هو ولا شك أبرز موهبة كروية مصرية ظهرت في الخمس سنوات الأخيرة، صارت أخباره حديث المنتديات، وأصبح اسمه حاضرا ومعروفا حتى في الأوساط غير الكروية، وبين أشخاص لا علاقة لهم بالرياضة من قريب أو بعيد.

 

صلاح هو النجم، أهدافه تصنع البهجة، مشاركاته تستجلب فرحة المشاهدين، وحتى مجرد ظهوره العابر إلى جوار نجوم اللعبة على المستوى العالمي في التدريبات أو المباريات الرسمية، حمل للمهتمين الأمل في أن يكون لنا أخيرا لاعب مصري محترف في أكبر أندية أوروبا، يصنع لنفسه ولمواطنيه مسيرة من النجاحات المتتالية، بلا إخفاقات أو نكسات لم تتأخر يوما في اعتراض مسيرات من سبقوه، أو لازموه من اللاعبين الشباب أو الكبار.
في أوائل العام الحالي انتقل صلاح على سبيل الإعارة من تشيلسي الإنجليزي إلى فيورنتينا الإيطالي، انتقل الشاب الطموح المجتهد من ضيق دكة بدلاء جوزيه مورينيو، إلى سعة التشكيلة الأساسي لفينتشينزو مونتيلا.

 

تألق بشكل لافت، أحرز في سبع مباريات ستة أهداف، أهمها كانت أمام توتنهام الإنجليزي في دور الستة عشر للدوري الأوروبي، وإنترميلان في الدوري الإيطالي، وبالطبع ذهاب نصف نهائي مسابقة الكأس أمام البيانكونيري يوفنتوس متصدر الدوري وأقوى فرق إيطاليا حاليا.
 

بذلك أثبت صلاح للجميع أنه أهم صفقة في ميركاتو الانتقالات الشتوية. احتفت وسائل الإعلام العالمي بتألقه، هنأه زملاؤه في تشيلسي على أهدافه الجميلة عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، واندلعت تظاهرات الثناء والمديح، مصحوبة بالكثير من التهويل والمبالغة، عبر وسائل إعلامنا المصرية كعادة مذمومة، يحار المرء متى وكيف سنتخلص منها؟
لذا ارتأيت ضرورة التنويه ببعض الحقائق، وإن اضطرتني للتغريد قليلا خارج سرب المداحين والمبالغين، حرصا في النهاية على الأمل الذي زرعه في نفوسنا نحن عشاق كرة القدم، لاعب مصري شاب لم يزل في بدء مشواره، ولم يحقق حتى الآن – وهذه حقيقة أولى – الكثير من الإنجازات.

 

 

أولا مشوار محمد صلاح الاحترافي منذ غادر نادي المقاولين العرب إلى بازل السويسرى، وحتى لحظتنا الراهنة لم يتعد السنوات الثلاث وهي مدة قصيرة نسبيا، لمع نجم اللاعب خلالها مع بازل، وانطفأ مع تشيلسي، وهاهو يعاود انبعاثه من جديد مع الفيولا الإيطالي.

 

في بازل كان صلاح من نجوم الفريق المعدودين، وفي فيورنتينا هو كذلك، في تشيلسي كان صلاح أسيرا لدكة البدلاء لوفرة النجوم في مركزه، وهذا يثبت حقيقة مهمة، صلاح لاعب متميز، لكن مستوى التنافس في الدوري الإنجليزي لا يماثل بالطبع نظيره السويسري أو حتى الإيطالي.
مستوى منافسي صلاح داخل الفريق الواحد على نفس مركز اللعب في تشيلسي كويليان وأوسكار، يفوق بكثير منافسيه في فيورنتينا – كان أبرزهم الكولومبي خوان كوادرادو الذي انتقل بالفعل لتشيلسي كطرف في صفقة صلاح – أو ديرليس جونزاليز في بازل، المغزى أن الوقت مازال مبكرا للزهو بنجومية لم تزل قيد الإنشاء والتحقق.
ثانيا تراثنا البائس وتجاربنا المريرة مع الكثرة من لاعبينا المحترفين، فكم كانت بدايات لاعبين واعدة ومبشرة كأحمد حسام ميدو مع أياكس الهولندي ومارسيليا الفرنسي، ومحمد زيدان مع ميتيلاند الدنماركي، فماينز الألماني فبروسيا دورتموند والذي فاز معه ببطولة الدوري الألماني لموسمين متعاقبين 2011-2012.
عمرو زكي وبدايته الفذة مع ويجان أثليتك الإنجليزي بعشرة أهداف في عشر مباريات، كل هؤلاء وآخرون يضيق المقام عن ذكرهم انتهوا إلى كونهم أساطير على الورق، تألقوا لفترات، حازوا انتباه الصحف ووكالات الأنباء لبعض الوقت، وانتهى الحال بهم للانزواء كزكي وزيدان، أو افتعال الضجيج والمشاكل، وانتقاد البشر جميعا لاعبين ومدربين من قبل بيليه الأبيض الكابتن ميدو!

 

لا نريد بالتأكيد لصلاح نهاية كهذه، لذا فلنعمل على تغطية أخباره ونجاحاته بقدر من الموضوعية والنزاهة المهنية، فما الفائدة التي ستعود علينا كمتابعين أو على اللاعب نفسه حين يتم تحريف تصريحات مدربه الإيطالي مونتيلا، والتي قال فيها مازحا “لا يوجد لاعب أسرع من صلاح سوى ميسي”، أو”لو استمر صلاح على تألقه بهذا الشكل سندعه يلعب وحده”، فتتحول بقدرة ورغبة بعض المحررين الرياضيين إلى تصريحات من نوع “مونتيلا: لا يوجد أفضل من صلاح سوى ميسي” أو “صلاح بهذا المستوى من الممكن أن يلعب وحده”.
 

أعتقد أن صلاح نفسه سيسخر من مثل هذه التصريحات لأنه يعرف جيدا –وبحسب كلامه – مقدار ما أنجز، وصعوبة ما يطمح إلى تحقيقه، ولأنه يدرك أن هناك بالفعل كثيرين حاليا، أفضل منه مستوى وأكثر خبرة وإنجازات.

 

محمد صلاح3

 

ثالثا حسابات المستقبل، فيورنتينا يجب أن يشهد ميلاد صلاح كنجم، يسعى لوضع اسمه في قائمة أفضل لاعبي مركز الجناح الأيمن المهاجم، أو المهاجم الصريح في أوروبا، فيورنتينا مجرد مرحلة لكنها الأهم، صلاح سيتم بعد عدة أشهر عامه الثالث والعشرين، وعليه التفكير جيدا في الالتحاق بأحد الأندية الكبرى في دوري أقوى من الإيطالي، الألماني كمثال، ولعلي أرى الإسباني هو الأنسب لقدراته وطبيعة لعبه، لكن يبقى هو صاحب الاختيار والطموح.

 

مراكمة النجاحات كانت دائما نقطة ضعف لاعبينا المحترفين، فنادرا ماكان أحدهم يتألق لموسم أو موسمين متصلين، ويستمر على نفس النهج بعد ذلك.

 

على صلاح أن يحذر من الضوء الإعلامي المتكاثف حوله الآن، خصوصا من إعلامنا المصري، حيث البيئة الأخصب لترديد الإشاعات، وتحويل التكهنات والتمنيات إلى مانشيتات صحفية، واختراع ما لايخطر بالبال، ولا ننسى أبدا ما أثير في أوان تألق عمرو زكي مع ويجان، من أن مسؤولي ريال مدريد يتابعون زكي عن كثب!!

 

هذه مجرد عينة عبثية من تلفيقات، يبتكرها أحد الصحفيين السكارى في جلسة صفاء من نوع ما.

 

فلا ينبغي أن يكون انفعالنا اللحظي وإنتشاؤنا المؤقت، بتأثير نجاح مبدئي أو محدود دافعا لنا إلى تشتيت انتباه اللاعب، أو التأثير السلبي على تركيزه، لأن لاعبينا المصريين عبر التاريخ، يفتقدون جميعهم إلا الندرة، ثقافة تجاهل الوسائط الإعلامية، أو التعاطي معها بشكل متوازن ومقبول ولنأخذ محمد أبوتريكة كنموذج إيجابي لذلك، ولاعب مثل زكي أو حتى حسني عبدربه في فترة ما كنموذج سلبي، ومحطّم لمستقبل مأمول للاعب كرة قدم متميز أو حتى مجتهد.
الأوروبيون يعتمدون ثقافة الإنجاز الكلي لا الجزئي، ويتابعون اللاعب لفترات طويلة ومتباعدة قبل المبادرة بالتعاقد معه، ريال مدريد لم يسع للتعاقد مع كريستيانو رونالدو بعد موسمه الأول مع مانشيستر يونايتد، ولا فعل برشلونة ذلك مع رونالدينهو الذي لعب لجريميو البرازيلي أولا، ثم باريس سان جيرمان الفرنسي لموسمين ثم برشلونة بعد ذلك، والخلاصة أن تألق صلاح لنصف موسم لو اكتمل بنفس المستوى، لن يكون دافعا كافيا لنادٍ كبايرن ميونخ أو أتلتيكو الإسباني لطلب التعاقد بشكل ملح مع اللاعب.

 

ختاما أرى في صلاح نموذجًا واعدًا ومختلفًا، للاعب مصري شاب، قد يكون بسيطا في مظهره وثقافته الحياتية أو العامة، لكنه ليس كذلك على مستوى قدراته البدنية وإمكاناته الفنية، مستقبل محمد صلاح الكروي يعده وإيانا بالكثير، ومنتخب مصر يتمنى وجود أكثر من صلاح في المستوى والتألق.

 

لكن هذا النموذج لن يُقيض له النمو والتطور، لو اكتفى بأن يكون نجما على صفحات جرائدنا المصرية أو شاشاتنا التليفزيونية، دون أن يدرك أنه مازال في بداية مشوار نجوميته الحقيقي، ودون أن يرحمه عشاقه ومحبوه من كثير من مبالغاتهم وأحكامهم المسبقة والمطلقة، والأهم من كثير من صخبهم وضجيجهم المتعالي بدافع من الحب، فإن كان الأمر على ما يبدو لنا الآن، ألا فلترحموه ياسادة من كل هذا الحب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد