لا لا إنه مستوى آخر من الهروب من الواقع، أو أننا قد تخطينا مرحلة الهروب من الواقع بأكملها أصبحنا نخلق واقعًا خياليًا ونعيش فيه ولا نلقي بالًا لذاك الواقع المحيط، ولماذا؟ يبدو أننا لن نستطيع مقاومة الواقع في تفكيرنا أو في عقلنا فضلًا عن عجزنا أمامه على الأرض، إذن فالهروب هو الحل ولكن تلك طريقة قديمة، نحن الآن نقدم لك الجديد، اخلق لنفسك واقعًا آخر واقتنع به وأنسى ذاك القديم الذي لا ترث منه إلا الخوف والشعور بالتحدي والتعب، لا نحن نقدم لك راحة البال على طبق مطلي بالذهب ولكنه الذهب المسمم.

وعلى غرار أصحاب السد هؤلاء الناس الذين كانوا يعيشون في مدينة تحت سد عال وقد أخبرهم المهندسون أن هذا السد آيل للسقوط وفي طريقه إلى الانهيار، فأنكروا جميعًا هذه الحقيقة، ليس من أجل أن لديهم وجهة نظر أخرى أو أن أحدًا قد قام بخداعهم، لا فقط لأن عقلهم لا يريد أن يتصور أن هذا السد سينهدم؛ لأنه لو انهدم لغرقت البيوت والقرية بأكملها، أو لعل المهندسين قد جن جنونهم ويريدوننا أن نترك مشاغلنا ونقوم بترميم هذا السد، لا لا تصدقوهم هذا السد بخير وسيصبح «قد الدنيا».

إذن ما النتيجة، قريبًا سيأخذهم السد بمائه في جولة حول الدنيا.

تلك بعض الصور والتي تم تصويرها لأصحاب السد أثناء عملية إنكار الواقع «لحظات ما قبل الكارثة».

صورة 1: الجنيه في بلاد العجائب

كيف أستطيع أن أهرب من الواقع وقد حاوطني من كل اتجاه، إن ذلك الدولار قد تفشى في عروقه الأدرينالين المنشط، ولا يغمض له جفن كل ليلة إلا وقد زاد أمام الجنيه قرشًا أو بضعة قروش، فما الحل؟

الحل في وجهة نظر هؤلاء ليس في الهروب كما كان، لا، إنه في خلق واقع جديد لا وجود له، كأن نقتنع مثلًا أن الدولار سينهار غدًا أو بعد غد، حسنًا وإن لم ينهار! ليس هناك مشكلة هذا الغد سوف يأتي يومًا، نحن في الطريق الآن.

حسنًا، حسنًا فلتصحبكم السلامة «جو تو هيل».

وماذا لو لم يستطع أصحاب السد خلق هذا الواقع القريب الذي سوف يسكنون فيه أثناء عملية انهيار السد؟

إنهم أعظم شعب في العالم لا تقلق لديهم طرقهم الخاصة منها على سبيل المثال تلك الصورة.

صورة 2: المستقبل البعيد الذي لا يأتي

نحن نظرتنا ليست قاصرة كنظرتكم، نحن ننظر إلى المستقبل البعيد الباهر، أما أنتم فنظرتكم قصيرة تريدون كل شيء على عجل! إن صاحبنا هذا يبني لنا قريتنا، ولكن كل مشاريعه لن تأتي ثمارها إلا في المستقبل البعيد والتي لا يشعر بها أحد الآن على الإطلاق!

– وأين هي مشاريعه؟

– هو قال إنها موجودة

– ولِمَ صدقتموه؟

– لقد أقسم بالله

– نعم، أعتذر لم أكن أعلم أنه قد أقسم بالله.

صورة 3: إحنا ماشيين بالبركة

وبعد الإقرار أن كل هذا الكون بما فيه لا يسير إلا برحمة من الله، ولولا فضله ما دامت ذرة على ذلك الوجود، نأتي نحن لنضع لمستنا السحرية على ذلك الإقرار فنقوم بتدمير صحتنا بكل ما أوتينا من قوة ثم نقول بكل أريحية نحن شعب غير قابل للأمراض نحن المصريون «عايشين بنور ربنا»، حسنًا يا سيدي نحن جميعًا مصريون وأفغان ومغاربة وهولنديون وفنزويليون نحيا بنور الله وبرحمته، ولكن ما قد غفلت عنه أنك تحيا الآن، الآن فقط أنت لا تعلم ما تخبأه لنفسك في المستقبل، ولأنك قد شربت من مياهها الملوثة وأكلت طعامها الملوث وفعلت كل ما يحلو لك ولم تتأثر صحتك هذه لأنك في البداية فقط أو في ريعان شبابك، كل تلك القنابل الموقوتة فقط يتم تخزينها لحين إشعار آخر بعد الأربعين أو بعد الخمسين حينما يحلو لتلك القنابل أن تنفجر، أتريد أن تعرف هل بالفعل هذا الشعب هو مضاد للبكتيريا والفيروسات والتلوثات والعدوى أم لا، خذ رحلة بنفسك إلى أي من المستشفيات العامة التعليمية، وألق نظرة بها لتعلم كم أن هذا الشعب -مبيحوقش فيه حاجة- كما تدعي أو كما تأمل أن يكون لكي تستمر في رحلة الهروب من الواقع هل تعلم أن نسبة انتشار فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي في مصر هو أكثر من 10% أي أنك تمتلك حوالي 10 مليون مصاب بفيروس قاتل خطير كهذا، هل تعلم أنك تفقد سنويًا 72300 مواطن بسبب السراطانات المختلفة وفقـًا لموقع cancerindex.org

هل تعلم أن نسبة انتشار الأنيميا بين السيدات إلى عام 2012 هي 35% وبين الأطفال هي 45% وفقـًا لموقع  indexmundi.com

وذلك بسبب سوء عملية التغذية.

نعم إنها لحظات ما قبل الكارثة وأصحاب السد في بناء وهم الواقع الموازي.

وأين الحل؟

هذا السؤال لكم هذه المرة وليس لي؛ لأني لا أعلم، فهذا الشعب حقـًا «ملوش حل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد