يخيل إليه أن الراحل «محسن فكري» أو «شهيد الحسيمة» قد فاض به مما تعودنا على التعامل معه، من المحيط إلى الخليج، من ظلم بل افتراء لممثلي السلطة في قمة زهوها، وكامل احتساء خمر جنونها لدى الضباط تحديدًا، فلو أن لكل متصل بالسلطة ميزة لا يشعر بها إلا أمثاله، من زهوة شعور بأنه فوق البشر، وأن الذين من حوله لا يعادلونه مهارة، ولا حتى يقاربونه في فذ القدرات، فإن للضباط شأنًا خاصًا، وأمرًا فريدًا من نوعه، إذ يشعر أحدهم في قلبه أنه «عضلات» السلطة والسلطان، وبالتالي فهو الحاكم والصولجان، تجسد في يمين أحدهم، لدى نفسه، سيف «المعز» وذهبه.

وكل متصل بالسلطة في بلادنا مغرور بنفسه، إلا مَنْ رحم ربي، تشعر بأن الساسة في أوطاننا يتعاملون مع البشر على أنهم إرث استلموه من آبائهم وآباء أجدادهم، فلا حقوق ولا مطالب لهم، ولا كرامة ولا حق لهم في مجرد الاستفسار، فإن سأل أحدهم فإنها لجريمة يحق عليها العقاب، والعقاب الشديد، وأية جريمة أصعب من أن يسأل العبيد أسيادهم؟!

في دولنا العربية الممتدة إلى آلاف الكيلومترات، والمُقسمة بفعل الاحتلال إلى 22 دولة، مقومات الدول لدينا فيما يخص الضمير الإنساني والالتزام الخُلقي الحقيقي تحرص الدول على انعدامها، ولا تريده من المواطنين، بل لا تحترم من الأساس الذين يتحلون به، ويد السلطة وسيفها الذي تبطش به الضباط، وهؤلاء قمة المأساة فإن كانت منظومة العبودية السابقة الذكر يتعامل بها الساسة بحساب، ومن وراء ستار، فهم لا يتعاملون مع المواطن العادي من الأساس، فمن الوزراء إلى المحافظين إلى الأعضاء البارزين في الأحزاب الحاكمة، والذين يدورن في فلكهم من قيادات في مختلف المجالات بخاصة للجيوش والشرطة، هؤلاء يرون المواطنين العاديين «رعاعًا» أو عفوًا للفظ والتعبير «ثيرانًا يحرثون في حظيرة الوطن» كي يشربوا هم ما لذ وطاب ويأكلوا جهدهم وكدهم ليل نهار، ورحم الله أيام وزير الثقافة المصري «فاروق حسني» الذي كان يتفاخر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بأنه: أدخل المثقفين «الحظيرة»، والأخيرون المفترض أنهم أغلى ما تملكه الأوطان.

أما الشرطة فإنها يد السلطة النازلة على المواطنين المتعاملة معهم التي لا ينبغي أن لا ترد لهم أصابع، ولا يتم تقليم أظافرهم، ولا حتى مجرد مراجعتهم في استفسار، أو حتى الإجابة عن سؤال، فإن سأل أحد الضباط عن شىء فإنما يعني هذا أنه يريده فمن الواجب أن يُعطى له، ليأخذه والسلام.

أتخيل أن الراحل الثلاثيني الشاب الحر الدماء، المتدفق العزة والإباء قد فاض به من كثرة ظلم السلطة ورجالها بخاصة الشرطة، وقد أدرك في قرارة نفسه أن الاحتلال الذي افترى على دولنا العربية، واحتال حتى قسمها إلى قطع صغرى وكبرى، ثم ادعى الرحيل عنها تاركـًا أمرها إلى أقل البشر شأنًا فيها، ليمعنوا في الفساد بل الإفساد، غير آبهين ولا مهتمين إلا بمصالحهم الخاصة وحمايتها، وكل كريم النفس، عزيز الكرامة ينبغي عليه أن يحيا، إن حيا، بعيدًا عن دوائر النفوذ، في ضنك وضيق، وكرب وقلة حيلة، ورزق قليل شحيح مطوي، فأمثال «محسن فكري» إن امتدوا على خارطة الأوطان أتعبوا الفسدة، بخاصة إذ يجهرون بوجودهم، وتذكيرهم بالحق والفضائل، وبالنقائص التي تزخر وتفخر نفوس الحكام بها، وبأنهم قد يُبعدونَ عن مباهج الحياة والملك والسلطة والرئاسة ذات يوم.

أتخيل أن «فكري»، وهو الابن السادس لأب عمل في مجال التربية والتعليم، وقضى عمره مضيئًا لدرب الأوطان، ناشرًا النور بين ربوعه، إذ كان بحسب قول «عبد الإله بنكيران»، رئيس الحكومة المغربية الحالية، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية في المغرب، الحزب الإصلاحي المنبثق عن دعوة الإخوان المسلمين، بل أعتقد أن «فكري» الذي ترك الدراسة في المرحلة الثانوية لينال دبلومًا في الإبحار فيما بعد، وراح بمبلغ بسيط يتاجر في الأسماك، ويوم الجمعة 28 من أكتوبر ذهب الشاب إلى الميناء ليشتري ما يتاجر به ليكسب مبلغًا قليلاً منه، وبالفعل تم شحن الأسماك تحت سمع الموظف المختص بالرقابة على الأمر وبصره، وهو تابع إلى الحكومة، ودفع «فكري» مبلغ الشحن، حتى إذا ذهب إلى استلامه، قال له الضابط المختص بأن بيع هذه الأسماك ممنوع لأن صيده ممنوع.

موقف يمثل أحد المتناقضات التي يزخر بها وطننا العربي ويعاني الملايين منها، فالمقربون من السلطة محلل لهم الأكل والاقتطاع من جسد الأوطان بلا حدود ولا حساب، والبسطاء ليس لهم حق استنشاق هواء البلاد.

اشترى «فكري» الأسماك وشحنها تحت سمع السلطات وبصرها، لكن الضابط المختص، بعد أن دفع «فكري» مصروفات الشحن الحكومية، وبعد أن اشترى الأسماك من ماله أصر على إعدامها، ولما سأله: لماذا؟ استشاط غضبًا.

وقيل إن الراحل طلب منه فحسب أن يسمح له بالتبرع بالأسماك للفقراء أو المسجونين، فرفض الضابط المختص، فلما استنفذ الشاب ذو الواحد والثلاثين عامًا قدراته على الحياة في هذه الأوطان من الأساس ألقى نفسه في «حاوية» طحن النفايات مكان الأسماك رفضًا لأن تطحن ما اشتراه من ماله الخاص، وأن تفني السلطات حياته في مثل هذه «الترهات» والتصرفات غير المحسوبة، أما الضابط المُنتفخ الشعور بالذات فقد أمر العامل المختص بتشغيل «الماكينة الخاصة بالمُهملات»، هكذا بمنتهى البساطة!

لدينا، إذن الآن، في هذا الموقف ثلاثة أشخاص ومثلهم في الخلفية: الأول «فكري»، الثقيل العقل والضمير مع الوزن مع صديقين له، وهو يعرف تمامًا أنه ممتلئ، إن عملت الماكينة أضاعت حياته، ولكن في غمرة الشعور بقمة الظلم، وأن المنافق الأفاق التابع للسلطات هو الوحيد المتاح له أن يعمل ويرتقي، ومثله تتفنن السلطات في أكل كدّه وماله، أصر على القفز إلى الماكينة، وقفز صاحباه لما عملت، وفاض به مما يلاقي على مدار حياته فبقي!

ولدينا الضابط المنتفخ الأوداج الذي لا يرى أحدًا كفؤًا له، وهو وإن ادعى طاعة سادته الكبار فإنما ينافقهم ليحصل على ما يريده من الحياة، وهو يريد كثيرًا مثلما يريدون، وهو ينافقهم وهم ينافقون الأكبر منه ومنهم، وفي النهاية يدفع الوطن الثمن.

أما أحقر ما في المنظومة، السابقة واللاحقة، فالعامل الذي أدار ماكينة الطحن، بما فيها فكري، هذا لا ينال إلا فتات الفتات يفقد العزة والكرامة، ولا يعرف من الدنيا إلا السير خلف الظالمين، وأمثاله في بلادنا مُعوقين كثر لنهضتها وحريتها خلف كل صوت ظالم يُساقون وينقادون بلا سبب أو هدف أو مجرد غاية سوى «أكل العيش الملوث».

أما في الخلفية فلدينا حاكم البلاد، الملك هنا، والسلطان، أو الرئيس هناك،  هذا الجالس على قمة المأساة لا يهمه من أمر الوطن أو المواطن شيئًا، هو يريد رضا السادة من الغرب عليه، واستقرار قدمه فوق عنق العباد، وهو يرى أن مثل هذه الحادثة ينبغي أن يمر حتى يعود الناس إلى العبودية من جديد، ويستمروا في إدارة الساقية التي يقتات من قلبها.

وثاني الذين في الخلفية، في حالتنا هذه، فهو رئيس الوزراء المغربي «بنكيران» الذي لم تمر عليه في منصبه من جديد سوى  18 يومًا، وقد جدد الملك الثقة له في  10 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ووقعت حادثة الشهيد «فكري» في 28 من أكتوبر نفسه، وهو يعرف جيدًا أن افتعال هذه المشكلة، ولو بشكل غير مباشر، لكن وجودها في شكل ما مطلوب لإحراجه من جهتين، لدى الملك، ولدى الشعب، وهو يعرف أن عليه أن يواصل العمل بصدق لتحمل مسؤولية تغيير إرث من عشرات السنوات، ومنظومة فساد ممتدة، وقد ارتضى التغيير المسموح به المتصالح مع السلطة، بعيدًا عن تحارب الصدام معها المعروفة.

أما آخر المُتعلقين بأمر الشهيد «فكري»، نسأل الله الرحمة له، فهو الشرير الذي يراقب الأمر داخليًا وخارجيًا ليقيس مدى قدرة الشعوب العربية لا المغربية فقط على احتواء الظلم والمظالم، وكيفية معالجة أمثال «بنكيران» للأمر ليعرف كيفية تحديث طرق الإبقاء على التسيب والفساد لفترات جديدة.

إن حادثة «محسن فكري»، وإن كانت بالغة الألم في تفاصيلها إلا أنها دليل على أن أوطاننا لم تستسلم بعد للفسدة، وأن هناك رمقًا قويًا لدى شبابنا في إعادة الأمور إلى نصابها، ولو اقتدى الأمر دماءهم، وإن تظاهرات امتدت لأيام عقب استشهاد «فكري» دليل على تجاوب الشارع مع رغبات القضاء على الفساد وأهله، وأن الإصلاح المتصالح مع السلطة تلزمه أنفاس قويًا للمضي قدمًا لمسابقة الوقت، فإن نسي أشقاؤنا المغاربة الأمر بعد حين، وهو ما نسأل الله عدم تحققه، قد تتكرر مثل هذه الحادثة، حفظ الله الجميع، حتى تتخلص أوطاننا، على نحو ما، نسأل الله أن يكون أقل كلفة بخاصة في الأرواح والدماء، من الفساد والفسدة، كي ما يستمر الطحن هو الأساس في وطننا العربي «المرجو» لحياتنا ومماتنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

محسن فكري
عرض التعليقات
تحميل المزيد