غسيل الأموال جريمة تنسج خيوطها الإجرامية حول عنق الاقتصاد العالمي، ونزيف الاقتصاد الوطني لحساب الاقتصاديات الخارجية؛ وذلك لاستفحال خطرها، وتهديدها للاستقرار الاقتصادي.

تعتبر هذه الظاهرة قديمة، فقد ارتبطت بعمليات القرصنة البحرية، وأيضًا في العصور الوسطى انتشرت القروض الربوبية التي حرمتها الكنيسة الكاثوليكية؛ لاعتبارها من الجرائم، ومن هنا بدأت فكرة غسيل الأموال.

ظاهرة غسيل الأموال هي تحويل العائدات غير المشروعة من نظام يقوم على النقد إلى نظام يقوم على العمل، ببساطة التصرف في النقود بطريقة تخفي مصدرها، وأصلها الحقيقي بمعنى أكثر وضوحًا إزالة الروائح القذرة عن هذه الأموال؛ حتى لا يتعرف على مصدرها.

في الحرب العالمية التانية شهدت أولى عمليات غسيل الأموال على المستوى العالمي، عندما قامت البنوك السويسرية بقبول الودائع من ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية عبارة عن أموال، وسبائك ذهبية تمثل الاحتياطي من الذهب لعشرة بنوك أوروبية، وقدرت بحوالي 10 مليارات دولار أمريكي.

جريمة غسيل الأموال تقوم على عنصرين مهمين وهما:

• إخفاء الرابط بين المجرم والجريمة، بمعنى إقامة عمليات متعددة بهدف طمس مصدرها الرئيسي، ووهم القانون بأنه شرعي.
• استثمار العائدات الإجرامية في مشروعات مستقبلية بمعنى استخدام هذه العائدات لتحقيق أهداف استثمارية بحتة ودخول هذه الأموال في الاقتصاد المشروع، وهذا يوفر لهؤلاء المجرمين المرونة الكافية لتحقيق الأرباح، وتحقيق المكانة الاجتماعية المرموقة، وليس التخفي والابتعاد عن أعين القانون.

غسيل الأموال جريمة متحصلة من جرائم أخرى مثل زراعة المواد المخدرة وتصنيعها والاتجار بها، والجواهر الثمينة، والغش والتلاعب، وخيانة الأمانة والتدليس، وتهريب الآثار، وتزييف المسكوكات، بالإضافة لاختلاس المال العام والعدوان عليه.

تعتبر الأموال الهاربة إلى البنوك الأجنبية للخارج واستقطاعها من الدخل القومي للدولة التي حققت هذه الأموال، يحرم هذه الدولة من العوائد الإيجابية التي يمكن الحصول عليها. فزيادة الدخول غير المشروعة، ومن ثمّ حصول الأفراد على دخول لا يستحقونها، في الوقت نفسه أصحاب الدخول المشروعة لا يحصلون على زيادة مناظرة فتحدث مشاكل اجتماعية واسعة لعدم العدالة في توزيع الأجور، بالإضافة لسوء توزيع العبء الضريبي، واختلاف توزيع الدخل القومي. والحد من فعاليات السياسات الاقتصادية لحصول المسئولين على معلومات خاطئة مثل معدل النمو الاقتصادي، ومعدل البطالة، والتضخم وغيرها من المؤشرات الاقتصادية الكلية.

أتبتت الدراسات أن هناك علاقة عكسية بين عمليات غسيل الأموال، والادخار المحلي؛ لأن هروب الأموال للخارج يؤدي لتقليل المدخرات التي يمكن استثمارها.
أما إذا تم عمل هذه الأموال في التصرفات العينية مثل شراء الذهب أو العقارات، أيضًا لا تفيد المجتمع بشيء.

فمن المهلك أن عمليات غسيل الأموال تؤدي لزيادة دخول أصحابها دون أن يناظره زيادة في إنتاج السلع والخدمات في المجتمع؛ وبالتالي ارتفاع ضخم في الأسعار (زيادة معدلات التضخم) وبالتالي نقص معدل الادخار، ونقص إيرادات الدولة من الرسوم والضرائب وبالتالي عجز موازنة الدولة.

تؤثر عمليات غسيل الأموال سلبًا على العملة المحلية، حيث ارتباط تهريب هذه الأموال للخارج بتحويلها للعملات الأجنية، وبالتالي زيادة الطلب عليها يرفع من قيمتها، ويؤدي لتدهور قيمة العملة الوطنية.

وأيضًا لا يمكن إغفال معدلات البطالة، فإن هروب الأموال عن طريق القنوات المصرفية أو الاكتناز سواء بالذهب أو شراء العقارات او السلع الترفهية؛ يؤدي لتعطيل جزء من الدخل القومي عن الاتجاه للاستثمارات اللازمة لتوفير فرص عمل للمواطنين حتى يتم تخفيض معدلات البطالة.

ولكن يجب ألا نغفل عن السبب الرئيسي في عمليات غسيل الأموال وهو الفساد السياسي، والذي يؤدي لتسريب جزء كبير من المنح والمعونات الخارجية والقروض الخارجية إلى جيوب المفسدين، بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار المنتج لخفض معدلات البطالة، وزيادة التوظيف.

فمن أشهر قضايا غسيل الأموال هي قضية زوج ابنة الرئيس الروسي يلتسن. حيث قام بسرقة حوالى 10 مليارات من القروض الممنوحة لروسيا، وقام بغسلها في بنك أوف نيويورك الأمريكي وكشفت التحقيقات أن البنك الأمريكي قام بتوزيعها على عشرات البنوك في العالم.

من المخيف أن الإحصاءات والتقارير الاقتصادية تؤكد على تصاعدها في ظل العولمة الاقتصادية والتجارة الإلكترونية، فالغسيل الالكتروني يتم في دقائق معدودة، بل للأسف الشديد في ثوانٍ معدودة.
كما أن الخبراء الاقتصاديين قدروا هذه المبالغ المالية بحوالي تريليون دولار وهذا يعادل 15% من إجمالي قيمة التجارة العالمية.

كما ذكر في تقرير الأمم المتحدة أن سويسرا تحتل مرتبة متقدمة في الدول التي تستقبل الأموال المغسولة التي تقدر بحوالي 750 مليون دولار سنويًا، وتتقاسم باقي الكمية مع لوكسمبورغ، وإمارة موناكو، والنمسا، وجمهورية التشيك وأخيرًا إسرائيل.

كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن تايلاند تتصدر الدول في الغسيل الإلكتروني على نطاق واسع من خلال حرية حركة الأموال بين كافة الدول النامية والمتقدمة، وتنامي الاستثمار الأجنبي المباشر، وظاهرة التوسع في المضاربات من خلال البورصات.

ولكن عمليات غسيل الأموال كالثوب المتسخ إذا أردنا تنظيفه فينصح بوضعه في ماء نظيف لإزالة الأجزاء المتسخة ولكن يظل وجود البقع.

الدول لم تقف مكبلة اليدين في شأن محاربة هذه الأموال، ولكن وجهت الأموال المغسولة بكل شجاعة وما زالت تحاربها فمثلاً:
• اتفاقية الأمم المتحدة 1988؛ تركت الحرية للدول في التصرف والإجراءات التي تراها مناسبة في مقابل منع هذه الظاهرة.

• لجنة العمل الاقتصادي المتعلقة بغسل الأموال: في عام 1990 قامت هذه اللجنة بإصدار أربعين توصية، ووضع قوانين بنكية في حالة وجود أموال مشبوهة يتم الإبلاغ عنها.
• لجنة بازل المتعلقة بالإشراف البنكي: منع التعاملات التجارية ذات الخليفة الإجرامية وخصوصًا المتعلقة بغسيل الأموال والمساهمة في اكتشافها.
• إعلان كنغستون بشأن غسيل الأموال: اجتمع وزراء وممثلو حكومات دول الكاريبي  وأمريكا اللاتينية في كنغستون بجمايكا 1992 وتم الاتفاق على تنفيذ إعلان الأمم المتحدة 1988 وتنفيذ التوصيات الأربعين التي صدرت من الدول الصناعية السبع، كما أوصوا بأن كل دولة تقوم بوضع قانون وأنظمة تتعلق بضبط ومصادرة الأموال والممتلكات والأرباح الناتجة عن تهريب المخدرات وغيرها من الأعمال غير المشروعة.

لم يكتف العالم بهذه الإجراءات، ولكن هناك الكثير وفي ظل الشفافية وسيادة القانون سوف نتغلب على هذه المرض المميت الذي يتوغل في جسد الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

إمبراطورية المؤسسة العسكرية
شارك 2
منذ يومين
العالم والاقتصاد