تخرج السيد محظوظ من كلية العلوم وعمل بعدة وظائف في شركات الأدوية والكيماويات، إلا أنه فشل فيها جميعًا، وفصل منها لضعف أدائه، وتواضع قدراته، وأشار عليه أحد الأصدقاء أن يعمل بالتجارة فأخذ بنصيحته، وبدأ بتجارة الأدوية التي سرعان ما نمت وتكاثرت وانتفشت وتوسعت، وتغير الحال من الفشل إلى النجاح ومن التعثر إلى الانطلاق. ومن موقع الموظف إلى كرسي المدير. حيث تربع السيد محظوظ وانتفخ وانتفش وظهرت مواهبه الإدارية الرفيعة فهو يشترى ولا يدفع إلا بعد أن يبيع ويربح، ولا يسدد ثمن ما اشتراه دفعة واحدة، بل يقتطعه إلى دفعات متتالية ومتباعدة، وهو عند الدفع يماطل، وعند الأخذ يبادر ويتعجل. ولحسن طالعه ولحظه العظيم فتحت عليه أبواب الغنى والأموال، وأتخمت خزينته كما أتخمت معدته، وكلما ازداد غنى ازداد حرصًا وبخلًا.

أما فريق موظفيه فيخضعه السيد محظوظ لإجراءات مشدده من التقشف والتخفف والرقابة والمتابعة، فمواعيد العمل تأخذ النهار من أوله وربما تشمل الليل إلى آخره، ومناطق العمل تتوسع وتتمدد حسب المصلحة وحسب السوق، أما رواتب الموظفين فتحسب بالقرش لا بالجنيه، وتستقطع منها كل الاستقطاعات الممكنة وغير الممكنة، وتخرج من بين يدي السيد محظوظ بشق الأنفس، وينخلع مع كل جنيه فؤاده، ويتألم مع كل قرش ألم من تنتزع أحشاؤه.

السيد محظوظ هو واحد من كثيرين حولنا نمت لديهم العديد من الملكات التجارية والاقتصادية العالية والتي أثمرت ثروات اقتصادية هائلة. لقد تعلم هؤلاء التجار الناجحون تحقيق مكاسب مادية، وكذلك تعلموا أيضًا ألا يعيروا مشاعر الآخرين أية اهتمام. لقد أقام هؤلاء الناس تلك النجاحات الاقتصادية على أنقاض مشاعر الآخرين.

لقد أصبح النموذج التجاري القائم على الشراء بثمن قليل والبيع بثمن أكبر محققًا هامش ربح معتبر هو ذات النموذج الذي يسرى على التعامل الإنساني حيث يقومون من خلاله بشراء مشاعر الناس وأوقاتهم وجهودهم وخبراتهم بثمن قليل وإعادة تدوير هذه العملات الإنسانية لتصب فى جيوبهم أعلى ربح ممكن. إنهم يعاملون البشر معاملة البضاعة ويقيمون مشاعرهم تقييمًا تجاريًا ماديًا لا أكثر. والبشر في عرفهم ليسوا إلا أشياء معدودة وكميات محسوبة ولا يسجلون في دروب حياتهم إلا كما تسجل أرقام الدائن والمدين في كشوف الحسابات البنكية.

لقد رأيت كثيرًا من البشر الذين كما زاد حجم ثرواتهم أصبحوا كالحيتان الكبيرة، وازداد شرههم لصغار الأسماك، وازداد جشعهم للاستيلاء عما في يد الناس حولهم، حتى وإن كانوا فقراء أو معدومين. ولست أدري كيف لمن يتربح في الشهر 200 ألف أن ينظر لراتب موظف صغير لديه كأنما يقتطعه من كبده، أو ينسجه من نياط قلبه. وكيف لمن يربح مليونين أو ثلاثة أن يتفطر قلبه لمن يأخذ منه بضعة جنيهات قليلة.

هل تجعل الأموال البشر أكثر شرهًا، أم تصيبهم بداء النهم العصبي الذى لا يجدي معه شبعًا، ولا يوقفه رضا، ولا تكفيه قناعة؟ هل على الإنسان إذا أراد أن يصبح غنيًا أن يتجرد من معاني الشفقة والرحمة بالآخرين، وأن يحتقر عرقهم وجهدهم وخبراتهم، وينظر إليها على أنها أشياء لا ترتقي لدرجة علمه وذكائه وفطنته وقدراته. وأنه هو فقط من يستحق الكسب والربح والمال، والآخرون فقط لا يمكنهم أن يكونوا إلا أداة لزيادة أرباحه أو أصفار في خانات ملايينه.

لقد طالعنا التجار المسلمون الأوائل بفيض من مكارم الأخلاق والتعامل الطيب والتقدير لمشاعر البشر ما أبهر شعوبًا وأثمر فتحًا إسلاميًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وصنع هؤلاء مكاسب مالية ومادية كبيرة، ولكنهم قبل ذلك صنعوا مكاسب إنسانية وملكوا ملايين العقول والقلوب قبل أن يملكوا ملايين الدراهم والدنانير، بل لقد أدركوا قمة الإنسانية حينما يهتم التاجر لمشاعر منافسه، ويقدر أحاسيسه، فعندما يأتيه مشتر ليشتري منه يقول اشتر من جاري؛ فإنه لم يبع من أول النهار! لقد وصلت بهم الإنسانية إلى أعلى درجاتها، وأرفع منازلها، لقد أدركوا سر السعادة، وعمق العطاء الإنساني الذي لا يقتصر أبدًا على الربح المادي، وإنما يكون ربحًا معنويًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يقدر بثمن.

وحتى إن العصر الحديث ليطالعنا بأمثلة عديدة على إنسانية المال وقيمية التجارة والأعمال. فها هي أمازون طورت مبدأ تجاريًا جديدًا، واستحدثت تعبيرًا إنجليزيًا جديدًا على اللغة الإنجليزية (Co-petition) ومعناه دعم المنافس كبديل لعملية (Competition) أو التنافس مع المنافسين، فإذا كنت تبحث عن منتج على موقع أمازون، وهذا المنتج غير متوفر لديهم، ومتوفر لدى شركة أخرى منافسة لهم؛ عندها سيقوم موقع أمازون تلقائيًا بتحويلك إلى موقع الشركة والمنافسة. وهذا أيضًا الملياردير الشهير بيل جتس الذي ينفق جل ثروته على الأعمال الخيرية، وعلى مكافحة الأوبئة والأمراض وإنتاج أمصال جديدة لمقاومة الأمراض الفتاكة. إن الأموال الطائلة لم تجعل شخصًا كبل جيتس يتخلص من إنسانيته مع أول مليون أو مليار يمتلكه.

يقول الدكتور صلاح الراشد لماذا أغلب الأغنياء في بلادنا بخلاء؟ فهم يعيشون لأنفسهم، ويموتون على أنفسهم، ولا تستفيد منهم مجتمعاتهم، إلا كما تستفيد الإبرة من ماء البحر. إن بل جيتس نفسه أعطى من أموال شركته 30 مليار دولار لأحد شركائه، وهو بول إلين، الملياردير الرابع على مستوى العالم. ويتبعهم إستيفن بالمر الذي ربح من ميكروسوفت 13 مليار دولار، وهو الملياردير الرابع عشر على مستوى العالم، هذا غير الأغنياء المليونيرات الأصغر الذين استغنوا من وراء بل جيتس، بالطبع ليست هذه دعوه للمليارديرات الأكبر أن يخلفوا وراءهم مجموعة من المليونيرات والأغنياء فقط. وإن كانت الدعوة الأساس أن يظل الإنسان إنسانًا، وأن يستخدم المال في نشر الخير والسلام، وأن يكون سببًا فى إسعاد الآخرين من حوله؛ حتى تكتمل سعادته وتسلم ثروته.

وإن كان الأغنياء يملكون المال الوفير الذي يمكنهم من شراء كل شيء، فحتمًا هناك أشياء لا تشترى بالمال، فإذا مرض الغني فيمكنه أن يذهب لأفضل الأطباء في العالم، ولكنه لا يمكنه أن يشترى الصحة أو الشفاء. وإذا أراد أن يستجم فيمكنه أن يذهب إلى أغلى منتجعات كوكب الأرض، ولكنه لا يمكنه أن يشترى الاطمئنان والراحة والهدوء والسلام الداخلي. يمكن للمال أن يشترى أفضل الكتب وأثمنها، ولكنه لا يمكن أن يشترى العلم والحكمة والأدب والأخلاق.

هناك أشياء يملكها الخالق وحده، ويهبها للإنسان حينما يكون إنسانًا رحيمًا ومحبًا لأخيه الإنسان. وكلما ازداد الإنسان رقيًا وعطاءً، فإنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه. أو هكذا أرى القضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد