، بل اعتمد على المقدمات التي تؤدي للنتيجة من أجل إيضاح الصورة كاملة، وترك للقارئ الحكم على سير الأحداث، ربما أغضب كتابه وكتاباته وما حكاه مختلف التيارات في مصر، ولكن أعجبني فيه أنه لا يخشى في الحق لومة لائم.

من خلال مذكرات محمد نجيب ومن خلال ما كتب عنه في حياته أو بعد موته استطعت التوصل إلى حقيقة، أن مصر فقدت حقوقها في ممارسة الديمقراطية وفي اختيار رئيسها وتحديدها لمصيرها بعد «انقلاب يوليو 1952»، في اللحظة التي حكم فيها على محمد نجيب بالموت وهو على قيد الحياة، في الوقت الذي شطبوا فيه اسمه من كتب التاريخ مع أنه قاد لصناعة الحدث الأهم وتحرير مصر من بوتقة الملكية، ومساعدتها على ركب قطار الديمقراطية والعصر الحديث – هذا ما تمناه المصريون وقتها – ولكن لم يكتب للمصريين جني ثمار ثورة أو انقلاب لصالحهم كما جرت العادة، وخرجت مصر من الملكية الاستبدادية لكي تدخل في أنفاق الظلام أو ما أطلق عليها أنا ديمقراطية التزكية حيث أصبح للمصريين حقًا نعم في اختيار رئيس، ولكن لم يكن بالقائمة على مدار ستين عامًا سوى شخص واحد لتختار، هكذا انتقلت مصر من ملكية رسمية بالوراثة، إلى ملكية عسكرية بالرتبة.

 

أنا لست هنا لأهاجم أشخاصًا بعينهم أنا فقط أهاجم ما فعلوه بنا وما قادونا إليه، ولكني هنا أيضًا من أجل كلمة إنصاف في حق رجل جار عليه التاريخ الذي كتبه المنتصرون عليه فترةً من الزمن، فقد سلبوه رتبه ومناصبه وسلبوه كونه أول رئيس لمصر حتى إنهم سلبوه أقواله فإن محمد نجيب هو أول من قال: «إن المعركة الحقيقية في مصر وليست في فلسطين». وهي التي نسبها فيما بعد جمال عبد الناصر إلى نفسه في وقت احتدام الصراع العربي الإسرائيلي.

محمد نجيب المظلوم فقط لكونه أراد لمصر حياة ديمقراطية سليمة، ولم يرد لها أن يفجر صراع بين طبقاتها أو تنُشر البلبلة والفوضى والرعب والإرهاب والقهر والظلم، كل هذه كانت أسبابًا تدفعهم إلى أن يقولوا عنه في التاريخ إنه كان مجرد صورة لحركتهم وإنه كان الأجبن من بينهم ولم يكن له دور حقيقي، هذا الرجل الذي كان يخشى على مصر من سنوات الضياع تحت حكم العسكر، كانت له البصيرة التي جعلته يسلم بأنه إذا دخلت مصر تحت حكم العسكريين فلن تعود أبدًا للحكم المدني الطبيعي – لا يغرنكم ما حدث في 2012 – وهذا ما حدث منذ تولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم إلى وقتنا الحالي.

البعض ولأسباب لا يعملها إلا الله وحتى وقتنا الحالي يحاول اختصار دور هذا الرجل في أنه واجهة لحركة الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة فيما بعد، «فاترينة» هكذا أطلق عليه من البعض وعملوا على قولبته في تلك الصورة ليس أكثر.

ولكن التاريخ ولو كتبه المنتصرون فهو أيضًا لا ينسى ولا يخلو من بعض الإنصاف لمن يستحق، فمحمد نجيب وعلى الرغم من فترته القصيرة كان لديه البرنامج الواضح والهدف الأسمى ومشاريع لم تتم لأنه كان يركز فقط على تسليم البلاد إلى الحكم المدني، ولكن بالنظر لفترة هذا الرجل ستجد أن محمد نجيب صاحب رؤى كانت تصب في مصلحة الوطن وليس مجرد أداة في يد مجلس قيادة الثورة.

فإن كنت لا تعلم عزيزي القارئ فأنا سأحيطك علمًا أن فكرة مترو الأنفاق بالأساس يعود تبنيها إلى أيام محمد نجيب حينما قرأ في مقال – وهذا إن دل يدل على طبيعته الديمقراطية – عن التنبؤات بالزحام المروري في القاهرة في الأعوام الخمسين الآتية – آنذاك – وكان ليشرع في تنفيذها أقل تكلفة من 28 سنة بعدها حينما تم تأسيس المترو، وفي الآخر لم ينسب الفضل فيها إلا للرئيس مبارك الذي اكتفى فقط بإطلاق اسم نجيب على إحدى المحطات وليس أكثر من هذا، ومحمد نجيب هو الرجل الذي دعا من أجل الإسراع في تأسيس الدستور الجديد لمصر منذ أول يوم له في الحكم لكنهم حالوا بينه وبين ما سعى إليه لأن الدستور كان من شأنه تعطيل مصالحهم ومساعيهم إلى المناصب والحكم وسرعان ما كان سيعيدهم إلى ثكناتهم من جديد.

محمد نجيب أراد الانتصار للشعب، فهزمه أصدقاؤه! محمد نجيب أراد تسليم السلطة إلى حاكم مدني ديمقراطي في انتخابات حرة نزيهة، فسلموه إلى المعتقل محكومًا عليه أن يموت وهو على قيد الحياة، محمد نجيب أراد الحفاظ على أهداف الثورة وما سعت إليه، فتحفظوا عليه تحت الإقامة المشددة.

نكلوا به، حتى إنهم رفعوا اسمه من التاريخ لفترة جعلت أولاده لا يصدقونه حينما يقول لهم إنه كان رئيسًا لمصر، لم يتركوه حتى يعيش سالمًا في منفاه وسجنه بل طاردوا أولاده حتى نالوا منهم واغتالوهم. لم يحترموا سنه أو مركزه ولا حتى رحموا مرضه.

فلو كان محمد نجيب رجلًا من طينتهم لما حدث له كل هذا، لذلك في محاولة مني لإنصاف تاريخ هذا الرجل وشعوري الكامن بأن الله سيحاسبني إذا لم أعط كل ذي حق حقه، تكلمت في مقالتي عن هذا الرجل.

أنا لم أذكر أحدًا من حوله ومن أساؤوا له فهم معروفون، ولأني أدري أن طريق السياسة لا يعرف أي مبادئ وقيم إنسانية فأنا لست أستعجب مما حدث للجنرال نجيب، أنا لست هنا لأقلل من شأن من جاؤوا بعده فلهم ما لهم ولو كان ما عليهم أكثر، أنا هنا فقط أقف أمام محكمة التاريخ قائلًا كلمة الحق إن محمد نجيب هو العسكري الشريف الذي لا يمت للعسكريين بصلة، لعل كلماتي تكون هي صرخة في أذن من تناسى التاريخ العريق لهذا الرجل أو حتى من لم يعرفه ليعرف أن أول رئيس لجمهورية مصر العربية هو محمد نجيب الذي كان يسعى ليرى مصر مدنية ديمقراطية، وأن ما نحن فيه الآن هو فقط بسبب أنهم أوقفوا ذلك الرجل الهرم عن تحقيق أهدافه، وأترك لك الحكم في كون محمد نجيب ظالمًا أم مظلومًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد