الطبيعي في أية بقعه من بقاع العالم أن يكون الإعلام نزيهًا، وموضوعيًا وغير مُـسيّس، ولكن عندما تخرج أية دولة عن هذه الطبيعة، تحدث كوارث بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالإعلام هو العين التي يبصر بها الشعب، ولذلك فإن غيابه يعني أن الشعب قد أصيب بالعمى. وهنا في مصر ـ إحدى الدول الخارجة عن الطبيعي ـ تحدث الكثير من الكوارث بسبب فساد منظومة الصحافة والإعلام. والمألوف في الدول المتقدمة أن اتهام أي مؤسسة بالفساد هو مجرد شبهة تحتاج لإثبات، ولكن في مصر يصبح مجرد وصف أي مؤسسه بالصلاح والاستقامة هو مجرد شبهة تحتاج لإثبات، وقد أشُيعت شبهة حيادية الإعلام في مصر مسبقًا على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل كثير من مؤيدي النظام، وفي هذا المقال سأعمل على دحض هذه الشبهة، وأنا هنا لا ألعب دور المخرب الذي يتمني، ويشتهي الفساد في وطنه، ولكن أسعى للوصول لمرحلة الاعتراف بالمرض؛ حتى نبدأ في البحث عن علاج له.

يُقال إن الإعلاميين لن يستفيدوا شيئًا من النفاق، والتدليس للنظام الحاكم، وإنهم يتقاضون أجورًا مجزية، ولا يحتاجون لأموال رموز النظام. وهذه ـ بالطبع ـ مغالطه كبيرة، وسذاجة أكثر منها عقلانية، فصاحب هذا الاعتقاد يظن أن الإعلامي يمتلك الاختيار، وإنه يستطيع النقض، ولكنه هو الذي يتركه. ولكن عند معاينه الواقع والتخلي عن التكهنات والافتراضات نجد أن أكثر من 80 % من الإعلاميين يعملون في قنوات مملوكة لرجال أعمال هم من أقوي رموز النظام، وغن اختيار نقد النظام ـ في خارج الإطار المسموح ـ غير متاح أصلًا، وإن بقاءهم في مواضعهم مرهون بعدم إهانة النظام الذي يتمتع فيه رجال الأعمال هؤلاء بامتيازات ونفوذ كبيرة منها التهرب من دفع مليارات الجنيهات لمصلحه الضرائب. وعندما أصر بعض الإعلاميين، كـ«باسم يوسف» أو كـ«يسري فودة» و«ريم ماجد» و«ليليان داود» على انتهاج هذا الاختيار، أطاحت بهم القناة ـ المملوكة لـ«نجيب ساويرس» آنذاك ـ من مواضعهم، وهذا ما صرح به يسري فوده في لقاء سابق مع «محمود سعد».

يحارب معظم الارستقراطيين ورجال الأعمال ليل نهار حتى يبقى النظام مسيطرًا، ويتعاملون مع كثير من الملفات التي تهدد أمن نظام السيسي بكل ما أتوا من قوة، وبكل ما يملكون من منابر إعلاميه، وقد أكد ذلك الافتراض رجل الأعمال «محمد أبو العينين» عندما استقطب عضوا في البرلمان الإيطالي وقدمه في حوار بحضور الإعلامي «أحمد موسى» كزعيم الأغلبية في البرلمان الإيطالي ـ وقد ثبت بعد ذلك أن البرلماني الإيطالي لم يكن زعيم الأغلبية ـ ليتحدث السيناتور عن ملف الطالب الإيطالي المقتول من قبل الشرطة «جوليو ريجيني»، ويقول إن بلاده تثق في نزاهة النظام، وتثق بأن الشرطة المصرية بعيدة عن الأمر، وأن بلاده تحرص علي توطيد العلاقات، ثم نكتشف أن كل هذا كان مسرحية رخيصة قامها ذلك الرجل واستأجر برلماني إيطالي كان متهمًا من قبل بالقيام بحركات جنسيه لزميله له اثناء نقاش في البرلمان، و ذلك حتى يثبت لمشاهدي هذه المسرحية أن النظام آمن وأن هذا الملف غير شائك، ولا يوجد منه أية خطورة، وان ايطاليا غير منزعجة، فيصدق الجهلاء والسّذج ويطمئنون، ولا يعرفون بأن البرلمان الإيطالي صوت على إيقاف تصدير الأسلحة إلى مصر منذ فترة، وأن المحققين الإيطاليين منزعجين من تباطؤ الجانب المصري في التحقيق.

وكذلك يؤكد هذا الافتراض الإعلامي «سعيد حساسين»، فهذا الرجل يدافع ـ بشكل غريب ومبتذل ـ عن سلامه نظام السيسي، فيستقطب في قناة العاصمة التي يملكها أنماط إعلامية تهوى النفاق والتبرير والتدليس، ومن الجدير بالذكر أن حساسين متهم في قضايا كثيرة بالنصب والاحتيال، وفي كل مرة يصدر فيها حكم بإغلاق صيدلياته التي تبيع أدوي ووصفات علاجية غير صحية، يعاود فتحها مرة أخرى؛ ليستكمل رحلة احتياله، ولا يعرف أحد كيف يقوم بهذه المخالفات القانونية علنًا ولا يحاسبه أحد!

وغيرهم من رجال الأعمال كمحمد الأمين، وأحمد بهجت ونجيب ساويرس وأبوهشيمة، الذين يحاربون لبقاء النظام العسكري، فهم يصلون إلى ما يرنو إليه في ظل هذا النظام الذي يسيّر لهم استثماراتهم ومشاريعهم ويستفيد من منابرهم الإعلامية استفادة قوية، والدليل على ذلك ما حدث مع المستشار هشام جنينة مؤخرًا.

فمنذ فترة كشف رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار «هشام جنينة»، عن تقرير أعدّه الجهاز يوضح حجم الفساد في مؤسسات الدولة ومستثمريها وتسهيلات غير قانونية لبيع أراضي وشركات لرجال الأعمال، والذي يقدر ـ على حد قوله ـ بـ 600 مليار جنيه، فماذا فعلت الدولة تجاه ذلك التقرير؟ أعد السيسي قانونًا يتيح له عزل رؤساء الهيئات الرقابية ـ حيث لم يكن الأمر متاحًا له من قبل ـ ثم مرّره للبرلمان الذي وافق عليه سريعًا، ثم عزُل هشام جنينه، وتم تحويله لنيابة أمن الدولة، التي بدورها قامت بتوجيه إليه تهم هزلية، كتشويه سمعه مصر بالخارج، ونشر أخبار كاذبة، وتمت محاكمته وتغريمه آلاف الجنيهات.

وشاهدنا جميعًا الحريق الذي نشب مؤخرًا في شارع الرويعي بالعتبة (أكبر شارع تجاري في القاهره)، وما تلاه من اتهامات صريحة طالت الحكومة والنظام الحاكم استنادًا إلى شهادات التجار وسكان المنطقة التي تحتوي على أدلة مباشرة تدين الحكومة ومنها:

– تعمد النظام ترك الحريق يسري 14 ساعة كاملة، على الرغم من أن مركز الإطفاء المركزي في مصر على بعد خطوات قليلة من شارع الرويعي.

– إشتعال الحريق في ساعة متأخرة من مساء يوم الأحد، وهو يوم إجازة رسمية للمحلات.

– مشاهدة سكان الحي لأفراد يقذفون «بودرة» سريعة الاشتعال على المحلات.

– خروج دراسات حكومية بمجرد اندلاع الحريق، لنقل سوق الرويعي والأسواق المجاورة إلى أماكن أخرى، كما أكد نائب محافظ القاهرة للمنطقتين: الغربية والشمالية لوجود إدارة سياسية لإخلاء المنطقة وتسليمها لرجال الأعمال.

وأكدت كثير من الشهادات وجود تواطؤ بين الحكومة ورجال الأعمال لتدبير هذه الواقعة بهدف إخلاء المنطقة لصالح بعض رجال الأعمال.

اذن؛ فاختيار نقد النخب الحاكمة ليس متوفرًا من الأساس أمام الإعلاميين والصحفيين، وعند اختلاقه يجد الإعلامي نفسه جالسًا في البيت بدون عمل؛ وذلك لأنه يكون في هذه الحالة متناقضًا مع المحتوى الذي تسعى إدارة القناة لتقديمه، وهو محتوى يحافظ على بقاء مصالح مالكيها قائمة في الدولة.

وبالرغم من ذلك التضليل الممنهج والمستمر الذي يقوم به هؤلاء، تظهر الحقيقة لكل مريديها الذين يسعون إليها بحق، وتنجلي الأحداث والوقائع التي تكشف كل مسكوت عنه، وأحيانًا يكون المتكلم هو الإعلام نفسه؛ لأنه دائمًا ما يخفق في التلاعب في الأحداث والحقائق، ويضطر إلى نقلها كاملة، ولكنه يحاول التلاعب من خلال التحليل والتعليق، الذي يخدع الجاهل قليل الاطلاع، ويسقط أمام كل صاحب عقل متفتح ومطّلع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد