في اعتقادي حالة محمد رمضان ليست حالة فريدة أو غريبة. كلنا ولظروف ما بداخلنا شيء من هذه الاحتياجات البدائية، الأنانية الصِرفة، المتمركزة حول ذاتها بشكل متطرف، والتي لا تستطيع تجاوز حدود هذه الذّات، والتعايش وتقبل الآخرين، أو تقبل أن يكونوا ذواتًا عاديّة.

لْفَهم هذه الشخصية، ينبغي لنا وضعُ أيدينا على أمرين شديدي الخطورة:

الأوّل، هو مدى النّضج الّتي تتمتّع به الشّخصيّة وكفايته لاستيعاب تحوّلاتٍ جذريّة في نمط الحياة. وهذا ليس متوافرًا في شخصية محمد، الذي لم يستطع تحمّل هذه التّحوّلات السّريعة في حياته، ولم يستطع – وجدانيًا – استيعابها. كان محمد حتى سنوات قليلة ماضية شابًا عاديًا، مغمورًا، يتحسس طريقه نحو بَدء الحياة المهنية. ثم فجأة (شعبيّة إلهيّة) كما يسميها هو، وسيارات، وحظوة، واحتضان من جانب السلطة! يصعب على الإنسان العادي استيعابُ هذه التّحوّلات، ما لم يكن يتمتّع بتوفيق إلهيٍ كبير، ونضج وجداني وشخصي من جانبه ومن جانب المحيطين به. والآداب الشّعبيّة، بحكم الخبرة استطاعت وصفَ وتفسيرَ هذه الحالة التي هي لصيقة للاجتماع الإنساني أصلًا في عبارة شديدة البلاغة والتكثيف: (الشبع بعد الجوع)!

الْثاني: السياق الثقافي – الاجتماعي الّذي نعيشه في عالم اليوم. والّذي اشتُهر عن عالم الاجتماع البولندي الراحل مؤخرًا، زيجمونت باومان، تسميتَه بـ(العالم السائل). هذا العالم الّذي تتيح أدواته لكل شخص أن يصبحَ (نَجمًا كونيًا)، إلهًا بشريًا لعدّة دقائق، على حد تعبير أحد علماء النفس الاجتماعي. فأمسى لدينا (جمهورية شادي سرور)، الّذي تجاوزت مقاطعه حاجز النصف مليار مشاهدة. و(دراويش عمرو حسن)… إلخ. ولعل أكثر الأمثلة تجسيدًا لتفسيرية هذين الأمرين: (كريستيانو رونالدو)!

لاشك أنّ رمضان وغيره يمتلكون قدرًا من الموهبة، يزيد أو ينقص، ولكنّ السّبب الأبرز في هذه الحالة هو أنّ جميعَ هؤلاء الأشخاص يداعبون احتياجاتٍ بدائيّة لفئات اجتماعيّة أو عُمريّة مُعيّنة. فشادي مثلًا يستهدف فئة عمرية تمثل شريحة كبيرة من العالم العربي؛ وهو السن الّذي استبدل التاب، والسمارت فون، ومَقاطعه (شادي)، بالألعاب الجماعيّة أو الفرديّة التّقليديّة. كذا يداعب عمرو حسن غرائز واحتياجات بدائية عند فئة عمرية معينة، لدى جنسٍ مُعيّن المُراهقات تحديدًا. أمّا محمّد فأكثرهم ذكاءً! إذ يستهدف الفئة الاجتماعيّة الأكبر في مصر، والآخذة في النمو، وهي تلك الفئة الّتي لم تتلق تعليمًا جيّدًا، وتمتهن مهنًا مُعيّنة، وتتبنى قيمًا مُعيّنة: البطولة، والتّفرّد، وظلم الحياة، وأهميّة الصّداقة… إلخ، والتّي تبدو واضحةً بشدة في نوعيّة الفن والمناسبات والسياقات الاجتماعية الّتي تجمعهم. فلا تكاد تجد فيلمًا في العيد إلا ويتبنى هذه القيم ويخاطب هذه الشرائح. كما يسعى دائمًا لكسب ود السلطة؛ ولعل ذلك تبدى في علاقته بمؤسستي الجيش والشرطة، والتي انعكست على أدواره الفنية مؤخرًا. (اللي ييجي على ظابط شرطة، بيحط نفسه في ورطة).

تدريجيًا تتحوّل هذه الأشياء المادّيّة والاحتياجات البدائية: الشّهرة، وجذب الأضواء… إلخ، إلى (أدوات قهرية) لا تستطيع هذه الذوات التخلي عنها؛ إذ تكتسب قيمتها واحترامها لأنفسها منها. فلن تكفي رونالدو جائزةٌ أو اثنتان أو ثلاث أو عشر. لقد تحوّل إلى ماكينة رأسماليّة بالمعنى الحرفي للكلمة. ولن يكتفي رمضان بفيراري أو لامبورجيني أو… سيظل طامعًا في المزيد.

تسعى هذه الذوات دائمًا إلى الهروب من حقيقتها وتخشى عملية الكشف والمُصارحة. وتستخدم (ميكانزمات) – بدائية – للدفاع عن هذه الذوات (المزيفة) تدور في فلك: أعداء النجاح والحاقدين. ولعلّ ذلك يبدو واضحًا جدًا في المقطع الغنائي الّذي صوّره شادي ليعايرَ (أعداء النجاح) بسياراته وڤيلّاته وإنجازاته.. أو في المقطع الّذي صوّره لينتقدَ (السيسي) هربًا من أن تظل تهمة التفاهة تلاحقه، كما قال هو نصًا في مقطعه الغنائي. والأمر ينطبق تمامًا على رمضان (نامبر وان).

ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، وبالتضاد يتضح المقال، فلقد التقط الداهية عمرو أديب جزءًا من عبقريّة حالة (صلاح).. الّذي لم ينل المجدُ (الأسطوري) مناله منه.. ولم يغتر أو يتكبر أو يتغير، حتى سخر أعداء النجاح (الحقيقيون) من زوجته الّتي لم تغير الأضواء والنجومية والشهرة من مظهرها، وظلت على حالها. الثبات الانفعالي والنضج الوجداني والشخصي الذي يتمتع به هذا اللاعب لا يمكن ردّه إلى شيءٍ أعظم وأكثر فاعلية تفسيرية من (التوفيق الإلهي). نسأل الله الثبات، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد