كلنا نمر بفترات صعبة في حياتنا مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرض لحادث خطير، أو خسارة مالية، أو فقدان منصب.. وكلنا نمر على العكس من ذلك بفترات نكون فيها سعداء جدًا مثل الارتباط بشخص نحبه أو الحصول على ترقية أو الاستمتاع بسفر.

حاول أن تتذكر أمرًا أو حدثًا جميلًا وقع في حياتك وأسعدك كثيرًا، ثم اسأل نفسك: كم استمر معي هذا الشعور بالسعادة من الوقت؟

حاول الآن تذكر حدث صعب مر في حياتك، ثم اسأل نفسك نفس السؤال: كم بقيت على هذه الحال من الوقت؟

إذا كان جوابك أن ذلك الشعور أو تلك الحال لم يدوما طويلًا وأنك سرعان ما عدت لحياتك العادية وحالتك السابقة لهما، فإنك لا محالة عشت تجربة «طاحونة المتعة (hedonic treadmill)».

أولًا: مفهوم طاحونة المتعة

طاحونة المتعة أو اللذة كما يعبر عنها إيان موريس في كتابه (تعلم ركوب الأفيال) هي: «ذلك الشعور الذي نحصل عليه بعد أن نصبح معتادين على التغيير في الظروف. إنه شعور في هوس امتلاك الأشياء المادية، وتقليد الآخرين في الاستهلاك لتغطية الشعور بالنقص، حتى لا نظهر بأننا أقل من الآخرين اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا».

كما يعتبر عالم النفس الإيجابي مارتن سليجمان في كتابه الرائع (السعادة الحقيقية) أن طاحونة المتعة عائق من عوائق رفع السعادة في حياتك؛ لأنها تتسبب في التكيف السريع الخالي من المقاومة مع الأشياء الطبيعية والتسليم بها. بل تصبح الأشياء التي بذلت جهدًا كبيرًا من أجل تحقيقها بلا أي أثر في إسعادك فتبدأ البحث عن أشياء أفضل لرفع مستوى سعادتك إلى أعلى، لكنك سرعان ما تعتاد الإنجاز التالي وتتكيف معه.

ويتساءل سليجمان مؤكدًا هذه الحقيقة: «لو لم تكن هناك طاحونة، فإن الأشخاص الذين لديهم أشياء طيبة كثيرة في الحياة سوف يكونون أكثر سعادة، بوجه عام، من الأقل حظًا. ولكن الأقل حظًا يتمتعون، بشكل عام، بنفس قدر سعادة الأكثر حظًا». ويضيف مؤكدًا على أن «الأشياء الجميلة والإنجازات العالية – كما أثبتت الدراسات – ليست لها قدرة كبيرة على الإطلاق في زيادة السعادة بشكل دائم ومستمر».

ثانيًا: أمثلة من الإنجازات التي تقع تحت تأثير طاحونة المتعة

يذكر مارتن سليجمان عددًا من الأمثلة عن الإنجازات التي تقع تحت تأثير طاحونة المتعة وسرعان ما تفقد أثرها، نذكر منها:

1- في أقل من ثلاثة أشهر تفقد الأحداث الرئيسة، مثل الفصل من العمل، أو الترقي، أثرها على مستوى السعادة.

2- الثروة، والتي تجلب في أعقابها مقتنيات أكثر بكل تأكيد، لها تأثير ضعيف بصورة مدهشة على مستوى السعادة. إن الأغنياء أسعد بقدر ضئيل فحسب من الفقراء.

3- الدخل الحقيقي قد ارتفع بشكل كبير في الدول الغنية خلال نصف القرن الأخير، ولكن مستوى الرضا عن الحياة أصبح فاترًا تمامًا في الولايات المتحدة ومعظم الدول الغنية الأخرى.

4- الصحة البدنية لا يكاد يكون لها دخل في السعادة، بالرغم من أنها أكثر قيمة من كل الموارد.

ثالثًا: أمثلة عن حالات تخت تأثير طاحونة المتعة

ومن الأمثلة الطريفة المجسدة للوقوع في حبائل شبكة طاحونة المتعة، ماذكره إيان موريس (تعلم ركوب الأفيال) عن الصحافي لويس ثيروكس، والذي أعد فيلمًا وثائقيًا للتلفزيون البريطاني عام 2007 عن آثار عملية التجميل، حتى أنه أجرى عملية لسحب الدهون لكي يرى أثر ذلك عليه.

ومن أكثر الأشياء التي لاحظها في العيادات التي زارها هو عدد الأشخاص الذين ظلوا يترددون عليها. وفي إحدى هذه العيادات، أعدت له السكرتيرة جدولًا زمنيًا بالعمليات التي أجرتها والعمليات التي تنوي إجراءها. وعرف منها أنها أنفقت آلاف الدولارات على تصحيح مناطق مختلفة من جسمها بدءًا بتكبير صدرها ووصولًا إلى إزالة الشحوم من ساقيها أو بطنها، ولكن كل ذلك لم يكن كافيًا! فبالرغم من أنها كانت لا تزال تتكيف مع نتائج كل عملية، فإنها كانت تتحرق لإجراء المزيد!

من جهته قام عالم النفس بجامعة هارفرد دان جيلبيرت بدراسة الرابحين في اليانصيب ووصل إلى نتيجة مفادها أن تأثير السعادة ينطفئ بعد ثلاثة أشهر في المتوسط.

رابعًا: نقطة تحديد المتعة.. العدل الإلهي

تشير نقطة تحديد أو ضبط المتعة، في علم النفس، إلى المستوى الأساسي العام للسعادة التي يمر بها الشخص طوال حياته، على الرغم من أي تغييرات مؤقتة في المستوى من أحداث الحياة الإيجابية أو السلبية. بحسب نظرية تكيف المتعة أو طاحونة المتعة فإن الأحداث والعوامل البيئية يمكن أن تؤثر على السعادة على المدى القصير، إلا أن الناس سوف يتكيفون بشكل طبيعي مع نقطة تحديد المتعة على المدى الطويل (أي يعودون إلى نفس النقطة ونفس المستوى الثابت).

مما يؤكد وجود هذا المستوى الثابت من السعادة في حياة الناس؛ ما توصلت إليه أبحاث عالمة النفس الإيجابي الدكتورة صونيا ليوبوميرسكي (جامعة كاليفورنيا) . فقد حددت في كتابها الناجح The How of Happiness (السعادة: كيف؟) أن نسبة 50% من سعادتنا ترجع لعوامل وراثية، و10% مرتبطة بظروف الحياة والباقي أي 40% يمكنك التحكم فيها وتحت سيطرتك.

لذلك فإن نسبة 60% من سعادتك غير مرتبطة بك وتشير إلى «نقطة ضبط المتعة» وأن كل ما يمكنك تغييره لإضفاء مزيد من السعادة هو 40% المتبقية وهي تشير إلى حرية الفرد في تغيير أوضاعه إلى الأحسن.

خامسًا: كيف نتعامل مع طاحونة المتعة (تكيف اللذة)؟

يقترح الدكتور رولف دوبلي (فن التفكير الواضح) النصائح التالية:

1- تجنب الآثار السلبية للأشياء اليومية في حياة الإنسان، والتي لا يعتادها حتى بعد مرور زمن طويل كالضوضاء مثلًا.

2- لا تتوقع تأثيرًا طويل المدى للأشياء المادية كشراء سيارة، أو بناء منزل، أو الفوز بجائزة.

3- التركيز على الكيفية التي تمضي بها وقتك: افعل ما يتوافق مع شغفك، استثمر في الصداقات.. لأن تأثيراتها الإيجابية طويلة المدى.

من جهتها تقترح سونيا ليوبوميرسكي ثلاث إستراتيجيات سلوكية وإدراكية تقوم بتحسين السعادة:

1- تذكر أن الحياة قصيرة: لذلك عش كل يوم وكأنه آخر يوم في حياتك.

2- أدخل تغييرات على حياتك: الأحداث الجميلة سرعان ما تتأثر بعملية التأقلم أو طاحونة المتعة، لذلك يجب إدخال التنوع إلى حياتك فهو يقاوم هذا الأثر.

3- التركيز على الآخرين: في دراسة قامت بها ليوبومرسكي فإن الأشخاص الذين قاموا بعمل يسعد صديقًا أو فردًا من العائلة فإنهم سجلوا زيادة في سعادتهم الشخصية مقارنة بمن لم يقوموا بذلك.

تقول سونيا ليوبوميرسكي: «باختصار شديد يمكنك العثور على ينبوع السعادة في كيفية تصرفك وما تعتقده والأهداف التي تحددها كل يوم في حياتك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعادة, لحظات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد