مشهد من زمن بعيد ما زال حاضرًا في ذهني لا أنساه مهما مرت عليه السنون، فتاة في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) تودع أمها المسافرة في رحلة قصيرة خارج وطن الغربة المؤقت إلى دولة أخرى، زيارة قصيرة ولكنها المرة الأولى التي تشعر فيها الفتاة بمعنى الفقد وغياب الحنان.

رحلة قصيرة، ولكنها موجعة رغم وجود الأب والأشقاء حول الفتاة، ولكن ينقصها شيء كبير، إنه حنان الأم أحد أعمدة الأسرة الناجحة، أحببت أمي التي تحب تعلم كل شيء جديد، وتطور مهاراتها وتصقل مواهبها بالعلم وحب الاستكشاف، فأتقنت فن الكروشيه، وأحبت الخياطة والتفصيل، ولم تنس تعلم الوصفات المتنوعة في تحضير الطعام، وابتكار وصفات جديدة خاصة بها، ولم تتجاهل القراءة وحب الاطلاع فحفظت كتاب الله، وكانت معلمة ومربية أجيال.

أذكر مواقف رائعة كثيرة لأمي، فأيام قليلة تفصلني عن يوم ميلادها الذي يأتي في شهر الأم، ولكنها لا تعترف به ولا بعيد الأم كمناسبات يجب الاحتفال بها، وترى تجهيز الحفلات التي ينظمها الكثيرون وإعدادها عبثًا ومضحكة على العقول، وتتردد كلماتها البسيطة التي تحمل معنى؛ أن بر الأم كل يوم، وليس يومًا أو يومين في العام كما تروج مجتمعاتنا في وقتنا الحالي.

أمي ليست إنسانًا عاديًّا بل وعد الله بالجنة، وشرنقة الحب ودواء المرض وأنس الوحشة ومذيب القسوة، وهي نور البيت وبهجة العائلة وصفاء القلوب وأنعم حضن تحصل عليه في حياتك.

لأمي دور كبير في حياتي، فهي من علمتني وربتني وحملت على عاتقها مسئوليتي أنا وإخوتي في فترات سفر أبي وغيابه عنا وحضوره بيننا كذلك، وكانت أول معلمة مررت عليها في فترات التعليم المنزلي قبل سنوات المدرسة، وفي الفترات المتقطعة التي تفصل كل عام عن الآخر.

اهتمت أمي بغرس روح المثابرة وحب الاستطلاع في نفسي، فهي خير معين على تخطي الألم ومداراة الوجع، والصبر والعبور من المواقف الصعبة، والوقوف مرة أخرى بعد لحظات الانكسار، وساندتني فيما مررت به من تجارب وكانت على مقربة مني مهما تباعدت أجسادنا أو فرقت بيننا المسافات والحدود.

رؤية أمي تسعدني وتحملني إلى عالم آخر ليس فيه كره أو بغضاء، عالم نقي خال من الضغائن، لا أرى فيه إلا هي وأنا، عالم شعاره الصراحة فلا يعرف المواربة والخداع، تمدني بالنصح في أوقات الحيرة، وباللوم بعد التسرع والوقوع في الخطأ، ثم بالتربيت في نقل الأحاسيس وتقديم الدعم اللازم بعد الصدمات والمواقف الصعبة.

كثيرًا ما حملت لقب «بنت أمها» ممن حولي من الأقارب، بسبب تبني وجهة نظر والدتي في كثير من الأمور والمواقف والآراء التي لا يجانبها الصواب إلا نادرًا؛ فلأمي نظرة ثاقبة لا تخيب فيمن حولها، وهي كتلة متحركة من الحنان وشعلة من الأمل، وأرى الحقيقة فيها واضحة مثل وضوح الشمس، فيتشابه حنانها بأشعة الشمس النابضة ويضفي دفء قلبها على المحيطين بها، ربما هي الشمس!

أرى أمي مختلفة فهي ليست ككل النساء؛ علمتني أمي الحب، ومساعدة المحتاج، وإطعام الطعام، وتقبل الآخرين مهما كانت طبائعهم، والتكيف مع المخالفين، وخلق مساحات مشتركة بيني وبينهم، وعدم التنازل عن الحقوق أو التهاون فيها، علمتني أن الظلم ظلمات، وأن للظالم نهاية إن عاجلًا أو آجلًا، وأن الحق سينتصر ولو بعد حين.

يبقى أبي وأمي -حفظهما الله- أيقونات مهمة في حياتي، وبوصلة مكتملة لا أراها تخطئ مسارها، ولكن يعجز لساني عن التعبير عنهما، وتتوقف كلمات الوفاء والعرفان أمام صورهما البهية. يتجسد فيهما مفاهيم: الأمان، والراحة، والاستقرار، والسكينة، والطمأنينة، وهما الوجه الآخر للحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد