لستُ في سياق تفسير الظاهرة، وإن كانت بعض أسبابها جليّة أو سهلة الاستقراء.

عانت وتعاني الشخصية المصرية – إن جاز التعبير – من انسحاقٍ طويل المدى؛ جعلها – إذا أردنا وضعها في قائمة من اضطرابات الشخصية المعروفة – مثالًا قياسيًا على (اضطراب الشخصية الدونية!) يشعر المريض بهذا الاضطراب أن قدراته الشخصية لا تؤهله للمنافسة في الحياة العامة، بدون أسباب حقيقية. يبالغ المريض في الانتقاص من نفسه، ويبالغ في تصوّر قدرات الآخرين، فيصل إلى العجز المُكتسَب.

غالبًا، لا يؤمن المصريون، أو لم يعودوا يؤمنون بأن قدرات البشر جميعًا شبه متقاربة. وأن الفروق بين المجتمعات لا تشمل وجودَ جنس الموهبة من عدمه، وإنما تكون في طبيعة المواهب والقدرات ونسبتها وتوزيعها… إلخ.

كل المجتمعات قادرة على تحقيق شيء ما جيّد. والمجتمعات كما هو معلوم بالضرورة نتاج تفاعل أفرادها. فإذا كان الأفراد قادرين على نفض الغبار عن وجوههم، وكسر القيود التي تقيدهم؛ وكل البشر قادرون على ذلك، فإن المجتمعات – بدهيًا – قادرة على ذلك. وقد لخّص أحدُ أساتذة الإدارة المشهورين في العالم العربي معادلة النجاح (أي نجاح) في كلمتين: إرادة + إدارة! لا يعتقد المصريون، والعرب عامة، بصحة هذه الحقيقة.

أعلم أنّ صلاح استثنائيٌّ، لا سيما في تاريخ مصر. وأعلم أنّ ثمّة حاجةً إنسانيّة فطريّة لتقديس الأشياء أو الأشخاص (يشمل ذلك الانبهار الساذج!) وأعلم أن المصريين يطوقون لأي شيء يفرحهم. وأعلم أنّ صلاح يستحق. إنني أعلم كلّ المبررات التي يمكن أن تساق في معرض تفسير حالة صلاح، وأقدّرها أيضًا. ولكن ما يقوم به المصريون تُجاه صلاح تعبير بدائي عن مشاعر شديدة الطفولية والسذاجة، بشكل قد يبدو مقززًا.

لا أعلم صراحةً ما هو الفضل الحقيقي للأرچنتين – مثلًا – على ميسّي؟ هل لو وُلد ميسّي في الصين كانت قدراته ستكون أقلّ؟ بالطبع لا! ليس ثمّة معنى موضوعي لافتخار الأرجنتين بميسي. وإن حدث فإنه قد يفهم في سياق الرغبة في إشباع حاجة الانتماء والولاء والمعنى والجماعة إلخ. لكن إذا تفشّى الأمر، وصار ميسي حديثَ الكبير والصغير، وباستمرار سيبدو الأمر شاذًا.

 

  إننا نفرح بأشياء شديدة السذاجة. مجدداً، ليست المشكلة في الفرحة أو الرغبة في إظهار الفرحة، ولو كانت هيستيرية، ولكن أن يمثّل هذا الشذوذ حالة عامة، فإن ذلك يستدعي النقاش. ينبغي أن نفرّق بين الاحتياجات، الرغبات، الفردية والجماعية، وضرورة إشباعها بشكل صحّي، أو حتى بوسائل دفاعية؛ وبين أن يكون ذلك خطّا عامًّا مستمرًّا دومًا. هذا مخيف!

المصريون الآن أشبه بشابٍ ثلاثينيّ، تعرّض لصدماتٍ نفسيّة عميقة، أوقفت نموّه الوجداني، فأصبح بالكاد يشعر بذاته.. وإن شعر بها، يتمركز حولها. ثمّ فجأة، ومع بعضٍ من التقدير والاحترام الخارجي، صار يدرك أنه قادرٌ على النموّ والحركة والفعل والاحتكاك بالآخر، رغم أنه من المفترض أن يكونَ ذلك طبيعيًا، متوقعًا، مفهومًا؛ إلا أنه صار يتعجّب من قدرته على فعل هذه الأشياء البدهيّة.

إننا قادرون، شأننا شأن غيرنا، على النموّ. أفرادًا وجماعات. ليس ذلك مزيةً ولا فارقًا نوعيًا ولا معجزة تكسر العادة. إنه استعدادٌ غرسه الخالق فينا جميعًا؛ شريطة أن تكون البيئة محفّزة على النمو، وهناك إرادة مخلصة.

لقد حققت إنجولا الأفريقية معدلات نمو اقتصادي في السنوات الأخيرة، فاقت الصين وأمريكا. ولقد كانت غانا قاب قوسين أو أدنى من الصعود لنصف نهائي كأس العالم. وجورج وايا الليبيري نال جائزة أفضل لاعب في أفريقيا، وفي أوروبا، وفي العالم! والأمثلة لا حصر لها.

إننا جميعًا قادرون على النمو، ولكن للأسف يمنعنا من بلوغ هذا المأرب صورتنُا الذهنية السلبية عن أنفسنا، والتي تكوّنت بفعل عوامل كثيرة متداخلة ومتراكمة. نحن لسنا عجزة أو قُصّر. ينبغي أن نصدّق ذلك، ولعلّ حالة صلاح تساعدنا على الخروج من هذه الأوهام! بالتوفيق لـ(أبو صلاح).

 

    

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد