لم تكن قضية جمال خاشقجي صدمة للعرب بقدر ما كانت صدمة لزملائه في الصحافة الغربية، فهي ليست أولى سقطات ابن سلمان ولا آخرها. وإن كانت كشفت عورته أمام العالم كله، فان العالم العربي على دراية تامة (باستثناء الذباب الإلكتروني طبعًا!) بتاريخ آل سعود الأسود بداية من حرب الخليج وتآمرهم مع الغرب لتدمير العراق، إلى غاية ما يفرضونه على السلطة الفلسطينية لتمرير صفقة القرن. فاللعبة أصبحت مكشوفة والربيع العربي عرف من هو الصديق ومن هو العدو. وإن كان ابن سلمان قفزة مقارنة حتى بابيه، وهو من يقود الخليج بسرعة جنونية إلى مستقبل أقل ما يقال عنه تراجيدي.

ابن سلمان تحول إلى ثقب أسود يمتص إمكانيات الخليج المالية ويوظفها في كل الأماكن الخطأ، بل يهدد بابتلاع الشرق الأوسط كله. لم يحتج طال عمره سوى ثلاث سنوات حتى يجهز على اليمن، المدنيين طبعًا وليس الحوثيين، ومصر وحتى السعودية التي استنزف مواردها المالية وحطم مستقبلها الاقتصادي. وعلى الرغم من سرقته لثروات أبناء عمومته أدخلها في ضائقة عن مالية خانقة، وقد لا يستطيع ولي العهد دفع دية خاشقجي لترمب هذه المرة. وإن كان ابن سلمان استنفد البترول السعودي، فإن المدخرات الإماراتية مازلت وفيرة ليصرفها ابن زايد على دمار ليبيا واليمن وحصار قطر وأرهبة المعارضين، خصوصًا من الإسلام السياسي وهو من اتخذ من الإخوان المسلمين عدوًا رئيسًا، بالرغم من أن لا حول لهم ولا قوة.

مراهقة سياسية وفشل عسكري وبلاهة دبلوماسية، واضح حال الخليج للأعمى قبل البصير. كيف لا ومن حولهم يزينون لهم سوء أعمالهم، فإن كان مستشاروك هم تركي أل الشيخ وعادل الجبير وسعود القحطاني، كيف لا تخرج قراراتك بهذه الغطرسة السذاجة! فالحماقة يحتفي بها هذه الأيام في قصورهم، وليس من عاقل ليقول أوقفو هذا الهزل كان شجارًا بين خاشقجي والمنشار، آخر مسرحيات المخرج السعودي. كوميديا سوداء تستفز جراحنا وتمتهن كرامتنا، بل تحتقر عقولنا. لم يتقن (طال عمره) تصويرها ولا نجح في صياغة سطورها التي لم تخل من الأخطاء الإملائية أجهزت على ما بقي من ماء وجه المملكة التي تبعثرت كرامتها وكرامة شعبها تحت أقدام دكتاتور دب لا يفقه في السياسة شيئًا.

فهل ذهاب ابن سلمان وابن زايد الآن يعيد ما ضاع؟ وهل بقي شيء يخاف عليه أهلنا في الخليج؟ ربما، لكن على الأقل سيخفف من وطأة جراحهم وجراحنا التي ما فتئ الآخرون يدوسون عليها، وقد يعيد بعض المظلومين، ويقر عيون بعض أمهات اليمنيين. رحيل ابن سلمان لن يعيد خاشقجي، ولن يصلح للأسف حال الخليج سوى اقتلاع هذه الأسر الحاكمة الفاسدة المفسدة التي وقفت حاجزًا ضد التغيير وسدًا منيعًا ضد رياح الربيع العربي ومصير العرب وليس الخليج وحده واقفًا على ذلك، فهل يكون موت خاشقجي بداية النهاية؟ وهل يقتنع رؤوس الاستعمار بضرورة تغيير وكلائهم في المنطقة قبل أن يحرقوها؟ فإن استمر الحال هكذا، فلن يجدوا منطقة لينهبوها ولا شعوبا ليستعبدوها. شبح الموت ورائحة الخوف تخيم على هذه المنطقة في عهد ابن زايد وابن سلمان ولا خيار أمام السعوديين سوى بابين، أولهما باب الموت، والثاني باب تغيير محتمل لولي عهدهم قد يفك الخنواق عن رقابهم ولو قليلًا. فهل يفعلها الأتراك؟

الكرة الآن في ملعبهم والأدلة في أيديهم، وبينهم وبين ابن سلمان حساب قديم، من أيام انقلاب 2016 الذي تردد حينها كلام عن تمويل السعودية له بأربع مليارات دولار. أو لعله ترامب من سيغدر بحلفائه هذه المرة، وهو اليائس باقتراب الانتخابات النصفية لأي حبل ينقذه بعد أن هوت شعبيته وكثر أعداؤه في الداخل قبل الخارج. أيًا كان من سيرسلها فليصوب جيدًا فمصير ملايين الخليجين واليمنين، بل العالم العربي قد يتغير إن لم يخطئ ثوب ابن سلمان. وأما نحن فننتظر ما ستؤول إليه الأوضاع فيما نترحم على من قال كلمته ومشي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد