عرفت الأسواق في مصر منذ قديم الأزل مراقبة حركة البيع والشراء، وعرف التجار العقاب الشديد في أغلب أحوال احتكار السلع والتلاعب بالأسعار. وتلك كانت وظيفة «المحتسب» والتي كانت من أعلى الوظائف في عهد المماليك والعثمانيين.

من هو «المحتسب»؟

المحتسب لغويًّا، يقال: «احتسب فلان على فلان احتسابا أي أنكر عليه صنيع عمله طلبًا للثواب من الله عز وجل! وفي عصور لاحقة، صارت كلمة «المحتسب» بمعنى: «المأمور المُتخذ أو المُعين من قبل الحاكم لضبط الموازين وإحكام السيطرة على الأسواق ونحو ذلك..» وظهر المحتسب في بدايات الدولة العباسية في أسواق العراق والشام، وذلك حينما اتسعت الدولة وكثر التجار وكثر أيضًا الغش في الموازين والمكاييل. وكانت تطوعًا لوجه الله من باب ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران 104) ومنعًا للاقتتال في الأسواق وتباين الرأي حول الغش وخلافه، صار المحتسب وظيفة يوكل بها حاكم البلدة أحد القضاة لإحكام السيطرة على الأسواق، يرفع تقاريره إلى قاضي القضاة لتبين رأي الشرع في التاجر الفلاني وخلافه، وكما تشير الدكتورة ليلى عبد اللطيف في كتابها «الإدارة في مصر في العصر العثماني»، فقد كان للمحتسب سلطة واسعة فى شئون البوليس والتنظيم في كل الأسواق التجارية.

وقد ظهرت في مصر في العصر الفاطمي، كان المحتسب يتمتع بسلطة واسعة لعقاب المخالفين ومراقبة الأسواق وكان يرفع تقريره للخليفة مباشرة وليس للقاضي، فكان يأمر بقطع الأذن والجلد و«التجريس»، كلها عقوبات أنزلها أمين الاحتساب بالغشاشين والمحتكرين. وفي العهد المملوكي تطورت مهنة المحتسب وصارت بعيدًا عن القضاء أو قائد الشرطة، فكان للمحتسب فرقة من الجنود خاصة به، يأتمرون بأمره ويطوفون معه في الأسواق لحمايته وإنزال عقابه على المخالفين من التجار، فكان مثلًا إذا ضبط خبازًا ينقص في وزن الخبز أو يصنع خبزًا رديئًا، يصادر الخبز ويعطيه للفقراء، و«يسمِّر» الخباز، أي يعلقه على باب حانوته من أذنه لمدة اثنتي عشرة ساعة، فإذا ما عاد الخباز إلى المخالفة مرة أخرى أنزل به عقوبة الجلد (200 أو 300 جلدة) على قدميه أو على ظهره، ثم يأمر بوضع لوحة كبيرة مثقلة بالرصاص على كتفه، وبها فتحة واسعة يخرج منها رأسه، ويأمره بالسير في شوارع القاهرة في حراسة الجند للـ«جرسة» حتى تخور قواه، وكان يأمر بتكسير «قلل» مغشوشة فوق رأس بائعها! وكان يقطع من لحم (جسد) جزار خالف التسعيرة ويلقيها أمامه في الشارع أمام الناس! أما إذا أنقص جزار في الوزن أو باع لحمًا فاسدًا، فكان يأمر بربط الجزار في مكان مشمس ويعقلون قطعة من اللحم الفاسد في أنفه، ويتركونه في هذا الوضع حتى تنتشر الديدان في قطعة اللحم الفاسدة وتسقط على جسمه، فضلًا عن غرامة نقدية يدفعها.

وإلى جانب مراقبة الأسواق والدكاكين والتفتيش على المكاييل والموازين التي يستخدمها التجار لمنع الغش، كان للمحتسب مهام أخرى منها مثلًا منع تحميل المراكب بأكثر ما تحتمل حمولتها لسلامة الركاب في البحر قبل الإقلاع من الموانئ، ومنع ضرب المعلمين لصبيانهم في الورش. وجمع الضرائب من الأسواق وإلزام التجار بتسعيره جبرية للمواد والسلع في أوقات الأزمات، وكان السلطان يعاقب المحتسب لو ازدادت الشكاوى وارتفعت الأسعار في الأسواق بدون سبب. وكان للمحتسب مندوبون ومساعدون يمرون في الأسواق ويرفعون تقريرهم له وهو يدرس شكواهم.

لكن هذا لا يعنى أن المحتسب ذاته كان عنوانًا للشرف والنزاهة، بل الأصوب أن العكس هو الصحيح! فقد كان مثله مثل الملتزم، يعهد إليه بمقاطعة معينة يدفع عنها خراجًا إلى خزانة الدولة والباقي له، وكان التزامه بمقاطعة احتساب يعطيه الحق في أن يفرض الرسوم التي يراها على الباعة والمطاعم والتجار، ولزيادة إيراده كثيرًا ما بالغ المحتسب في الرسوم. وأضاف إلى الرسوم الأصلية رسومًا من عنده، وهو ما عُرِف بين الناس بـ«مظالم المحتسب».

الزيني بركات.. محتسب الغوري أم جاسوس ابن عثمان؟

وكانت وظيفة «متولي الحسبة»، كما قلنا، من كبرى وظائف الدولة، لا يقوم بها إلا شخص على مستوى عالٍ من العلم والخلق والسيرة الحسنة بين الناس، وقبل كل هذا شديد الولاء لشخص السلطان نفسه! وكانت مربحة على هذا النحو، فقد صارت مطمعًا للكثيرين، وتسابق إليها الطامحون إلى الثراء، فكان يدفع الرشوة للحصول عليها، وكان عليه أن يفوض ما دفعه بالرسوم غير القانونية، ويتقاضى رشاوى من الباعة والتجار نظير تغاضيه عن مخالفاتهم في الوزن والتسعيرة، وفي كثير من الأحيان، ونتيجة لتدهور سلطة المحتسب واهتزاز صورته لدى الناس، كان يلجأ إلى الجند لتحصيل الضرائب وتنفيذ أوامره.

في العصر المملوكي تولاها مؤرخون مشاهير أمثال المقريزى، وبدر الدين العينى، وابن العديم، وأحيانًا كان يتولاها كبار الأمراء، وكان أولهم الأمير متكل بن الشمسي من قبل السلطان المؤيد شيخ عام 1413م، وفي أواخر العصر المملوكي تولاها الأمير جان بردى الغزالي في أوائل عهد السلطان الغوري وكان من مماليك السلطان الأشرف قايتباي. ولاحقًا تولاها الزيني بركات بن موسى، وكان من أشهر المحتسبين في تاريخ مصر الطويل، كتب عنه ابن إياس الحنفي أنه تولى الحسبة بأمر من السلطان الغوري تقريبًا عام 1506م، وأطلق يده يعاقب من يشاء ويسجن من يشك ولو شك مجرد الشك أنه على اتصال بالعثمانيين، ولما وردت الأنباء بهزيمة الغوري أمام جيوش العثمانيين، اختفى بركات بن موسى فجأة ليعاود الظهور مرة أخرى بعد دخول السلطان سليم إلى القاهرة غازيًا منتصرًا، ليقره في منصبه محتسبًا للقاهرة بأمر والي مصر المعين من قبل السلطان سليم، فعلم الناس أنه طوال فترة خدمته للغوري كان أحد عيون العثمانيين، ينقل لهم كل كبيرة وصغيرة في مصر، في الوقت الذي تظاهر فيه بالولاء لشخص الغوري، يسجن ويقتل ويسحل الناس بتهمة الاتصال بالعثمانيين، وهو زعيمهم!

يقول «ابن إياس» عن «الزينى»:

«لقد ساعدته الأقدام على بلوغ الأوطار، ورأى من العز والعظمة في دولة ابن عثمان ما لا رآه في دولة السلطان الغوري، كان يضع تسعيرة للبضائع الموجودة في الأسواق، ويقبض على المخالفين ويضربهم ضربًا مبرحًا حتى يشرفوا على الهلاك، ويشق القاهرة في موكب مهيب..» – بدائع الزهور في وقائع الدهور – ابن إياس الحنفي

واستمر القاضي الزيني بركات بن موسى يشغل وظيفة المحتسب حتى بداية عهد مصطفى باشا أول والي عثماني لمصر، والذي عزله من الحسبة سنة 1521م، ووضع مكانه أحد أقاربه من العثمانيين، في بداية «عثمنة» وظائف الإدارة الكبرى في مصر، بحسب تعبير الدكتورة ليلى عبد اللطيف. واستمر الحال كذلك، حتى عاود المماليك سيطرتهم على الوظائف الإدارية وتسللوا إليها، فأصبح منصب المحتسب يشغله أحد المماليك كمعظم المناصب الإدارية الأخرى.

مصطفى الكاشف.. محتسب أم طاغية؟

تولى مصطفى الكاشف الحسبة في النصف الثاني من عشرينيات القرن التاسع عشر، خلفًا لعثمان أغا الورداني، الذي عزله محمد علي باشا، لأن ما أنزله من عقاب بالمخالفين لم يكن كافيًا ولا رادعًا لهم عن أفعالهم، فكان لا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يهملهم، فوقع اختيار الباشا على مصطفى كرد «الكاشف» كما يقول الجبرتى، الذي يضيف وصفًا كاشفًا للأسلوب الذي اتبعه المحتسب الجديد للضبط والربط:

«بات يطوف على الباعة ويضرب بالدبوس لأدنى سبب، ويعاقب بقطع شحمة الأذن، فأغلق التجار الحوانيت ومنعوا وجود الأشياء على ما جرت به العادة فى رمضان من عمل الكعك والرقاق وغيره، فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت وزاد في العسف ولم يرجع عن سعيه واجتهاده، ولازم على السعى والطواف لا ينام ليلًا ونهارًا، لا ينام الليل، بل ينام وقت ما يدركه النوم في أي مكان ولو على مصطبة حانوت، وأخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه، المخزون في الحواصل ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض ويوزعه لأرباب الحوانيت، ليبيعوه للناس بزيادة نصف أو نصفين في كل رطل، وذهب إلى بولاق ومصر القديمة فاستخرج منها سمنًا كثيرًا (…) وعندما رأى أرباب الحوانيت الجد وعدم الإهمال والتشديد عليهم فتح المغلق منهم حانوته، وأظهروا مخابئهم أمامهم». – عجائب الأثار في التراجم والأخبار – عبد الرحمن الجبرتي

وكان مصطفى الكاشف قاسيًا فظًّا لا يخضع عقابه لأي قانون، فكان يقطع آذان الرجال إذا خالفوه لأتفه الأسباب. يروى عنه أنه صادف عجوزًا يسوق حميرًا تحمل بطيخًا، فاستوقفه وسأله عن سعر واحدة منها، فأشار الرجل إلى أذنيه وقد وضع سبابته عليهما، فلم يفهم الكاشف فكرر سؤاله مرات حتى ظن أن الرجل أصم، فقال له العجوز: «يا سيدي اقطعها، لأني لو قلت لك إن سعر البطيخة عشر فضات ما أعجبك وأمرت بقطع أذني، ولو قلت لك بخمس فضات لأمرت أيضًا بقطعها، فاقطعها ودعني أمضِ في سبيلي» فضحك المحتسب وترك الرجل يمضي. وهكذا أنقذت الفكاهة ذلك العجوز من عقاب المحتسب!

عقوبات لا حصر لها ابتكرها «الكاشف»

ولم يكن قطع الأذن هو العقاب الوحيد الذي ينزله المحتسب بالمخالفين، كانت هناك أشكال أخرى للعقاب، منها مثلًا أنه قطع مرة أوقيتي لحم من جسد أحد الجزارين، لأنه باع لأحد الأشخاص كمية من اللحم وأنقص منها أوقيتين. وفي عقوبة ثالثة أمر بوضع كنفاني عاريًا فوق صينية الكنافة النحاسية التي أخذت تدور به والنار مشتعلة تحتها، لأنه طالب زبائنه بأن يدفعوا أكثر من السعر المحدد، وأبقاه على هذه الحال حتى احترق. واعتاد أن يعاقب الجزارين بأن يضع في أنوفهم خطافاً يعلق به قطعة من اللحم للدلالة على جشعهم. وروى أنه صادف رجلًا يبيع قللًا من سمنود ويدعي أنه قلل قناوي، فما كان منه إلا أن طلب من المارة أن يكسروا القلل فوق رأسه.

لكن ذلك لا يعنى أن المحتسب كان حازمًا في تطبيق العدالة، الحق أنه لم يكن كذلك؛ فمثلًا يروى عن الكاشف أنه طلب من صاحب حمَّام شعبي أن يحمم حصانه، فاستغرب الرجل الأمر، وأرسل إلى الكاشف ماء وأدوات الاستحمام ليحمم الحصان في الإسطبل، لكن ذلك لم يعجب الكاشف، فذهب إليه مع نفر من مساعديه وأمرهم بضربه عاريًا على بلاط الحمَّام بالعصي حتى مات. ومن العجائب أيضًا كما يروي الجبرتي، أن يلقى «حجاج الخضري» وهو واحد ممن ناصروا محمد علي حتى تم تنصيبه واليًا على مصر، ويرد اسمه في كل انتفاضة شعبية ضد جيوش بونابرت والمماليك، حتفه على يد محتسب الوالي الجديد «مصطفى الكاشف»، فقد جرى اقتياده إلى الجمالية وشنقه على السبيل المجاورة لحارة المبيضة وقت السحور وتركوه معلقًا يومًا بليلة حتى أخذه أهله ودفنوه. يقول الجبرتي عن حجاج الخضري:

«كان مشهورًا بالشجاعة والإقدام، طويل القامة عظيم الهمَّة، وكان شيخًا على طائفة الخضرية، صاحب صولة وكلمة بتلك النواحي ومكارم أخلاق، وهو الذي بنى البوابة بآخر الرميلة، ولم يؤخذ بجرم يوجب شنقه، بل قتل مظلومًا لحقد سابق وزجر لغيره».

وحينما تطورت نظم الإدارة في عهد الخديوي إسماعيل، ألغيت وظيفة المحتسب وحلت محلها إدارة لإحكام السيطرة على الأسواق تابعة لوزارة العدل، والتي تطورت بدورها لتصل إلى «جهاز حماية المستهلك» وهو الصورة العصرية الأخيرة للمحتسب في مصر.

المحتسب في الأدب والسينما

وعن وظيفة المحتسب صدرت العديد من الأعمال الأدبية أهمها رواية «الزيني بركات» للكاتب جمال الغيطاني، والتي روت لنا في أسلوب أدبي سلس لا يخلو من تشويق وإثارة وغموض ومغامرات قصة القاضي بركات بن موسى. نشرها الغيطاني لأول مرة مطلع التسعينيات، وأعيد نشرها في أكثر من طبعة، كما تُرجمت للعديد من اللغات، كما صدرت في صورة عمل درامي يحمل الاسم نفسه من إنتاج التليفزيون المصري عام 1995.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد