يسري البرد من قدميه الحافيتين إلى رأسه، تصطك أسنانه، يرتعش. ينظر عن جانبيه راجيًا أن والده قد أعيد من سجن العقرب بمعجزة ما: ولا يجده.

خائر القوى، يحاول القيام والصراخ بالحراس فتدمى معاصمه المقيدة إلى سرير طبي. تتسلل الوحشة إلى قلبه. الله هو السلوان.

 

منذ 365 يومًا، قرر صديقي الإضراب عن الطعام اعتراضًا على اتهامات خرقاء وجهتها إليه السلطات المصرية. كانت الاتهامات بعد شهور من إصابته برصاصة في ذراعه لم تداوَ بشكل طبي منذ منتصف أغسطس ٢٠١٣، واعتقال تعسفي عشوائي له ومجموعة من الأصدقاءمن منزله في الخامس والعشرين من الشهر ذاته.

 

في معركة أُحد، أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. اضطرب الصحابة حتى رُوِيَأن بعضهم ألقى عتاده على أرض المعركة. من بينهم، خرج أنس بن النضر رضي الله عنه ونادى: “ما قيمة حياتكم بعد رسول الله؟” فنهض ما نهض من العزائم وصارت المعركة إلى ما صارت إليه.

 

(2)

لا يستطيع النهوض.يخرج الدم حارًا من فمه. يدور في عقله أنه سيغشى عليه مرة أخرى، للمرة الأخيرة ربما.

يدور في عقله أن أشد عذابه، أنه مدفوع إلى معركة للاعتراف بجرائم لم يرتكبها. للاعتراف بأنه مدان ليطالب ببراءته. إن أعتى قوى السلطة، تشكيل الصراع وتحديد مصطلحاته: أنت الآن مدان وقد تمنح البراءة.

 

لم يختر محمد سلطان الإضراب الكلي عن الطعام جاهلا بحالته الصحية السيئة أصلا. محمد مصاب بمرض يزيد من نسب تعرضه لجلطات دموية. جلطات تعرض لثلاث منها في السنة الماضية فقط في سجون هذا الاحتلال.

 

لم يقرر الإضراب جاهلا بما آل إليه حال سامر العيسوي حين أضرب في سجون الاحتلال في فلسطين ثمانية أشهر،أو بحال أي إنسان يقرر الامتناع عن الطعام لأجلٍ لا يعلمه.

 

في رسالة تم تبادلها بين سلطان وعبدالله الشامي، صحفي الجزيرة المحرر بعد إضراب عن الطعام دام خمسة أشهر في السجون ذاتها؛ تبادلا شكوى أنين العظام وعدم قدرتهم على الحراك بمفردهم. تبادلا أيضا حلم التجوال حول العالم بحرًا.

 

سردية الاغتراب تعود للانتقام، منه، منّا. عاد محمد إلى مسقط رأسه بعد أن عاش خارج مصر قرابة العشرين سنة. عاد حائزًا على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة أوهايو الأمريكية آملا في غد ما.

 

لم يكن يتصور أن تؤول به المآلات إلى أن يشهد يوم مولده السابع والعشرين رعونة السلطات وتشبثها، كما صرحت في إحدى جلساته؛ بأنه ليس مضربا عن الطعام أصلا. لم يكن يتصور أن يقول لضابط: “أنتم تعاملونني أسوأ من معاملتكم لمرسي”، ليرد قائلا: “مرسي ليس مضربًا عن الطعام”.

 

(3)
ما قيمة حيواتنا البائسة هذه إذا تركنا أمثال سلطان يموتون. لنضع احتمالية أن نلقى جميعا في جنة أو في نار، ألا يستحق وجودنا ولو محاولة يسيرة لتحسينه؟ التحرر عملية متواصلة لا يمكن أن يكون سقفها سلطة، شرعيتها البحث عن دماء أخرى لتريقها. سلطة تروج لبرامج تطهير تصل في نهايتها إلى مجتمع غير موجود وكتلة لا-بشرية.

 

قد يُعاد القول بأني (أننا) سئمنا العيش في ظلم وبلاهة أكثر سلطوية وديماجوجية مما ينبغي، والأمر كذلك بالفعل. سئمت (سئمنا) انسداد الأفق. هذا القابع في سرير طبي بالكاد يفارقه، بالكاد يرى نور الشمس (فيما عدا تنقلاته ال25 حتى الآن بين الزنزانة وقاعة المحكمة قبل أن تؤجل جلسته القضائية مرة أخرى).

المحروم من أهله، المحرومون بدورهم من ولدهم الذي صار قاب قوسين أوأدنى من لقاء ربه، المرابط ليرى النور، الجائع من أجل أن يستيقظ يومًا ويندمج مع الحياة كما يريد: يحبها، يكرهها، يعاتب بها أناسًا ويحتضن آخرين. صديقي الذي لا يزال يراودني في أحلامي لأخبره في كل مرة أن خروجه تأخر ويرد بابتسامة هادئة، يجب أن يخرج. من حقه أن يرى النور. من حقه أن يحيا.
“أنا مضرب عن الطعام علشان حياتي آخر حاجة باقية ممكن أساوم بيها على حريتي.” –سلطان

 

(4)
طوبى لشيء غامض
طوبى لشيء لم يصل
فكوا طلاسمه ومزقهم
فأرخت البداية من خطاهم
وانتميت إلى رؤاهم
آه.. يا أشياء! كوني مبهمة
لنكون أوضح منك

-درويش

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد