المنصف الهوايدي رجل على أبواب الأربعين، وقد يكون تجاوز ذاك العمر بسنوات قليلة، هو أب لثلاثة أطفال يستعدون كغيرهم من أبناء الشعب التونسي إلى العودة إلى المدرسة، المنصف الهوايدي له عربة لبيع التين الشوكي، يسترزق منها ليعيل عائلته الهادئة، المنصف أيضًا إنسان ملتزم سياسيًا بقضايا الوطن والشعب، طبعًا  في تونس لم يزل جهاز البوليس يعاني من عقيدة الدكتاتورية، الغريب أن عددًا من البوليسية بمن فيهم إطار أمني أراد أكل ثمار من التين الشوكي بالمجان بدون مقابل من المنصف! المنصف تصدى لهؤلاء، المنصف الآن موقوف، بعد جولات من الضرب والتعدي عليه بالسب والشتم، موقوف لأنه تصدى لممارسات البوليسية لتجاوزهم للسلطة المنوطة بعهدتهم، ومن غرائب هذه الدولة أن تكون دومًا معاقبة لأبناء شعبها في حين أن المجرمين والفاسدين يرتعون فيها كما شاءوا، أدعو الجميع إلى التضامن مع المنصف ودعم أبناء الشعب بالنضال والدفاع عن حقوقهم.

في زمن الخيبات التي لا نود إهدائها لغيرنا من الشعوب، وفي تلك اللحظة التي يجوب فيها الساديون شوارع مدينتنا الخائفة، باردة الشوارع ومطفأة الأنوار.. وبين طمسهم للحياة باحتسائهم لأكواب دمنا السائلة في محلاّتهم المُقننّةِ، وببقايا سجائرهم الكريهة التي أطفوها على جلودنا، بتحقيقاتهم المجرمة ضدّنا بتهمة «حبّ الوطن» موازيًا عندهم: «الاعتداء على موظف عمومي أثناء أداءه لعمله»، أبناء الشيطان دنسوّا شرف المدينة، أبناء الشيطان أبكوا أمهاتنا، وحبيباتنا، وخجلي من دمعِ أيّ أبٍ يسيل دمعه.

سمعتُ صراخ جدران تشققت شفاهها بنداء الوطن، شوارع اهترأت أوصالها تحت أقدام الغدر، سماء تُفاوِض الأرض على المطر، وتراب تلسعه أشعة الشمس لتُضيء ذراتُه طريقَ أبنائه الأوفياء.

إنّه جوع الثورة التي تغربّت يا رفيقي المنصف، وجع الشهداء المكبليّن في أعالي السماء، ارسم لك لوحة من الأفق والتي لا أهديها إلا لمن يشرقون فيها الرجال والبنادق، لقد باعوا يا صديقي أرضهم ومسجدهم وتخلوا عنها وانسحبوا ذائلين.

هذه البلاد لم تشبع بعد من دماء أبنائها، عندما أتكلم معها ليلًا: يا بلادي ألم ترتوي بعد من دمنا؟ إلا يكفيك ما سال على ثراك من أجسادنا المتهالكة، من عرقنا، من جثثنا، من دمنا! لماذا أنتِ عطشى إلى هذا الحدّ؟ فقط تشير إليّ بأن أنظر إلى خيوط الشمس فجرًا وهي تلامس الأرض وورود الشهداء.

لقد أصبحنا لديهم، من المتملقيّن: متطرفين، متمردين،، مسلحين، والآن مجرمين، ونعتدي على الموظفين أثناء أدائهم لعمله، لكننّا نفتخر بهذه المسميّات رغم اختلاف معانيها، متطرفين في انحيازنا للشعب ومتمردين على قوانينهم ونواميسهم التي خربت المجتمع، ومسلحين بالفكر والساعد من أجل وطن حر وشعب سعيد. ومجرمين ضدّ أي يد تستغّل وتفقّر هذا الشعب الجميل.

لم يفقهوا بعد أن الوطن البيت والسعي والرزق والطموح والأمل وقهوة الصباح والجريدة والخمر والمسجد والكنيسة ومنبت الزيتون وملعب كرة القدم والمطر.. لم يفهموا أن الوطن بندقيّة وكتاب وتشييد وحبّ. أن ّ الوطن عقيدة وإيمان، وليس مجرد أن تكون عنده رقم.

نحن نبني هذا الوطن، وسيُبنى لكن على ماذا؟ على أحلام من تبقى من الشرفاء؟ أم على شعب يتلذذّ بدور الضحيّة والاستكانة والتبرير، أم ندعو أن تصيبنا الرصاصات وراء الرصاصات لتريحنا من عذاب الجوع والخوف؟ أم رصاصات تدفعنا لإعلاء درب المقاومة وتحرير العمل!

ليس لهذا النصّ ختام، لكَ كلّ الحريّة يا رفيقي العزيز «المنصف»، لكَ كلّ الحبّ، الخزي والعار للخونة والساقطين،
أقدامنا فيهم، وفي حكوماتهم وفي نظامهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!