في ذكرى وفاته: 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1974 – 24 مارس (آذار) 2013.

«إن كان حظي في الحياة قليلها فالصبر يا مولاي فيه رضاك».

هكذا كانت آخر كلماته في حياته التي مثلما اتسمت بالقصر، اتسمت بالتناقضات والأوجاع والانقسامات. وانتهت رحلته في الدنيا وهو ما زال يحلم ويفكر في الكثير وإن كان قد أظهر تميزًا في كثير من الأوضاع والمواقف التي خاضها، وكان نمطًا من الناس الذين يحويهم شغف في أكثر من اتجاه ربما شتتهم قليلًا لكنه ما يجعلهم غير اعتياديين.

محمد يسري سلامة اسم بدأ في التوهج تزامنًا مع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي شهدت ميلادًا جديدًا له وشهدت نهاية مأساوية سريعة بعد زمن قليل. برق اسمه كأحد شباب الثورة الذين يتمتعون بالحماس الكافي ليقودوا مرحلة مهمة كهذه وكان لديهم إيمان عميق في التغير وفي الناس وفي البلاد كلها. تقدم في البدايات كناشط سياسي مع توجه ديني سلفي وأحد رموز الدعوة السلفية في الإسكندرية وكتلميذ يعتز به الدكتور محمد إسماعيل المقدم ويثق في توجهاته وفي إخلاصه الشديد للنهج السلفي. وكان الرجل فعلًا صادقًا ذلك الإيمان ولديه هوى أصيل بشيخ الإسلام ابن تيمية وله العديد من المؤلفات الجادة والمبذول فيها الجهد والوقت وفيها من تحري الدقة والكمال اللذين يليقان بالخوض والدراسة والرأي في موضوع مهم كذلك.

عمل طبيب أسنان بجانب حبه وشغفه للتراث والأصول والمخطوطات ليعمل بجانب عمله هذا باحثًا في مكتبة الإسكندرية وليشترك في أكثر من موضوع هام مع الدكتور يوسف زيدان الذي يشهد للرجل بالنبوغ في ذلك الشأن والذي يعتز به بشكل خاص بل يعتبره ابنًا له حتى ليكتب بعد وفاته مقالًا شهيرًا في سلسلة «رموز مصرية» بعنوان «السلفي الضحكوك» والذي يبدي فيه يوسف زيدان تعلقًا شخصيًا به وإعجابًا لا يخفى بشخصه ويضع أيضًا الكثير من علامات الاستفهام والتعجب إزاء الكثير من المواقف التي عاصرها معه.

مع بداية تكون الأحزاب استعدادًا للحلم الذي كانت الثورة تسير في اتجاهه، تأسس حزب النور المنبثق من الدعوة السلفية ويصبح محمد يسري سلامة متحدثًا رسميًا له.

ليظهر بعدها في العديد من الحوارات واللقاءات التلفزيونية ويكتب مقالات بانتظام، ويظهر في كتاباته انعكاسًا لقدرته اللغوية وتمكنه الشديد من اللغة ويغرد على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدات تؤثر في الكثير من الشباب، ومع كل حديث له كان الرجل يثير تعجب البعض أو إعجابهم أو حتى سخط البعض، كان محاطًا دائمًا بجدل لا يهدأ، وبعد قليل من الوقت يحدث شيء غريب وغير متوقع. يومًا بعد يوم كان محمد يسري سلامة يكسب إعجاب واحترام الناس من غير جبهته ويخسر على النقيض من هم مفترض أنهم على نفس اتجاهه السياسي والديني لا سيما من يعملون في أحزاب الإسلام السياسي في ذلك الوقت.

وتحير الباقي كيف لرجل مثله أن يكون بذلك الفكر المتحرر والقبول للآخر على الاختلاف معه مع ذلك القدر من الثقافة الحقيقية الواضحة، ليس فقط تبحرًا في علوم الدين أو تمتعًا بقدرات لغوية عالية والتي عادة ما تكون للكثير من هذا الوسط والذين يغلف كلامهم عبارات رنانة وبلاغة تثير الإعجاب حتى إذا نظرت فيهم بعمق هالك سطحيتهم الشديدة والتي تختبئ خلف ستار اللغة المهيب، زوجته غير المحجبة والتي لم يجبرها علي ارتداء الحجاب أو وضع ذلك شرطًا لاستمرار علاقتهما. كانت تلك النقطة أيضًا  محل إعجاب البعض ومحل نقد من البعض الآخر.

تلمح في كل حديث له حزنًا ضاربًا في أعماق الروح لا تعرف له سببًا ولا تدري ما مصدره. رزانة في الكلام واختيار المفردات ولو تكلم حتى دون تحضير. كأنما قد قضى مئات الساعات في التفكير وفي جدالات مع النفس لا تنتهي. وكأن لا أحد يستطيع مفاجأته بالحديث في موضوع ما، فمن الواضح أنه قد قلب الكثير من الأمور في عقله سلفًا وكون فكرة تؤهله للحديث عنها بتمكن لاحقًا. به من التناقضات الكثير. وله روح تؤمن في قرارتها بالحريات وتهش للجمال.

بريء لدرجة أنه لم ير ذلك متعارضًا مع التحدث باسم  حزب يتسم بالانغلاق الفكري ويشعر بفضل نفسه على الجميع وإن لم يصرح بذلك. بدا الرجل غير متسق مع ذاته وهو وسطهم وفي مجمل الصورة عن الحزب في ذلك الوقت كان هو النغمة الوحيدة المنتظمة في فوضى نشاز عارمة.

في النهاية يترك الحزب ويعترف ضمنيًا أنه وإن كان ما زال سلفيًا حتى النخاع لا يرى من الحزب أي جدوى بل وقد أضر بالدعوة السلفية كلها.

«ما زلتم تنازعونني وها هي الأيام تثبت يومًا بعد يوم أن (الإسلاميين) ما كان ينبغي لهم أن يكونوا في الصدارة في هذه المرحلة 12 مارس 2013».

«قلنا مرارًا: ابتعدوا بالدعوة عن السياسة، بكل الدعوات عن السياسة، أخرجوا رجالًا يقودون الأمة ولكن لا تحرقوا الدعوة بنار السياسة 9 مارس 2013».

لينضم بعدها إلى حزب الدستور عام 2012 وهو حزب مدني وسطي ضم نشطاء من أطياف متعددة ومختلفة لتسن عليه ألسنة السفهاء ويرمى بعدم الاتزان في وقت لم يكن في البلاد كلها أي شيء متزن أو ثابت. لكنه أيضًا لم يبد اتساقًا مع الحزب الجديد وإن ظل يكن له الولاء والاحترام حتى النهاية. كأنما قد كتب عليه أن يبقى غريبًا في أي جمع انضم له.

كان غريبًا حقًا أن يتحول من إيمانه بقضية الإسلام السياسي إلى قناعة شديدة بعدم جدوى إقحام الثابت والذي لابد أن يبقى متزنًا مثل الدعوة والمتغير الذي يتلون مع الظروف وحرب البقاء مثل السياسة.

بسبب ذلك التغير قد احترم الكثيرون محمد يسري سلامة ولم يروا فيه نوعًا من عدم الاستواء النفسي وخصوصًا أنه أبقى على ولائه للفكر السلفي وبقي يقدم نفسه ناشطًا بخلفية إسلامية سلفية.

ثم يلح عليه مرض لم يكن له أي تقديم يؤهل أي شخص أحبه لتقبله. يبدو في البداية بسيطًا وعاديًا حتى إنه يسأل في تغريدة عن حل ما «يا ريت طبيب يقول لي حل (ناجع) للنزلة المعوية الحادة دي، 3 أيام حرارة وراسي تقل الطوبة لا عارف أنزل ولا أطلع وملتزم الفراش، وجزاكم الله خيرًا  10 مارس 2013 تويتر».

لم يكن بعد يدرك أن النهاية قاب قوسين أو أدنى، ثم التغريدة الأخيرة التي كانت تقطر حزنًا وأسى:

«لن تسجوا جسدي على فراش الموت… بالمجان، سآخذ بعض ما اشتهيه، وسآخذه الآن!» 13 مارس 2013.

«إن كان حظي في الحياة قليلها فالصبر يا مولاي فيه رضاك» 15 مارس 2013.

الجميع أحب الرجل أو ترك في نفس الجميع شيئًا من الاحترام لكنه كان سلفًا قد قبل الجميع وكان ذلك متعارضًا مع الكثير من أفكاره لكنه قد نشأ بين والد يعمل أستاذًا جامعيًا ووالدته «عزيزة كاطو» شاعرة سكندرية معروفة وأشخاص مثقفون كهؤلاء لا يربون شخصًا منغلقًا فكريًا أو جامدًا. وتلك النزعة الأصلية والتي قوتها تربيته لم تسطع توجهاته اللاحقة أن تنال منها.

لا نعرف لماذا نشعر دائمًا أنه كان يكن إعجابًا بأشخاص معينة لا بمنهج. مثلًا إعجابه الذي لا تشوبه شائبة بشيخ الإسلام ابن تيمية تشعر أنه كان الأساس لانتهاجه هذا المنهج وأن تأثره بان تيمية كان المحرك الأساسي لكل أفكاره اللاحقة.

دائمًا ما كانت أنباء متواترة عن تعاسة في الحياة الشخصية أو شيء من التخبط ربما قد استقر قليلًا في النهايات لكن الواضح دون حاجة إلى أدلة أنه كان من هؤلاء الرجال الذين يقعون في الحب ولا يرى قيودًا إلا وكرًا على القلوب أما ما عدا ذلك فهو هين.

وهناك بعض الأشخاص الذين أثروا فيه ومن الواضح أيضًا أنه قد أثر فيهم وأن العلاقة قد أخذت بعد القليل من الوقت طابعًا متكافئًا  ومتساويًا جدًا.

منهم أستاذه ومعلمه الدكتور محمد إسماعيل المقدم والدكتور يوسف زيدان على اختلاف الشخصيتين إلا أنهما ورغم أنه اختلف مع كليهما في أكثر موضع بقيا يكنان له حبًا واحترامًا تعدى على غير العادة الفروق التي كانت تتوسع بالخوض في الحياة والسياسة. وأغلب الظن أنهم جميعًا قد تعاملوا معه معاملة القلب والعاطفة لا العقل والواقعية. أحبوا الإنسان النقي البريء الذي يشبه أبطال الروايات. وبشهادة كل من تعاملوا معه ورغم اختلاف تأويلهم لشخصيته المحيرة إلا أن الجميع اتفق على نبله الشديد وخلقه الكريم.

ثم مجموعة من الأصدقاء المختلفين عنه مثل باسم يوسف وبعض السياسيين الليبراليين أو المثقفين الذين لهم بعض التوجهات المتعارضة معه. في حوار ما قد أبدى إعجابه مثلًا بنجيب محفوظ وبرواية أولاد حارتنا وكان ذلك القول غريبًا على الجميع مؤيديه ومعارضيه. ومن الظاهر أنه كان يحكم باتفاق الروح ولا يمنعه في ذلك اختلافات سياسية أو دينية وذلك هو نفس المنطق الذي تعامل به الجميع معه وحتى بعض المتابعين مثلنا قد تعلقوا به وبشخصه الكريم رغم الاختلاف معه في معظم الأشياء، لتشعر أنه كان يقف يمسك بالسلف والتراث من طرف ويجذبه من طرف آخر إيمان بالتجديد والسير قدمًا، فبدا كرجل يحمل أثقالًا شديدة ويحاول الجري. يجد صعوبة بالغة لكنه يكن ولاء شديدًا لأثقاله ويعرف أنه ربما لا جدوى من التقدم إن نزعها وتحرر منها.

ويقال إنه توفي وحوله الكثير من طلابه وأصدقائه ومحبيه في الله. وتابع الجميع اشتداد المرض عليه وإلحاحه، ويأسه من الشفاء والإيمان الشديد بروح الله ورحمته وكما كانت حياته أشبه بحياة الأبطال في الروايات كانت النهاية مهيبة وهزت قلوب أشخاص حتى لم يتعاملوا معه ولم يعرفوه حقيقة.

لقد كان يشبه إلى حد كبير الثورة نفسها بنواياها بالغة الجمال وتوترها وتقلبها واندفاعها البريء، وأورثت نهايته الحزينة في نفس الجميع وجعًا غريبًا وذكرى محملة بنوع من الألم الممزوج بشيء من اليأس من كل الحياة ومن بلوغ أي كمال أو اكتمال فيها ولا نقول في مرضه القصير وموته إلا ما يرضي الله، لكنه كان مثلًا للإنسان الذي لا تجد مفرًا من الإعجاب به وبإنسانيته وإن اختلفت معه في الكثير، وكما أن الخلافات والتوجهات زائلة فإن التأثير في الروح والقلب لا يزول. ومن نظرنا لهم رغم كل شيء بقلوبنا لا يسعنا يومًا أن ننظر لهم بغير ذلك القلب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد